آفاق بيئية: المختار أبو إيمان
في فندق “راديسون ريزورت” بمدينة السعيدية، حيث تتعانق زرقة البحر مع فخامة الإقامة الشاملة، ينبض المكان بإيقاع يشبه نبضات قلب هادئ في صدر الطبيعة. هناك الطعام طقس يومي يحتفي بالحواس، ومشهد حي تتراقص فيه التفاصيل كأنها مقاطع من سيمفونية بصرية وصوتية.
عند حلول مواعيد الطعام، يتحول المطعم إلى فضاء مسرحي نابض، تتقاطع فيه خطوات الضيوف كرقصات مرتجلة، كل منهم يؤدي دورا في عرض غير مكتوب، تحركه الرغبة ويقوده الفضول. الأركان تزدحم بالألوان والنكهات، والعيون تلمع بشغف الاكتشاف، كأنها تبحث عن لحظة دهشة في طبق أو رشفة. لكن خلف هذا البهاء الظاهر، يطل مشهد أكثر عمقا وصدقا: أولئك الجنود الصامتون الذين لا تسلط عليهم الأضواء، لكنهم يصنعونها. عمال الفندق، بابتساماتهم التي لا تذبل رغم الإرهاق، يتحركون بخفة بين الطاولات، يرفعون الصحون الفارغة كما لو أنهم يرفعون عن الزوار ثقل اللحظة، ويعيدون للمكان صفاءه.عاملات النظافة، بأيد حانية كأيدي الأمهات، يمسحن الأرض من بقايا الطعام، كواجب وظيفي، و كطقس من طقوس العناية، وكأنهن يحرصن على أن يبقى المكان نقيا كأول صباح في الربيع. في صمتهن يتجلى نوع من الكرامة، لا يقال بل يشعر.
وهنا يتسلل سؤال إلى الذهن: هل تناولن طعامهن قبل أن يبدأن في تنظيف ما تبقى من موائد الآخرين؟ أم أنهن، في صمتهن، يكتفين برائحة ما يلقى ويؤجلن جوعهن إلى حين؟ إنه مشهد يوقظ فينا التأمل، ويعيد ترتيب أولوياتنا في النظر إلى العالم. يذكرنا بأن وراء كل لحظة راحة نعيشها، هناك من يبذل جهدا بصمت، من يبتسم رغم التعب، ومن يجعل من عمله رسالة خفية في الكرامة والعطاء، لا تكتب بل تحس.
وهنا، تذكرت مشهدا.آخر لا يختلف كثيرا في جوهره. تذكرت فريقي في قلب المطار، حيث يعبر المسافرون قادمين ومغادرين، يحملون في وجوههم ملامح الفرح أو الترقب، وكل منهم يعيش لحظة فريدة من رحلته. هناك، في ذلك الفضاء الواسع الذي لا يهدأ، يعمل كل فرد منا في صمت، من موقعه، ليجعل من تجربة السفر لحظة مريحة، سلسة، وربما لا تنسى.كما عاملات النظافة في الفندق، اللواتي يبدأن يومهن بمسح آثار الآخرين، نبدأ نحن يومنا بتجهيز المسارات، وتوجيه الخطى، وتقديم المساعدة بابتسامة لا تنتظر شكرا.
نراقب التفاصيل الصغيرة التي لا يراها أحد، نلتقط القلق من عيون المسافرين ونحوله إلى طمأنينة، نعيد ترتيب الفوضى قبل أن يلاحظها أحد.إنها ذات التضحية الصامتة، ذات الرسالة الخفية: أن نكون خلف الكواليس، ننسج الراحة للآخرين بخيوط من تعبنا، ونمنحهم لحظات من السكينة، دون أن نطالب بأن تذكر أسماؤنا..









































