خاطرة عيد المولد… حين كان جدي يعلمني كيف أحب النبي

محمد التفراوتيمنذ 41 دقيقةآخر تحديث :
خاطرة عيد المولد… حين كان جدي يعلمني كيف أحب النبي

مكناس: محمد التفراوتي

ثمة ذكريات لا تستأذن حين تعود إلينا، بل تعود محملة برائحة البيوت القديمة، وبأصوات من رحلوا، وبحنين لا نعرف كيف نخبئه.

كلما أقبل شهر ربيع الأول، أشعر أن شيئا في داخلي يستيقظ.

تتجدد المحبة، وتعود بي الذاكرة إلى زمن بعيد، إلى بيت جدي، إلى طفولتي، إلى تلك الأيام التي ارتبط فيها حب النبي صلى الله عليه وسلم عندي بطقوس جدي، وبالصلاة عليه في سائر الأيام والأوقات.

كان البيت يتوهج مع إشراقة ربيع الأول.

تتحرك الأيدي في المطبخ، وتعجن الحلويات، وتنتشر روائحها في أرجاء البيت، وتبدأ الاستعدادات للعيد. كان للمولد في بيتنا طعم خاص، ودفء خاص، وذاكرة لا تشبه غيرها.

وأتذكرني طفلا…

كان جدي، سيدي محمد بن هاشم، يرسلني إلى جلسة تلاوة “دلائل الخيرات” في ضريح السلطان مولاي إسماعيل بمكناس، القريب من بيتنا، مع بعض أطفال ويافعي المدينة.

كنت أشعر بفخر طفولي كبير بهذه الحظوة.

كل يوم خميس، أضمن لنفسي مكانا بين المصلين والمنشدين، باعتباري مبعوث جدي الذي ألزمه المرض المكوت في البيت.

كنت أذهب وفي قلبي شيء من الاعتزاز، وشيء من الرهبة، وكثير من الفرح.

يا سلام…

كان قلب الطفل يرفرف، وعيناه تدمعان، ويداه ترتجفان قليلا، ورأسه مطأطئا نحو كتاب “دلائل الخيرات”.

كنت أتفحص الكلمات بعناية، وأحاول أن أواكب التلاوة الجماعية دون خطأ أو تخلف عن السرد.

وكانت الأصوات تتعالى من حولي في لحن واحد، وهي تصلي على النبي بصيغ وعبارات مختلفة، جميلة وعذبة، كأنها تتصاعد من الأرض نحو السماء.

“دلائل الخيرات” للإمام الجزولي…

كتاب كان بالنسبة إلي أكثر من صفحات وحروف.

كان بوابة إلى عالم من المحبة.

ثم تتوالى الأوراد والقصائد والابتهالات:

قصيدة البردة.

قصيدة الهمزية.

الدعاء الناصري.

الصلاة المشيشية.

المنفرجة.

الفياشية….

وكانت تلك الطقوس، في جوهرها، درسا عميقا في المحبة؛ الصلاة على النبي، وذكر شمائله، واستحضار سيرته، والإنصات إلى الكلمات التي تصفه بما يليق بمقامه في قلوب محبيه.

ومن خلال تلك المجالس، كنت أتعلم كيف أردد الصلاة على النبي، كما أتعلم كيف يمكن للمحبة أن تصبح سلوكا وذاكرة وصوتا ودمعة.

وفهمت بعد أن رحل جدي إلى دار اللقاء أن لنا في البيت “كناشا” صغيرا، كان أشبه بذاكرة العائلة السرية.

كان كتابا من أوراق بيضاء، يكتب فيه خواطره، وأشعاره التي تراوده، وآية قرآنية تلمع في قلبه بنورها، أو عبارة استوقفت روحه.

وكنا نحن أطفال البيت نكتب فيه أيضا، تحت إشرافه، حكمة هنا، وعبارة هناك، وربما بيتا من الشعر أو خاطرة صغيرة.

لم أكن أدرك يومها قيمة ذلك الكناش.

كنت أراه مجرد دفتر يخص جدي، لكنه بعد رحيله صار بالنسبة إلي شيئا آخر. صار أثرا من آثاره، ونافذة أطل منها على عالمه الداخلي، وعلى ذلك الرجل الذي كان يعيش مع الكلمات كما يعيش المرء مع أشيائه العزيزة.

وذات مرة، أراد جدي أن يلفت انتباهي إلى “جوهرة الكمال”، أو “الياقوتة”، كما كان يحب أن يسميها.

وهي صلاة مميزة على النبي صلى الله عليه وسلم، كان يوليها عناية خاصة.

أرسلني إلى أحد أصدقائه، وقال لي:

“اذهب عنده وقل له: إني ربما نسيتها، فليصححها لك، ثم أعدها لي. وانتبه إلى التصحيحات.”

ذهبت كما أمرني.

كنت أظن أن الأمر يتعلق بمجرد تصحيح كلمات نسيتها، لكنني اكتشفت لاحقا أن جدي كان يفعل شيئا أبعد من ذلك.

كان يريد أن يجعلني أركز.

أن أستمع.

أن ألاحظ الفروق الصغيرة بين العبارات.

ويبدو أنه كان قد تعمد تغيير ترتيب بعض الكلمات والعبارات، حتى تترسخ في ذهني، وحتى لا أحفظها حفظا عابرا، بل أظل أتذكرها وأراجعها وأنتبه إلى تفاصيلها.

فهمت ذلك بعد سنوات.

فبعض ما يفعله الأجداد معنا ونحن أطفال لا نفهم معناه في لحظته.

نكتشف حكمته بعد أن يغيبوا.

وحين رحل جدي إلى دار اللقاء، بدأت أقرأ طفولتي معه بطريقة أخرى.

أدركت أن تلك التفاصيل الصغيرة لم تكن عابرة.

كان يزرع.

يزرع فينا المحبة، والذاكرة، والانتباه، وحسن الإصغاء.

وكان “الكناش” واحدا من تلك البذور التي تركها وراءه.

كلما تذكرت ذلك، أشعر أنني كنت أعيش طفولتي داخل مدرسة لم تكن لها جدران.

مدرسة اسمها جدي.

وكان جدي، حين يشتاق إلى الاجتماع بأحبائه، يدعوهم إلى إقامة ليلة من ليالي الذكر.

فتتحول الليلة كلها إلى فيض من المحبة والود والشوق، يتصاعد نحو أفق جميل. تتلى آيات القرآن، وتصدح القصائد النورانية، وتتعانق الأصوات، ويصعد الشوق والذوق نحو أفق لا تراه العين، لكنها تشعر به الروح.

وفي ليلة المولد، كان الرجل الصالح، الشريف مولاي هاشم البلغيتي، كعادته، يقيم ليلة المولد في السابع من أيام المولد.

ولا يزال أبناؤه على نفس العهد.

يأتي إلى بيته المحبون والعشاق من كل حدب وصوب.

وكأني أراه الآن…

متربعا في جلسة بهية بين المنشدين، يشرف على تفاصيل برنامج ليلة الاحتفال، ويتابع ترتيب فقراتها، وكأنه يخشى أن تضيع لحظة واحدة من تلك الليلة المباركة.

لم أر في حياتي، وحسب علمي، أكبر عاشق ومحب للنبي صلى الله عليه وسلم مثل الشريف مولاي هاشم البلغيتي.

كان وجهه يتوهج ويتلألأ كلما ذكر اسم “محمد”.

وكان يصلي عليه كثيرا، وكأن الصلاة عليه عنده، فضلا عن كونها كلمات ترددها الشفاه، فهي حياة تسكن القلب.

كان المنشد يتلو سيرة مولده شعرا، ومناقبه نثرا، حتى يصل إلى مخاض السيدة آمنة.

وعند تلك اللحظة، كان يحث الحاضرين قائلا:

“وقوفا على الأقدام في حق سيد… تعظمه الأملاك والجن والإنس.”

وأنا، كلما استحضرت تلك اللحظة، أرى ذلك الطفل الصغير بين الكبار. طفلا لا يفهم كل أسرار تلك الطقوس، لكنه كان يشعر بشيء عميق، شيء أكبر من الكلمات.
ثم أراه يافعا، وقد بدأت الأسئلة تكبر في داخله، وبدأت معاني تلك المجالس تتكشف له شيئا فشيئا.
ثم شابا، يحمل معه تلك الأصوات والقصائد والصلوات، ويجد في مجالس الذكر امتدادا لذاكرة طفولته.
ثم أراه رجلا، وقد أدرك أن ما عاشه صغيرا كان بذرة محبة غرست في القلب، وظلت تكبر معه عاما بعد عام.
طفلا، فيافعا، فشابا، فرجلا…
والمحبة واحدة.
والصوت واحد.
واسم محمد صلى الله عليه وسلم، الذي كان يملأ تلك المجالس، ظل يملأ القلب أيضا.

وبين كل فقرة من سيرته، كانت تتردد اللازمة التي حفظتها الذاكرة قبل أن تحفظها الكلمات:

“عطر اللهم مجالسنا بأعطر صلاة وأطيب تسليم على أكمل مولود، وأجل مودود، وأفضل كليم. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله، واجعلنا يا مولانا من أعظم المخصوصين لديه والمتعلقين بأذياله.”

كانت الأصوات تتعالى.

وتتداخل.

ثم تهدأ.

ثم تعود من جديد.

وكان اسم محمد صلى الله عليه وسلم يملأ المكان.

محمد…

اسم كان جدي يحبه، ويكثر من الصلاة على صاحبه، ويحب أن يسمعه في المجالس، ويزرع محبته في نفوس من حوله.

وبعد أن أصبحت راشدا، تغير موقع الحكاية في حياتي.

لم أعد ذلك الطفل الذي يرسله جدي إلى مجلس “دلائل الخيرات”، بل أصبحت أتلوه بنفسي، كل يوم خميس، مع نخبة من الفضلاء، إلى جانب الرجل الصالح الشريف مولاي هاشم البلغيتي، في زاوية سيدي محمد بلحبيب الأمغاري، بحي جامع الزيتونة في مكناس.

وكأن الدائرة قد اكتملت.

ما بدأه جدي معي وأنا طفل، وجد طريقه إلي من جديد وأنا رجل.

كنت أجلس بين أهل الذكر، وأردد ما حفظته الذاكرة منذ سنوات الطفولة، فأشعر أن صوت جدي لا يزال حاضرا في مكان ما.

كنت أستعيد تلك اللحظات التي كان يرسلني فيها إلى مجلس “دلائل الخيرات”، فأدرك أن بعض الأشياء التي يزرعها فينا من نحبهم لا تموت برحيلهم.

تكبر معنا.

وتكبر فينا.

ثم تعود ذات يوم، من حيث لا ندري، لتقول لنا إن ما ظنناه في طفولتنا عادة أو طقس، كان في الحقيقة جزءا من تكويننا الروحي والوجداني.

وهكذا وجدتني، بعد سنوات، أجلس في مجلس “دلائل الخيرات”، بين الفضلاء، وأصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وكأنني أواصل مكانا تركه لي جدي.

كان الطفل الذي أرسله جده قد كبر.

لكن المحبة التي حملها الطفل معه ظلت كما هي.

واليوم، وأنا أستعيد تلك السنوات، أدرك أن جدي لم يكن يرسلني فقط إلى مجلس من مجالس الذكر.

كان يرسلني إلى شيء أبعد.

كان يسلمني، من حيث لا أدري، مفتاحا لذاكرة سترافقني طوال العمر.

كان يعلمني المحبة بالفعل، قبل أن أتعلم الحديث عنها.

وكان يأخذ بيدي، وأنا الطفل، نحو عالم يرى فيه النبي صلى الله عليه وسلم حاضرا في الوجدان، في الصلاة، في السيرة، في الشمائل، وفي تلك الدموع التي تنزل أحيانا من العين دون أن نعرف كيف ولماذا.

مرت السنوات.

كبر الطفل.

وغاب الجد.

وتغيرت البيوت.

وتبدلت الأمكنة.

ورحل كثير ممن كانوا يملأون تلك المجالس أصواتا وذكريات.

لكن شيئا واحدا بقي.

الصوت.

ذلك الصوت الجماعي وهو يصلي على النبي.

وبقيت رائحة ربيع الأول.

وبقيت صورة جدي.

وبقيت ابتسامة مولاي هاشم البلغيتي

وبقي كتاب “دلائل الخيرات”.

وبقي ذلك الصوت الجماعي وهو يصلي على النبي.
وبقيت تلك اللحظات، بكل ما فيها من دفء ومحبة وشوق، تسكن الذاكرة كأنها لم تغادرها يوما.

وبقيت تلك اللحظة التي كان فيها طفل صغير يطأطئ رأسه فوق الكتاب، ويحرص ألا يخطئ في التلاوة، بينما قلبه الصغير يركض في مكان آخر.

إلى أين؟

ربما إلى المدينة التي لم يرها بعد.

وربما إلى زمن لم يعشه.

وربما إلى معنى لم يكن يستطيع أن يسميه.

اليوم، حين يأتي ربيع الأول، لا أستطيع أن أفصل المولد عن جدي.

ولا أستطيع أن أفصل محبتي للنبي عن تلك الطفولة.

فالمحبة الأولى التي نتلقاها في البيوت تظل تسكننا، حتى عندما تكبر أجسادنا وتبتعد بنا الحياة.

لقد كان جدي يعلمني أن المحبة ليست مناسبة عابرة.

المحبة أن تظل الصلاة على النبي حاضرة في القلب.

أن تستعيد سيرته حين تضيق بك الحياة.

أن تتذكر شمائله حين تحتاج إلى القدوة.

أن يصبح اسمه جزءا من وجدانك.

ولهذا، كلما أقبل ربيع الأول، أشعر أنني أعود طفلا.

أعود إلى مكناس.

إلى ذلك الضريح القريب من بيتنا.

إلى الخميس.

إلى مجلس “دلائل الخيرات”.

إلى أصوات الأطفال والشبان وهم يصلون على النبي في لحن واحد.

أعود إلى جدي…

أراه في مكانه.

وأسمعه.

وأكاد أشعر بيده وهي تشير إلي أن أذهب.

ثم أجد عيني قد امتلأتا بالدموع.

فأقول في سري:

رحمك الله يا جدي…

لقد أرسلتني طفلا إلى مجلس من مجالس المحبة، ولم أكن أعرف أنك كنت ترسل معي إلى المستقبل أجمل ما يمكن أن يحمله القلب:

محبة محمد صلى الله عليه وسلم.

وكلما عاد ربيع الأول، عاد الطفل.

وعادت معه الحكاية.

وعاد الصوت.

وعادت الدموع.

وصار البيت، ولو للحظات، يتوهج من جديد.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، واجعل في قلوبنا من محبته ما يحيي أرواحنا، ومن سيرته ما يهدي خطانا، ومن الصلاة عليه ما يملأ أيامنا نورا وسكينة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!