سفراء البيئة.. الفكرة التي صنعت بصمة مهرجان شفشاون بعد خمسة عشر عاما من العطاء

محمد التفراوتيمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
سفراء البيئة.. الفكرة التي صنعت بصمة مهرجان شفشاون بعد خمسة عشر عاما من العطاء

آفاق بيئية: محمد التفراوتي
ليست كل المهرجانات تقاس بعدد الدورات التي تنظمها أو بالأفلام التي تعرضها أو بالأسماء التي تستضيفها. بعض المهرجانات تقاس بالأفكار التي تتركها في المجتمع، وبالقدرة على تحويل حدث ثقافي عابر إلى مشروع للتغيير. ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن واحدة من أهم الثمار التي أفرزها المهرجان الدولي لأفلام البيئة بشفشاون خلال مسيرته الممتدة على خمسة عشر عاما هي فكرة “سفراء البيئة”.
و أمام تتراجع فعالية الخطابات التقليدية حول البيئة أمام قوة الصورة والتأثير الرقمي، اختار المهرجان أن يخوض تجربة مختلفة. تحويل شخصيات فنية وإعلامية وثقافية ومجتمعية إلى حملة لرسائل الوعي البيئي، ومنحهم صفة “سفراء البيئة” ليصبحوا امتدادا للمهرجان خارج قاعات العرض وخارج أيام التظاهرة السنوية.
قد تبدو الفكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في عمقها فلسفة جديدة للعمل البيئي. فالبيئة فضلا عن كونها قضية العلماء والخبراء، فهي كذلك قضية رأي عام تحتاج إلى وجوه قادرة على الإقناع والتأثير والوصول إلى مختلف فئات المجتمع.

ومن هنا جاءت مبادرة سفراء البيئة التي أطلقها المهرجان سنة 2022، لتؤسس جسرا بين عالم الثقافة والفن والإعلام وبين قضايا الطبيعة والمناخ والتنمية المستدامة.
إن أهمية هذه المبادرة تتجاوز الألقاب الرمزية أو الدروع التقديرية، لتتميز بقدرتها على خلق شبكة من الفاعلين والمؤثرين الذين يحملون الرسالة البيئية إلى فضاءات مختلفة. فالفنان يصل إلى جمهوره، والإعلامي يصل إلى متابعيه، والمخرج يوصل الفكرة عبر الصورة، والفاعل المدني ينقلها إلى المجتمع المحلي. وهكذا تتحول البيئة من موضوع موسمي إلى ثقافة يومية متداولة.
ولم تأت هذه الفكرة من فراغ، بل هي نتيجة مسار طويل بدأ سنة 2009 حين انطلقت التجربة كملتقى للفيلم التربوي، قبل أن تتطور تدريجيا إلى مهرجان وطني ثم إلى مهرجان دولي متخصص في السينما البيئية. وخلال هذه السنوات، راكمت جمعية تلاسمطان للبيئة والتنمية تجربة فريدة في توظيف الفن لخدمة قضايا البيئة، إلى أن وصلت إلى مرحلة الانتقال من عرض الأفلام إلى صناعة التأثير المجتمعي.
لقد نجح المهرجان في استضافة أسماء بارزة من عالم السينما والنقد والبيئة، وفتح جسورا للتعاون الدولي، وأطلق مبادرات رائدة مثل تنظيم دورات بدون بلاستيك أحادي الاستعمال، والانفتاح على المؤسسات التعليمية، وتشجيع الإبداع السينمائي لدى الأطفال والشباب. غير أن مبادرة سفراء البيئة تبقى الأكثر دلالة على نضج التجربة، لأنها تنقل رسالة المهرجان من المجال الثقافي إلى المجال المجتمعي الواسع.
واليوم، بعد خمسة عشر عاما من العمل المتواصل، يطرح السؤال نفسه: ماذا بعد؟
يبدو أن مستقبل هذه المبادرة يحمل إمكانات كبيرة. فمن الممكن أن تتحول شبكة سفراء البيئة إلى منصة وطنية للترافع البيئي، وأن تصبح قوة اقتراحية ومجتمعية تدافع عن قضايا التنوع البيولوجي والمناخ والموارد الطبيعية، وأن تشكل نموذجا عربيا وإفريقيا في توظيف القوة الناعمة لخدمة البيئة.
هنا تحديدا تكمن فرادة مهرجان شفشاون. فنجاحه  تجلى في تحويل المدينة إلى وجهة للسينما البيئية، وكذا في قدرته على إنتاج أفكار تستمر بعد إسدال الستار على العروض. ولعل “سفراء البيئة” يمثلون اليوم أحد أهم هذه الأفكار. فكرة تؤكد أن حماية الطبيعة تحتاج إلى القوانين والتقارير، كما تحتاج أيضا إلى سفراء يحملون الرسالة إلى الناس بلغة الفن والثقافة والأمل.

وهكذا، بينما يطفئ المهرجان شمعته الخامسة عشرة، تتجسد ثمرة تجربته في جيل من سفراء البيئة، باتوا يمثلون امتدادا حيا لرسالته خارج زمن التظاهرة وحدود المدينة.

ولعل اختيار هذه النخبة من الشخصيات كسفراء للبيئة في دورة 2026 يجسد بعمق فلسفة هذه المبادرة. فقد جاءت البداية مع الإعلامية زهور حميش، مديرة القناة الرابعة المغربية، التي تلقب بـ«سيدة المغرب الخضراء» لما راكمته من رصيد مهني وعطاء جعلها نموذجا للمرأة المغربية المدافعة عن البيئة، حيث سخرت الإعلام العمومي ليكون منبرا لقضايا المناخ والطبيعة. وإلى جانبها برزت الشاعرة والإعلامية فاطمة يهدي بالقناة الرابعة، التي جمعت بين قوة الكلمة الشعرية والرسالة الإعلامية لتجعل من الثقافة والفن وسيلة للتعبئة والتحسيس البيئي. كما تميزت الصحفية خديجة الفحيصي من قناة MEDI1TV بمهنيتها في تقريب تحديات المناخ والتنوع البيولوجي من الجمهور، فيما جسد المخرج نور الدين الخماري دور الفن السابع كأداة للتأثير والتوعية، مؤكدا أن السينما يمكن أن تكون قوة اقتراحية في الدفاع عن الطبيعة. أما المصور الشفشاوني عزيز أسعود فقد جسد بعصاميته وعدسته ذاكرة بصرية لقضايا المجتمع والبيئة، موثقا أحداثا كبرى مثل حرائق شفشاون وجائحة كوفيد‑19. ويكتسب هذا الاختيار بعدا دوليا من خلال حضور السفيرة الدولية فريديريكا جيلبيرت، مديرة مهرجان CETASEA للأفلام البيئية، التي تضفي على المبادرة إشعاعا عالميا وتؤكد أن قضية البيئة قضية كونية تتطلب تضافر الجهود عبر الحدود.

ومن خلال هذا التنوع، يبعث المهرجان رسالة مفادها أن سفير البيئة ليس بالضرورة عالما أو خبيرا، يمكن أن يكون إعلاميا، شاعرا، مخرجا أو مصورا، يوظف أدواته الإبداعية والمهنية لنقل الرسالة البيئية إلى المجتمع، وتحويلها إلى ذاكرة جماعية وثقافة يومية متداولة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!