واحد وعشرون عاما… ثم أمي

محمد التفراوتيمنذ 6 ساعاتآخر تحديث :
واحد وعشرون عاما… ثم أمي

آفاق بيئية: المختار أبو إيمان

بعد واحد وعشرين عاما من الترحال بين الداخلة والحسيمة وأكادير، وجدتني أعود إلى الرباط، المدينة التي لم تغادرني يوما وإن غادرتها. كنت أظن أنني أنا الذي ابتعدت، فإذا بالمدينة هي التي كانت تنتظرني بصبر يشبه صبر الأمهات.اليوم، وأنا أضع حقيبتي عند عتبة البيت، لم يكن المشهد مجرد عودة إلى مكان، إنما إلى حضن قديم ظل مفتوحا رغم المسافات.

وجه أمي، الذي ما زال يعرف اسمي قبل أن أنطق به، كان الدليل الأصدق على أن الزمن لا يغير جوهر الحب.
جلست إلى جوارها، فأدركت أن كل تلك السنوات لم تكن سوى طريق طويلة تعود بي إلى هنا. لم تكن المناصب ولا المدن سوى محطات عابرة، أما الأصل فهو هذا القرب، هذه اللحظة التي تختصر العمر كله في ابتسامة أم راضية.
طريقا طويلة كانت تعود بي إلى هنا، حيث ينبض قلبي على نغم لا يشبه سواه. هنا يهدأ النبض هدوء الواصل، لا لهاث العابر. وهنا يتردد في صدري صوت أعرفه منذ الطفولة، لم تسمعنيه مدينة أخرى مهما أقمت فيها.
كأن قلبي ظل هذه السنين كلها يعزف على وتر ناقص، فلما أبصر بابها استوى اللحن وتم.
في الرباط، بدا كل شيء وكأنه يستعيد نغمة قديمة. الأزقة التي كنت أعبرها طفلا، المقاهي التي كانت تضج بأحاديث المارة، وحتى نهر أبي رقراق الذي يواصل جريانه بصمت، كلها بدت وكأنها تبارك عودتي. المدينة لم تتغير كثيرا، لكنها صارت أكثر حنانا حين رأتني أعود إلى أمي.

كنت أستعيد في داخلي صور السنوات الماضية: مطارات بعيدة، وجوه عابرة، مسؤوليات لا تنتهي. لكن كل تلك الصور تذوب الآن أمام مشهد واحد: أمي وهي تضع يدها على يدي، كأنها تقول إن كل الطرق مهما طالت، تنتهي هنا.
الرباط فضلا عن كونها محطة في مساري المهني، فهي مرآة لرحلتي، ومحرابا أستعيد فيه معنى الاستقرار. هنا، حيث تتقاطع الذكريات مع الحاضر، أتعلم أن العودة ليست نهاية الطريق، بل بدايته الحقيقية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!