أسبوع الطيران والمناخ 2026: الطيران يبحث عن طريقه نحو الاستدامة

محمد التفراوتيمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
أسبوع الطيران والمناخ 2026: الطيران يبحث عن طريقه نحو الاستدامة

آفاق بيئية : محمد التفراوتي 

التأم خبراء قطاع الطيران والنقل الجوي، مؤخرا، في لقاء دولي ضمن فعاليات أسبوع الطيران والمناخ 2026 (Aviation Climate Week 2026)، لتبادل الرؤى والخبرات ومناقشة قضايا ما تزال تؤرق مستقبل القطاع، ومستجدات تفرض نفسها على أجندة الطيران والمناخ. وبين جلسات النقاش والعروض التقنية، أتاح اللقاء مساحة لتلاقح الأفكار والخبرات حول مسارات التحول نحو طيران أكثر استدامة، من وقود الطيران المستدام (SAF – Sustainable Aviation Fuel) والطاقات الأنظف، إلى التمويل والابتكار وآليات خفض الانبعاثات.
وكان واضحا من مختلف العروض أن السؤال البيئي للطيران أصبح أكثر اتساعا؛ فالمطروح يرتبط بالطاقة والإنتاج والأسواق والتمويل والتكنولوجيا، ويمتد إلى قدرة الدول على بناء مشاريعها الخاصة والاستفادة من التحول الأخضر، وإلى مدى قدرة الحلول المطروحة على إحداث أثر ملموس في الانبعاثات.
ومن هنا، تكتسب مداولات «أسبوع الطيران والمناخ 2026» أهمية خاصة؛ فهي تقدم صورة عن الاتجاهات التي تتشكل داخل قطاع الطيران، وعن الخيارات التي يجري اختبارها، وعن الرهانات التي ستحدد شكل الطيران خلال العقود المقبلة.
في مقدمة هذه الرهانات، يحضر وقود الطيران المستدام (SAF – Sustainable Aviation Fuel) باعتباره أحد أهم المسارات المطروحة لخفض البصمة الكربونية للطيران. وقد خصصت العروض مساحة واسعة للسياسات المرتبطة بهذا الوقود، وتطوير السوق، والمسارات التقنية الجديدة، إلى جانب التحضيرات المرتبطة بالمؤتمر الرابع للطيران والوقود البديل (CAAF/4 – Conference on Aviation and Alternative Fuels).


وتكشف العروض المقدمة عن محاولة لبناء منظومة متكاملة حول SAF، تبدأ من السياسات والتخطيط، وتمر عبر الأطر التنظيمية ودعم التنفيذ، وصولا إلى التمويل. وتكتسب هذه المقاربة أهميتها من طبيعة التحدي نفسه؛ فإنتاج وقود مستدام للطيران يحتاج إلى مواد أولية، وتقنيات تحويل، وسلاسل إمداد، وشهادات استدامة، وأسواق قادرة على استيعابه، واستثمارات تتيح الانتقال من المشاريع التجريبية إلى الإنتاج التجاري.
وتحمل الأرقام المعروضة خلال الأسبوع دلالة واضحة على حجم الطريق أمام هذا التحول. فقد بلغ إنتاج وقود الطيران المستدام(SAF) حوالي 1.9 مليون طن خلال عام 2025، بينما تشير التقديرات المعروضة إلى حاجة تقارب 23 مليون طن سنويا بحلول 2030 من مصادر الطاقة الأنظف لتحقيق خفض بنسبة 5 في المائة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. وتبلغ الطاقة الإنتاجية الحالية للوقود المؤهل ضمن نظام التعويض وخفض الكربون في مجال الطيران الدولي (CORSIA – Carbon Offsetting and Reduction Scheme for International Aviation) حوالي 5.7 ملايين طن سنويا.

الأرقام تعكس حركة مهمة في السوق، وفي الوقت نفسه تضع حجم الفجوة أمام أعيننا. فالطموح المناخي يحتاج إلى توسع سريع في الإنتاج، وإلى بنية تحتية قادرة على مواكبة هذا التوسع، وإلى استثمارات طويلة الأجل تمنح المنتجين والمستهلكين وضوحا أكبر بشأن مستقبل السوق.
وهنا تبرز أهمية المسارات الابتكارية التي تناولتها العروض. فالمستقبل المقترح للوقود المستدام يقوم على مجموعة واسعة من المصادر والتقنيات، تشمل مواد أولية مختلفة، ومصادر للكربون، واستخدام الكهرباء، واحتجاز الكربون وتخزينه، ومسارات جديدة يجري تقييمها وإدراجها ضمن نظام التعويض وخفض الكربون في مجال الطيران الدولي (CORSIA).

ويكشف هذا التنوع عن حركة علمية وتقنية واسعة داخل قطاع الطيران. غير أن التنوع في الحلول يفتح أيضا بابا واسعا أمام النقاش البيئي حول جودة الاستدامة نفسها. فالمادة الأولية التي تدخل في إنتاج الوقود، ومصدر الطاقة المستخدمة في عملية التصنيع، واستهلاك المياه، وتأثير الإنتاج على الأرض والتنوع البيولوجي، كلها عناصر تدخل في الصورة النهائية للبصمة البيئية.
وهنا تبدو أهمية مفهوم انبعاثات دورة الحياة الذي أصبح حاضرا بقوة في منظومة الوقود المؤهل لـنظام التعويض وخفض الكربون في مجال الطيران الدولي (CORSIA). فقد تطورت عملية اعتماد الوقود لتشمل معايير للاستدامة، وحسابات للانبعاثات عبر دورة الحياة، وأنظمة للتصديق والتحقق.
وتشير العروض إلى أن عدد الجهات الاقتصادية المعتمدة ضمن سلسلة توريد الوقود المؤهل لنظام التعويض وخفض الكربون في مجال الطيران الدولي (CORSIA) ارتفع من 370 جهة عام 2025 إلى أكثر من 700 جهة عام 2026، فيما يعتمد الوقود المؤهل المنتج حتى الآن على مصادر قائمة على النفايات، مع متوسط خفض في انبعاثات دورة الحياة يبلغ نحو 81 في المائة.
هذه المعطيات تكشف عن تحول مهم في طريقة التعامل مع الوقود المستدام. فصفة «مستدام» أصبحت مرتبطة بمنظومة من المعايير والحسابات والشهادات، وأصبحت عملية التحقق جزءا أساسيا من مصداقية السوق الجديدة.
وفي هذا الجانب، يكتسب نظام التعويض وخفض الكربون في مجال الطيران الدولي (CORSIA) دورا يتجاوز كونه آلية لاحتساب الانبعاثات. فهو يساهم في تشكيل سوق دولية للوقود المؤهل ووحدات الانبعاثات، ويضع قواعد لتحديد ما يمكن احتسابه ضمن النظام وما يحتاج إلى إثبات وتصديق.
وهنا تظهر أهمية الشفافية. كلما توسعت سوق الوقود المستدام وآليات التعويض وخفض الانبعاثات، ازدادت الحاجة إلى بيانات دقيقة وإلى أنظمة تحقق مستقلة وإلى ضمان عدم احتساب الخفض نفسه أكثر من مرة.
ومن بين الملفات التي أثارت اهتماما خاصا خلال العروض برنامج المساعدة وبناء القدرات والتدريب في مجال وقود الطيران المستدام (ACT-SAF – Assistance, Capacity Building and Training for Sustainable Aviation Fuels)، الذي يمثل آلية مهمة في مجال بناء القدرات ودعم الدول الراغبة في تطوير إنتاج الوقود المستدام. وقد عرض البرنامج حصيلة السنوات الأولى من عمله، بما فيها الدراسات المنجزة والدراسات الجديدة ومشاريع بناء القدرات ودراسات الجدوى والشراكات.

وتظهر أهمية هذا المسار خصوصا بالنسبة إلى الدول التي تمتلك إمكانات في مجال المواد الأولية أو الطاقة المتجددة، لكنها تحتاج إلى المعرفة والخبرة والدراسات والتمويل حتى تتمكن من الانتقال إلى مراحل الإنتاج.
وهنا أرى قضية تستحق نقاشا أعمق.

ويمنح التوسع في إنتاج وقود الطيران المستدام (SAF) الدول النامية فرصة لبناء مواقع جديدة داخل اقتصاد الطيران الأخضر، من خلال تطوير المواد الأولية والتصنيع والخدمات والخبرات المرتبطة بسلسلة القيمة.

وفي الوقت نفسه، تحتاج هذه الدول إلى موقع حقيقي داخل سلسلة القيمة، بحيث تتحول مواردها الطبيعية إلى فرص صناعية ومعرفية محلية، وتجد فيها الكفاءات والشركات والمؤسسات الوطنية مكانا داخل الاقتصاد الجديد للطيران.

وتطرح هذه التحديات سؤالا اقتصاديا وبيئيا حول موقع الدول المنتجة للمواد الأولية في سلسلة القيمة الجديدة: هل تتحول مواردها إلى وقود طيران مستدام (SAF) منتج محليا، أم تغادر في صورتها الأولية لتضاف القيمة الصناعية والتكنولوجية في أسواق أخرى؟

وهذه النقطة تفتح الباب أمام سؤال أكبر حول عدالة التحول الأخضر.
فالانتقال إلى طيران أكثر استدامة يحتاج إلى موارد ضخمة، ومن الطبيعي أن تبحث صناعة الطيران عن أفضل مصادر الطاقة والمواد الأولية. لكن مصالح الصناعة ينبغي أن تتقاطع مع مصالح المجتمعات والاقتصادات المحلية وحماية النظم البيئية. ومن موقعي كمناضل بيئي، أتطلع إلى نموذج يجعل التحول الأخضر فرصة لبناء القدرات المحلية، وتطوير التكنولوجيا، وخلق القيمة وفرص العمل، مع حماية الموارد التي تقوم عليها هذه الصناعة الجديدة.
ويأخذ التمويل موقعا مركزيا في هذه المعادلة. فقد تناولت العروض الحاجة إلى تطوير مشاريع قابلة للتمويل، وإلى توظيف أدوات الدين ورأس المال والتمويل المختلط والضمانات ومؤسسات التنمية.
وتزداد أهمية هذا النقاش عندما نضع أمامنا حجم الاستثمارات المطلوبة لتحقيق التحول. فالتقديرات المعروضة تشير إلى إمكانية وصول استثمارات موردي الوقود إلى حوالي 3.2 تريليون دولار حتى عام 2050 في مجال الطاقة النظيفة للطيران.
هنا يصبح التمويل جزءا من السياسة المناخية نفسها. فالطريق من دراسة الجدوى إلى المصنع، ومن المصنع إلى السوق، يحتاج إلى منظومة مالية تستطيع تحمل المخاطر الأولى، وتمنح المشاريع الواعدة فرصة الوصول إلى مرحلة الإنتاج.
وفي هذا الإطار تأتي منصة التمويل والاستثمار في الطيران (Finvest Hub) لربط المشاريع بالمستثمرين ومؤسسات التمويل وبنوك التنمية والشركاء التقنيين، ومساعدة المشاريع على تحسين جاهزيتها للحصول على التمويل.
لكن التمويل الأخضر، من وجهة نظري، يحتاج إلى بوصلة بيئية واضحة. حجم الاستثمار مهم، وقدرة المشروع على تحقيق عائد اقتصادي مهمة، غير أن السؤال الذي يرافق كل مشروع ينبغي أن يرتبط بالأثر الذي سيتركه على المناخ والموارد والنظم البيئية والمجتمعات.
وفي زاوية أخرى من المؤتمر، برزت تقنية الالتقاط المباشر لثاني أكسيد الكربون من الهواء (DAC – Direct Air Capture) كإحدى التقنيات التي يمكن أن تدخل في مستقبل الطيران، خصوصا من خلال استخدام الكربون الملتقط لإنتاج الوقود الإلكتروني المستدام للطيران (e-SAF – e-Sustainable Aviation Fuel).
الفكرة تحمل إمكانات مهمة، لأنها تفتح مجالا لاستخدام ثاني أكسيد الكربون الموجود في الغلاف الجوي مصدرا للكربون في بعض مسارات إنتاج الوقود، مع إمكانية تخزين جزء منه جيولوجيا أو استخدامه في معالجة الانبعاثات المتبقية.
ومن وجهة نظر بيئية، تستحق هذه التقنية التشجيع والبحث والتطوير، مع تقييمها عبر دورة حياتها الكاملة. الطاقة التي تحتاجها عملية الالتقاط، والمياه المستخدمة، ومصدر الكهرباء، وطريقة تخزين الكربون، كلها عناصر تحدد في النهاية القيمة المناخية الحقيقية للتقنية.
فالابتكار البيئي يكتسب قوته من قدرته على معالجة المشكلة مع الحفاظ على الموارد التي تعتمد عليها الحياة نفسها.
وتقودنا هذه النقطة إلى الشراكات التي شكلت محورا آخر من محاور أسبوع الطيران والمناخ. فقد التقت خلال الجلسات مؤسسات دولية وحكومات وشركات طيران وطاقة ومؤسسات مالية ومصنعون وشركاء تقنيون، في محاولة لبناء شبكة واسعة حول الطاقة الأنظف للطيران.
وهذا التعدد في الخبرات مهم جدا. فالطيران صناعة عالمية، وسلسلة الطاقة التي يعتمد عليها أكثر تعقيدا من أن تديرها جهة واحدة. نجاح التحول يحتاج إلى تعاون بين المختبر والجامعة والحكومة والشركة والمستثمر والمؤسسة الدولية.
ومن هنا تبدو قيمة تلاقح الأفكار والخبرات التي ميزت هذا اللقاء؛ فكل طرف يحمل جزءا من الحل، بينما تحتاج الصورة الكاملة إلى جمع هذه الأجزاء داخل رؤية واحدة.
وقد بدا من مختلف العروض أن الطيران يتحرك نحو مرحلة جديدة تتداخل فيها التكنولوجيا مع الاقتصاد، والطاقة مع البيئة، والتمويل مع السياسة المناخية.
ومن موقعي كمناضل بيئي، أرى أن هذا التحول يحمل كثيرا من أسباب التفاؤل، كما يحمل مسؤولية أكبر.
أتطلع إلى طيران أكثر كفاءة، ووقود أكثر استدامة، وتكنولوجيا أكثر نظافة، واستثمارات توجه نحو حلول ذات أثر بيئي حقيقي. وأتطلع في الوقت نفسه إلى أن تتسع النظرة إلى الاستدامة لتشمل المياه والأرض والتنوع البيولوجي والموارد الطبيعية والعدالة في توزيع فرص التحول.
فالمناخ يمثل جزءا أساسيا من المعادلة، بينما تمتد البيئة إلى منظومة أوسع.
وهذا ما يجعل مستقبل الطيران قضية تتجاوز الطائرة نفسها.
الطائرة تحلق في السماء، لكن الوقود يأتي من الأرض، والطاقة تحتاج إلى موارد، والمطارات تقوم على اليابسة، والمياه تدخل في العديد من العمليات، والمواد الأولية تأتي من منظومات طبيعية مختلفة، والانبعاثات تصل إلى الغلاف الجوي.
لهذا أتطلع إلى مرحلة يصبح فيها تقييم الأثر البيئي للطيران أكثر شمولية، وتصبح كل خطوة في التحول مرتبطة بسؤال بسيط وعميق في الوقت نفسه:
ماذا تغير فعلا في البيئة؟
هنا تحديدا يمكن قياس نجاح كل هذه الجهود.
فالبرامج مهمة، والمؤتمرات مهمة، والشراكات مهمة، والأرقام مهمة، والتكنولوجيا مهمة. لكن القيمة النهائية لهذه المنظومة تظهر عندما تتحول إلى انخفاض مستمر في الأثر المناخي والبيئي، وإلى استخدام أكثر رشدا للموارد، وإلى فرص أكثر عدالة للدول والمجتمعات.
وهذه، في تقديري، هي الرسالة التي يمكن أن نخرج بها من أسبوع الطيران والمناخ 2026: قطاع الطيران بدأ يرسم ملامح رحلة جديدة نحو الطاقة الأنظف، وقد أصبحت أمامه أدوات وتقنيات وبرامج وشراكات متعددة.
أما الوجهة النهائية، فتظل مرتبطة بقدرتنا على جعل هذه الرحلة أكثر انسجاما مع حدود الكوكب وأكثر إنصافا لمن يعيشون عليه.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!