التكيف الحتمي مع الاحترار العالمي!

محمد التفراوتيمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
التكيف الحتمي مع الاحترار العالمي!

آفاق بيئية: د. حمدي هاشم

جغرافية المخاطر المناخية

تشهد منطقة حوض البحر المتوسط (وغيرها من العالم)، في السنوات الأخيرة، موجات حر غير مسبوقة، وانتشار واسع لحرائق الغابات، وضغوطا متزايدة على البنية التحتية والاقتصاد والصحة العامة، وليست هذه الظواهر مجرد أحداث طبيعية عابرة، بل هي انعكاس مباشر لتسارع التغير المناخي بفعل النشاط البشري. وتهتم الجغرافية البيئية (1) كيف تؤثر التغيرات المناخية في الأنماط العمرانية، الزراعية، والاقتصادية؟ لذا تعد موجات الحر وحرائق الغابات ظاهرة جغرافية ـ بيئية مركبة، في ظل انعدام قدرة المنظومات البيئية والمالية على احتواء تداعيات التغير المناخي. ولم يترك الاحترار العالمي منطقة جغرافية، لامتداده المتسع عبر منظومة مناخية معقدة تمتد من أشد الجزر عزلة في المحيط الهادي لتشمل أكثر المدن الكبرى.

تعرضت (في الآونة الأخيرة) مناطق واسعة لموجات حر قياسية متكررة في: أوروبا الغربية، شرق آسيا، شبه الجزيرة العربية، أمريكا الشمالية، وأستراليا الشرقية، والتي خلفت خسائر بشرية واقتصادية ضخمة. وعلى صعيد آخر، تعد منطقة القطب الشمالي الأكثر تغيراً، بما تواجهه من ارتفاع في درجات الحرارة (أسرع أربع مرات من المتوسط العالمي)، مما يؤدي إلى ذوبان الجليد واضطراب التيارات الجوية. ولما كانت دول حوض المتوسط ضحية لتأثيرات القبة الحرارية المتلاحقة، ومداخلتي لبرنامج أسبوع الدولية، إذاعة الجزائر الدولية، عن القبة الحرارية وحرائق الغابات في حوض البحر الأبيض المتوسط (2)، حرصت على التوسع فيه قليلاً للأهمية، ونشره بهدف تعميم ثقافة التكيف مع الاحترار العالمي.

أسئلة وجودية

هل هناك معركة بالفعل تخوضها البشرية ضد جغرافية متغيرة ومتمردة؟! وكيف يعيد المناخ رسم جغرافية السياسة والاقتصاد، وجعل مصير الحضارة البشرية على المحك في العقود القادمة؟ وذلك مع تهديد جهود التنمية بفعل تغير المناخ، وحصاد أرواح وأملاك بمختلف جغرافيات الحياة! الأمر الذي يتطلب مراكز نفوذ جديدة حول: الطاقة النظيفة، تهديد الأمن المائي والغذائي، وزيادة الضغوط على الدول النامية، مثل مصر التي تواجه تحديات التمويل والبنية التحتية (3)، وبذلك سوف تزدهر الدول القادرة على الاستثمار في الاقتصاد الأخضر سياسياً واقتصادياً، وتتراجع الدول المعتمدة على الوقود الأحفوري. وهل العالم قادر على إدارة هذا التحول المناخي بسلام (المياه، الطاقة، والهجرة)، أم ينتظر أزمات متشابكة؟! تتطلب الاستعانة (قبل فوات الأوان) بقوة آليات التكيف، الابتكار، والتعاون الدولي، لإدارة ذلك التحول الوجودي، عبر سياسات ذكية واستثمارات الاقتصاد الأخضر. وهي حرب بقاء ضد سيطرة المناخ على مشوار الحياة (4)، ومن ثم سيقود الحضارة من يستثمر في التكيف، ويظل في ذيل التاريخ من هم في سبات عميق!

الدول الفقيرة رهينة الدول الغنية

يظل الاحترار العالمي مسئولية الدول الصناعية (ذات البعد الواحد)، التي ساهمت بانبعاثات غازات الدفيئة الضخمة (منذ الثورة الصناعية)، مما جعل الدول الفقيرة تتحمل الأضرار الأكثر قسوة رغم مساهمتها المحدودة، وتظل الدول الصناعية الكبرى (منها الولايات المتحدة، كندا، اليابان، أستراليا، ومعظم دول أوروبا الغربية) المسؤولة عن (50) % من إجمالي الانبعاثات منذ عام (1850). تمثل هذه الدول (12) % من سكان العالم، إلا أنها بدأت التصنيع مبكرا، فكانت الأكثر حرقاً للفحم والنفط والغاز لفترات أطول، وتسببت في ارتفاع حرارة الأرض بمقدار يزيد قليلا على درجة مئوية، وموجات حر قاتلة، فيضانات، جفاف، وحرائق غابات واسعة (5). ولأن الصين مصنع العالم، فإنها أكبر مصدر للانبعاثات الكربونية بنحو يفوق (25) %، ولكنها تشكل مع الولايات المتحدة أكثر من (40) % من الإجمالي العالمي (2025)، وهناك تقارير تقدر هذه النسبة بأكثر من (60) % للدولتين معاً. ويبلغ نصيب الهند حوالي (7) % من الانبعاثات العالمية، بنصيب منخفض جداً للفرد بسبب الفقر وارتفاع عدد السكان، ويظل نصيب الفرد في الدول الغنية الأعلى من تلك الانبعاثات.

يعود تفاقم الأزمة إلى جشع شركات الوقود الأحفوري وتخاذل الحكومات (تقارير حقوقية)، لما تحققه تلك الشركات من أرباح ضخمة، وتحمل الدول الفقيرة تكاليف الكوارث المناخية! وتظل الأزمة حالة طوارئ لحقوق الإنسان، لكونها تهدد الحياة والصحة والسكن والمياه والغذاء (منظمة العفو الدولية). وتتطلب العدالة المناخية تحمل الدول الغنية والشركات الكبرى تكلفة الأضرار، ودعم الدول الفقيرة في مواجهة الكوارث، وتمويل التكيف مع المخاطر المناخية، مثل بناء أنظمة إنذار مبكر، تحسين البنية التحتية وضمان المياه والغذاء. ولا تزال مؤتمرات المناخ الأممية منذ بدأت (برلين 1995) تتعهد الدول الغنية بمليارات الدولارات لدعم الدول المتضررة، ولكنها تتملص في التنفيذ الفعلي، ضد خطاب التضامن المناخي، فتدفع الدول الفقيرة ثمناً لأزمة ليست سبباً فيها. وهذاً يثير جدلاً واسعاً حول استلاب الدول الفقيرة وجعلها رهينة نظام اقتصادي ومالي عالمي صمم لخدمة مصالح الدول الغنية (6)، وغض الطرف عن مبدأ الملوث يدفع في العدالة المناخية!

التلاعب بالعقول وهيمنة خفية!

اتفقت الدراسات على تعامل الدول الصناعية الكبرى غير المسؤول مع البيئة، وأنها تلزم الدول الفقيرة بضرورة القضاء على التلوث من المنبع، وتضرب بقوانين وسياسات البيئة عرض الحائط! من أجل تسريع زيادة النمو الاقتصادي لشركاتها ومصانعها، بغرض الهيمنة على العالم، بل تتلاعب بالخطاب السياسي لحساب استدامة الرفاهية لشعوبها لزوم الانتخابات، ولا تساعد بشرف وإنسانية في تنمية هذه الدول المغلوبة على أمرها إلا بالدخول في خدمة مصالحها! علاوة على رفض الاعتراف بالمسؤولية البيئية (7) تجاه تصاعد الأزمات المناخية الحادة، وأخطرها أزمة الاحترار العالمي، غير القابل للعكس في الزمن المنظور.

تتولى (على جانب آخر) الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (تأسست عام 1988) إصدار تقارير دورية عن المخاطر المستقبلية وخيارات التكيف والتخفيف من تغير المناخ، دون رقابة من هيئات علمية محايدة لاعتماد دقة المؤشرات المرجعية، وسلامة معايير القياس! وبعد سنوات من تخويف ورهيب الدول النامية، تحيل هذه الهيئة الرسمية الأممية الفشل التكراري لأهدافها إلى بطء الاستجابة السياسية والتنفيذية من قبل حكومات العالم! وأعتقد لا تستطيع التشكيك في شعار “أمريكا أولاً”، المتضامن مع مصالح قطاع استخراج النفط، وأن لا علاقة لثاني أكسيد الكربون بظاهرة الاحتباس الحراري، بحسب رأي مجموعة فيزيائيين أمريكية! وتعتمد سيناريوهات الهيئة على حجم انبعاثات الكربون (تريليونات الأطنان سنوياً) من الأنشطة البشرية (8)، ولا تضع في مدخلاتها ما تسببه التجارب الذرية، والحروب الحديثة، وأسلحة الدمار الشامل التقليدية والسرية، وغيرها، المدمرة لعناصر الطبيعة وحياة البشر، وآثارها التراكمية لعقود طويلة بل إلى قرون!

مخاوف المواطن العالمي

تنقل وسائل الإعلام، ومختلف مواقع التواصل الافتراضي، مخاوف المواطن العالمي والمثقف المتخصص، ومنها مقولة جدلية على خلفية انتكاسة التزايد الحراري للأرض بمستويات غير مسبوقة، تستشرف أن درجة حرارة الصيف الحالي (2026) ستكون الأبرد في المستقبل! وذلك على خلفية كسر الأرقام القياسية لدرجات الحرارة المسجلة عبر تاريخ البشرية. علاوة على احتمالية تحول المدن الكبرى (كثيفة السكان) إلى أفران بشرية! في ظل بلوغ درجة الحرارة (50) مئوية، مع تبدل الحياة في شوارع المدن إلى خطر مميت، ونظرية استبعاد العكس السريع للاحترار الحالي ـ في المدى القصير (20 ـ 30 سنة) ـ حتى لو توقفنا عن الانبعاثات اليوم، لأن غازات الدفيئة لا تغادر الغلاف الجوي لعقود. وهكذا تستخدم وسائل الإعلام عبارات قوية ومثيرة لتبسيط التحذيرات العلمية وجذب الانتباه، ومنها صرخة الأمين العام للأمم المتحدة التحذيرية من تجاوزنا مرحلة الاحتباس الحراري إلى الغليان العالمي (2023)، بينما المصطلح العلمي الدقيق لوصف الوضع الحالي، إننا دخلنا مرحلة الاحترار غير القابل للعكس على المدى القصير والمتوسط!

أنماط الطقس تتأثر بظواهر الاحترار العالمي

يشهد سكان الأرض موجات حر قاسية نتيجة تكرار ظاهرة القبة الحرارية، التي لا يربطها بظاهرة النينو علاقة مباشرة (بحسب علماء المناخ)، بينما تتأثر أنماط الطقس بالتفاعل بين هاتين الظاهرتين المناخيتين، اللتين تعملان معاً للقفز بدرجات الحرارة إلى معدلات تاريخية، ترفع النينو من حرارة الغلاف الجوي (عالمياً)، وتحبس القبة الحرارية هذا الحر الشديد (محلياً) لتسجل نوبات حر قياسية. ولكن الهيئة الدولية الحكومية المعنية بتغير المناخ تؤكد الارتباط المباشر للقبة الحرارية بأحجام الانبعاثات الكربونية الهائلة (الفحم والنفط والغاز)، التي تراكم الحرارة وتدمر الغابات، حيث يقلل فقدان الغطاء النباتي من قدرة الأرض على التبريد الطبيعي. علاوة على ضريبة التمدن غير المخطط، فالمدن الإسمنتية تحتفظ بالحرارة أكثر من المناطق الريفية.

تبسيط علمي للظاهرة

تراها سيارة مغلقة النوافذ في الصيف تحت أشعة الشمس، التي تدخل من خلال النوافذ وتضرب المقاعد، وتزيد من سخونتها وتطلق الحرارة في الهواء داخل السيارة، ولأن النوافذ مغلقة يزداد احتباس الحرارة، الذي يجعل السيارة فرناً قابلة للاشتعال الذاتي! وتجد في هذا التبسيط، الضغط المرتفع في القبة الحرارية نوافذ السيارة المغلقة. وكنت قد اشتريت أدوات هندسية بلاستيكية وتركتها في سيارتي، لأجدها تكاد تذوب من فرط الحرارة (مدينة جدة ـ صيف 1982)! هكذا تتولد القبة الحرارية بضغط المرتفع الجوي للهواء الساخن ويحبسه قريباً من سطح الأرض بمنطقة جغرافية معينة (مثل زجاج السيارة الذي يمنع الهواء الساخن من الهروب إلى الأعلى)، ما يزيد من شدة ارتفاع درجات الحرارة لمدة طويلة.

القبة الحرارية البحر متوسطية

تولدت قبة حرارية وتمركزت بالطبقة السفلى من الغلاف الجوي، في شمالي إفريقيا (مصر، ليبيا، تونس، الجزائر، والمغرب) وتمددت لتغطي غربي أوروبا، مسجلة درجات حرارة قياسية (يولية 2026)، 44 ـ 50°م بمناطق أوروبية، في ليبيا بلغت 45°م، وفي تونس 48°م، والجزائر بين 45 ـ 48°م واقتربت من 50° بمناطق جبلية، والمغرب بين 44 ـ 47°م، وفي مصر أقل نسبيا (35 ـ 37°م) وتجاوزت بمناطق متفرقة من البلاد 40°م، مع رطوبة مرتفعة تزيد الإحساس بالحرارة. وهذه المستويات من موجات الحر غير معتادة وتتسبب في حرائق واسعة وضغوط على الصحة العامة. تقود القبة الحرارية منظومة ضغط جوي مرتفع تحبس الهواء الساخن القادم من الصحراء الكبرى، بفعل التغير المناخي (البشري)، لذا تظل موجات الحر الحالية شبه مستحيلة الحدوث في الماضي دون الاحترار العالمي. وتمنع القبة الحرارية تبدل الكتل الهوائية، حيث يحتجز الهواء القادم من شمال إفريقيا قرب سطح الأرض، ليتراكم ويزداد سخونة، ويزيد من قوة هذه الظاهرة ضعف ميكانيكية تجدد الهواء البارد، لتستمر الموجة الحارة لمدة ليست بالقصيرة.

موقع مصر يخفف من طقس القبة الحرارية

القبة الحرارية على مصر محدودة مقارنة بدول الخليج العربي ودول المغرب العربي، ووقوع مصر بين كتلتين حارتين تؤثران على جيرانها، يجعلها بمثابة منطقة انتقالية تخفف من وطأة هذه الظاهرة المناخية. ونجد عملية الأسر المناخي لأوروبا بفعل مرتفع جوي قوي يحبس الهواء الساخن ويحد من الكتل الباردة، بينما يؤثر منخفض الهند الموسمي على مصر، بالهواء الساخن والرطب الذي يجلبه من البحر المتوسط، حيث تقع شرق شمالي أفريقيا، مبتعدة نسبياً عن مركز القبة الحرارية المسيطرة على المغرب والجزائر وتونس وليبيا، مما يقلل من انتقال الظاهرة بشكل مباشر إلى مصر، وتزيد الكتل الهوائية الرطبة من الإحساس بالحرارة، باختلاف ملموس عن القبة الحرارية الجافة في أوروبا، وتظل موجات الحر في مصر مؤقتة وتنكسر تدريجياً خلال بضعة أيام، بينما قد تمتد القبة الحرارية في أوروبا لأسابيع بسبب ثبات المرتفع الجوي.

القبة الحرارية ردة فعل التغير المناخي

نكرر ليست القبة الحرارية مجرد موجة حر طبيعية، بل هي تجسيد مباشر لتسارع التغير المناخي البشري (9)، نتيجة الاعتماد المستديم على الوقود الأحفوري وتدمير الغابات، حيث يزيد التغير المناخي من قسوة هذه الظاهرة وتكرارها، المرتبطة تاريخياً بزيادة حرارة الأرض بمقدار +1.2°م منذ الثورة الصناعية، وهو ما جعل موجات الحر والقبة الحرارية اليوم أكثر شدة وتكراراً. أما الغليان العالمي (كما سبق ذكره) فهو مصطلح سياسي ـ إعلامي أطلقه الأمين العام للأمم المتحدة في عام (2023) ليصف تجاوز الأرض مرحلة “الاحتباس” إلى “الغليان”، حيث أصبحت الظواهر المناخية المتطرفة يومية وليست استثنائية، والمصطلح العلمي لوصف الوضع الحالي، دخولنا مرحلة الاحترار غير القابل للعكس على المدى القصير والمتوسط.

لا يمكن في المدى القصير (20 ـ 30 سنة) عكس الاحترار الحالي بسرعة حتى لو توقفنا عن الانبعاثات اليوم، لأن غازات الدفيئة تبقى في الغلاف الجوي لعقود. ويمكن في المدى الطويل (100 سنة فأكثر) تخفيفه بشرط خفض الانبعاثات جذريًا، وزيادة التشجير، وتطوير تقنيات احتجاز الكربون. بينما يكمن الخطر الحقيقي، إذا تجاوز الارتفاع في درجة حرارة الأرض +2°م، عندها ندخل مرحلة انهيار الأنظمة المناخية (ذوبان الأنهار الجليدية، موت الغابات المدارية) وهي نقاط لا رجعة فيها.

لا حل مع القبة الحرارية إلا التكيف 

تواجه بذلك دول حوض البحر  المتوسط تحديا مركبا، من موجات حر غير مسبوقة، حرائق واسعة، وضغوط اقتصادية وصحية. والبديل الوحيد للتعامل مع هذه الأزمة الحرارية الممتدة، تنمية القدرة على التكيف الذكي المدعوم بحلول عملية، تجمع بين التخطيط العمراني، إدارة الموارد، والسياسات البيئية. وتحتاج هذه الدول لمزيج من الحلول الوقائية والعلاجية، وضرورة الاعتماد على الاستثمار في البنية التحتية المستدامة، انطلاقا من التخطيط العمراني والزراعة الذكية وصولًا إلى الصحة العامة والطاقة النظيفة. لذا يبقى التكيف مفتاحاً للتعاون الإقليمي، من خلال إنشاء صندوقاً إقليمياً ونظام استجابة مشترك، على خلفية أن الأزمات المناخية أصبحت متكررة وتتجاوز قدرة كل دولة منفردة. وليس رفاهية إنشاء هذا الصندوق ونظامه الذكي، بل ضرورة استراتيجية لمواجهة الأزمات المناخية المتكررة. هذا النموذج يعزز التضامن، يقلل الخسائر، ينشر ثقافة التكيف، مما يجعل المنطقة أكثر قدرة على التأقلم مع الاحترار العالمي.

التحكم في حرارة الأرض!

يشهد نصف الكرة الشمالي (منذ نهاية الألفية الثانية) تزايد وتيرة العواصف والأعاصير العاتية، واحترار القطب الشمالي، وكثير من الظواهر (الهجينة)، التي يختلف على أسبابها خبراء البيئة والمناخ والاستراتيجية، بين التغير المناخي الجيولوجي وبين التحكم في أجواء الأرض. وجعل التحكم في الطقس من أسلحة الحرب الباردة، في سبيل التحكم في موازين حرارة الأرض، وامتلاك تطبيقات تقنية ذات ميزة استراتيجية فريدة، منذ تأسيس اللجنة الاستشارية الرئاسية المعنية بالتحكم في الطقس (أغسطس 1953). وحذر كبير علماء الأرصاد الجوية، من امتلاك دولة (غير صديقة) لأسرار دقة التحكم في أنماط الطقس، قبل أن تتمكن أمريكا من ذلك، وأضاف عالم نوبل في الفيزياء، أن التحكم في الطقس لا يقل عن تأثير القنبلة الذرية!

وكشف الإعلام الأمريكي أساليب لإذابة القمم الجليدية القطبية وإطلاق العنان لفيضانات مدمرة، وصناعة المطر من بذر كميات كبيرة من الغبار في طبقة الستراتوسفير (حسب الطلب). ومشروع المهندس الروسي (ماركين) نحو تخفيف البرد القارس في نصف الكرة الشمالي، عن طريق بناء سد (عبر مضيق بيرينغ)، مزود بمضخات نووية هائلة لإعادة توجيه مياه المحيط الهادي، مما يساعد على ارتفاع درجات الحرارة في المدن مثل نيويورك ولندن. ولكن الأمريكيون ناهضوا فكرة فيضانات الروس من إذابة الجليد!

وقد تعرضت (خلال خمسة عقود مضت) مناطق في الصين وإيران للضرب بالجفاف، ومناطق أخرى بالسيول والفيضانات، وذلك بالتحكم في الأعاصير المدمرة (10). وطال إعصار شاهين (المصنوع) سلطنة عمان ومدينة العين وسواحل إيران (أكتوبر 2021)، وغيرت السيول من مورفولوجية مدينة درنة وما حولها وأغرقت الألوف من السكان (سبتمبر 2023). وقد تناولت صحيفة الأهرام في السبعينيات، عملية أسر السحب من فوق الصحراء الغربية لتعزيز صناعة المطر في الشرق الليبي. ولا يزال مشروع أمريكا (11) (الأممي) للتحكم في حرارة الأرض (2000 ـ 2050)، مستخدماً تقنية “الكيمتريل” ذات الدمار الشامل، وإطلاق نحو (150) برنامجاً لتعديل الطقس حول العالم، لتقود القوات الجوية الأمريكية التحكم في مناخ الأرض!

الألفية الثالثة هيمنة مناخية

هناك سلاح جهنمي، من ترسانة الهندسة الجيولوجية، مهمته شيطنة قوى الطبيعة (عن بعد)، ولأسباب سياسية مغلقة، لا تعلن الدول العظمى عن مسئولية تبني حوادث الإرهاب الجيولوجي، بل يلقون بالاتهام على الطبيعة من باب سلوكها المتوحش! وشهد العالم (منذ بداية الألفية الثالثة) حوادث جيولوجية مثيرة للجدل (الطبيعة بريئة منها)، لا تفعلها إلا تقنيات الهندسة الجيولوجية، التي تمتلكها الولايات المتحدة وبلدان أخرى (12).

ويرجع البعض، ارتفاع درجة حرارة القطب الشمالي بمعدل استثنائي إلى سلاح ألاسكا الخيالي (13)، الذي قد يساعد في تراجع الجليد البحري وذوبان الأنهار الجليدية، مما يجعل مياهاً واسعة من المحيط باردة وليست متجمدة، ويسهل من استغلال المخزون الاستراتيجي للقطب الشمالي من الموارد الطبيعية، وأهمها المعادن النادرة! وتمترس الولايات المتحدة بموقع ألاسكا للتحكم في الأرض، وهناك دول أخرى (تعمل في سرية) لتطوير أسلحة جيوستراتيجية، والأخطر دخول الذكاء الاصطناعي في الخيال ومستقبل الحرب، بما في ذلك إصابة أي منطقة جغرافية بقبة من جهنم، ليبقى الحل في التكيف الحتمي مع الاحترار العالمي!

الهوامش

الهوامش
(1) ويعتمد التخطيط العمراني البيئي على “جغرافية المخاطر”، في بناء مدن آمنة ومستدامة، من خلال دمج خرائط الأخطار الطبيعية والبشرية في خطط التوسع العمراني، وهي بذلك تمنع تحول الأخطار الطبيعية إلى كوارث بشرية واقتصادية عند اختيار مواقع السكن والبنية التحتية. ولما كانت العلاقة بين التخطيط العمراني ومجابهة الاحترار العالمي في محورين رئيسيين: التخفيف من الانبعاثات (70% من غازات الدفيئة تأتي من المدن)، والتكيف مع التغيرات المناخية الحتمية، فإن جغرافية المخاطر تشكل الإطار المكاني والتحليلي الأهم لمجابهة الاحترار العالمي، حيث تدرس التوزيع الجغرافي للمخاطر الطبيعية والبشرية، وتحدد نقاط الضعف أو المناطق الأكثر هشاشة أمام التغيرات المناخية.
(2) حمدي هاشم. مداخلة مع الأستاذة حكيمة ذهبي. إذاعة الجزائر الدولية، برنامج أسبوع الدولية، الفقرة الأولى، القبة المناخية وحرائق الغابات في دول حوض البحر  المتوسط. السبت 25 يولية 2026.

https://www.facebook.com/share/19TWk5hkcL/

(3) حمدي هاشم. حوار حول التغيرات المناخية وتأثيرها على مصر. حلقة نقاشية مع فريق الباحثين بمركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية. دورية رؤيتنا لمصر: مجلة البديل، س 1، ع 1، سبتمبر ـ أكتوبر ـ نوفمبر 2016، ص ص 128 ـ 135.
(4) مؤتمر التغيرات المناخية: الحقيقة والخيال. الجمعية المصرية للتشريعات الصحية والبيئية بالاشتراك مع جمعية الصداقة المصرية الدنماركية. بمناسبة انعقاد مؤتمر المناخ بكوبنهاجن. شيراتون القاهرة، السبت 12 ديسمبر 2009.
(5) حمدي هاشم. القبة الحرارية تهدد الحياة. الأهرام، ع 51014، السبت 8 أغسطس 2026، ص 10.
https://gate.ahram.org.eg/daily/News/1025674.aspx
(6) حمدي هاشم. التغير المناخي واحتراق الغابات. الأهرام، ع 48482، الإثنين 2 سبتمبر 2019، ص 10.

https://gate.ahram.org.eg/daily/News/1025674.aspx

(7) حمدي هاشم. سيناريوهات وهيمنة مناخية. موقع الكتابة الثقافي، الخميس 18 أكتوبر 2022.
https://alketaba.com/%d8%b3%d9%8a%d9%86%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d9%88%d9%87%d8%a7%d8%aa-%d9%88%d9%87%d9%8a%d9%85%d9%86%d8%a9-%d9%85%d9%86%d8%a7%d8%ae%d9%8a%d8%a9/

(8) حمدي هاشم. انتكاسة تغير المناخ. الأهرام، ع 50414، الاثنين 16 ديسمبر 2024، ص 12.
https://gate.ahram.org.eg/daily/News/965070.aspx
(9) حمدي هاشم. مناخ الأرض بين التغير الوحشي والبشري. نشرة المناخ والبيئة، المجموعة التخصصية للمناخ والبيئة والمياه، الجمعية الجغرافية السعودية. العدد الأول، ربيع الآخر 1440 هـ/ ديسمبر 2018م. ص ص 14 ـ 17.
(10) حمدي هاشم. المناخ العالمي بين تغيرين. ندوة لجنة الجغرافية والبيئة (التغيرات المناخية وتأثيرها على البيئة والإنسان)، المجلس الأعلى للثقافة، بالاشتراك مع قطاع خدمة البيئة وتنمية المجتمع، كلية الآداب، جامعة المنيا. المنيا، الأحد 18 ديسمبر 2022.
(11) حمدي هاشم. عاصفة مثيرة للجدل. الأهرام، ع 50574، السبت 21 يونية 2025، ص 10.
https://gate.ahram.org.eg/daily/News/984466.aspx
(12) حمدي هاشم. التحكم في أجواء الأرض. بوابة فيتو، السبت 27 يونية 2024.
https://www.vetogate.com/5203456
(13) حمدي هاشم. الخيال الجهنمي. موقع الكتابة الثقافي، السبت 11 أكتوبر 2025.

https://alketaba.com/%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%8A%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%87%D9%86%D9%85%D9%8A

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!