الإعلام البيئي في إفريقيا: بين هشاشة الحاضر ورهانات المستقبل

محمد التفراوتيمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
الإعلام البيئي في إفريقيا: بين هشاشة الحاضر ورهانات المستقبل

قراءة تحليلية في تقرير Africa 21 لعام 2025

آفاق بيئية: محمد التفراوتي

يحتل الإعلام البيئي اليوم موقعا متقدما في النقاشات المرتبطة بالتنمية والاستدامة في إفريقيا، في ظل اتساع آثار التغير المناخي وتزايد الاهتمام بقضايا الأمن المائي والغذائي والتنوع البيولوجي. وقد منح هذا التحول للإعلام البيئي دورا محوريا يتجاوز نقل الأخبار إلى تفسير القضايا البيئية، وربطها بالسياسات العمومية، وتقريب المعرفة العلمية من المجتمع، وتتبع التحولات التي تعرفها النظم البيئية والمجتمعات المحلية.
وفي هذا السياق، يكتسي تقرير “حالة الإعلام البيئي في إفريقيا 2025″، الصادر عن Africa 21، أهمية خاصة، بالنظر إلى محاولته رصد الظروف التي يشتغل فيها الإعلاميون المتخصصون في البيئة داخل القارة، وتحليل التحولات التي يشهدها المجال الإعلامي في علاقته بالقضايا البيئية. ويستند التقرير إلى استطلاع شمل 171 إعلاميا من 37 دولة إفريقية، وهو ما يمنحه بعدا قاريا مهما، مع ضرورة استحضار التفاوتات الكبيرة بين البلدان والمناطق عند قراءة نتائجه وتفسيرها.

هشاشة مهنية واقتصادية

يكشف التقرير عن مفارقة لافتة تتمثل في أن تنامي أهمية القضايا البيئية داخل المجتمعات الإفريقية يتزامن مع استمرار الهشاشة المهنية والاقتصادية التي يعيشها عدد كبير من الإعلاميين. وتتجلى هذه الهشاشة في مستويات الدخل، واستقرار العمل، والحماية الاجتماعية، وفرص التكوين، فضلا عن محدودية الموارد الضرورية لإنجاز التحقيقات والتغطيات المتخصصة.
وتزداد صعوبة الوضع عندما يتعلق الأمر بالإعلام البيئي، لأن هذا المجال يحتاج إلى وقت وموارد ومعارف تتجاوز في كثير من الأحيان متطلبات التغطية الإخبارية اليومية. فالتحقيق في قضايا التلوث أو الاستغلال المفرط للموارد المائية أو إزالة الغابات أو الصيد غير القانوني يتطلب التنقل إلى الميدان، والاعتماد على مصادر متعددة، وفهما للمعطيات العلمية، ووقتا كافيا للتحقق والمقارنة والتحليل.
وعندما تكون المؤسسات الإعلامية محدودة الموارد، تصبح قدرتها على الاستثمار في هذا النوع من المحتوى أكثر صعوبة. وهنا تظهر إحدى المعضلات الأساسية التي يطرحها التقرير: كيف يمكن للإعلام البيئي أن يؤدي دوره المتنامي في مجتمع تتعاظم فيه التحديات البيئية، بينما تظل البنية الاقتصادية والمهنية التي تحتضنه هشة؟

البحث عن نماذج اقتصادية أكثر استدامة

يربط التقرير بشكل واضح بين الأزمة المهنية والأزمة الاقتصادية التي تواجهها قطاعات واسعة من الإعلام الإفريقي. وفي هذا السياق، يقترح الإعلاميون المشاركون مجموعة من الحلول، من بينها تنويع مصادر الدخل، وتطوير الاشتراكات الرقمية، وتنظيم الفعاليات، وإنتاج المحتويات السمعية البصرية، وتقديم خدمات التكوين والاستشارة، إلى جانب تحسين الإدارة والتخطيط المالي والحكامة داخل المؤسسات الإعلامية.
وتعكس هذه المقترحات تحولا في طريقة التفكير في استدامة المؤسسات الإعلامية. فاستمرارها يحتاج إلى نموذج اقتصادي متنوع، وإدارة قادرة على استيعاب التحولات الرقمية وفهم سلوك الجمهور، ومحتوى يمتلك قيمة تحريرية ومهنية قادرة على جذب المتابعين.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر بالنسبة إلى الإعلام البيئي، لأن إنتاج المحتوى المتخصص يحتاج إلى الاستثمار في التكوين والتحقيق والبيانات والإنتاج المتعدد الوسائط. كما يحتاج إلى جمهور مهتم ومستعد لمتابعة هذا النوع من المحتوى، وإلى مؤسسات قادرة على تحويل القيمة المعرفية للمادة البيئية إلى قيمة إعلامية ومجتمعية واقتصادية مستدامة.

الإطار المؤسساتي والشراكات

يبرز التقرير كذلك أهمية البيئة المؤسساتية التي يعمل داخلها الإعلام. ويدعو الإعلاميون المشاركون إلى تطوير آليات أكثر شفافية وعدالة للدعم العمومي، وإحداث صناديق للمساندة، وتوفير حوافز ضريبية، وتحسين الولوج إلى الإعلانات المؤسساتية، إلى جانب بناء إطار تنظيمي متوازن بين مختلف الفاعلين في القطاع.
وفي المقابل، يبرز التقرير قيمة الشراكات التي يمكن أن تجمع المؤسسات الإعلامية بالمنظمات الدولية والجامعات ومراكز البحث العلمي والمجتمع المدني والقطاع الخاص. ويمكن لهذه الشراكات أن توفر التمويل للمشاريع الإعلامية، ومنح التحقيق، والإنتاج المشترك، وبرامج التكوين، وتبادل الخبرات.
وتقود هذه الخلاصة إلى مسألة أساسية: مستقبل الإعلام البيئي يرتبط إلى حد كبير بجودة البيئة الإعلامية العامة. فالمؤسسة التي تعاني اقتصاديا وتشتغل في فضاء مهني محدود لا تملك دائما القدرة على الاستثمار في التحقيقات المتخصصة، خصوصا عندما تتناول القضايا البيئية مصالح اقتصادية أو سياسية قوية.

حرية الإعلام والحق في الوصول إلى المعلومات

تكتسب حرية الإعلام هنا بعدا بيئيا واضحا. فالحق في الوصول إلى المعلومات، وحماية المصادر، وتوفير ظروف عمل آمنة، وضمان الاستقلال التحريري، تشكل جميعها شروطا أساسية لإنتاج إعلام بيئي ذي جودة.
ويشير التقرير إلى أن أكثر من 60 في المائة من المشاركين أفادوا بتعرضهم، خلال السنوات الثلاث السابقة، لانتهاك واحد على الأقل من حقوقهم المهنية، تراوحت مظاهره بين الضغوط السياسية والاقتصادية وقيود الوصول إلى المعلومات، ووصلت في بعض السياقات إلى العنف أو الاعتقال.
وتكتسب هذه المعطيات دلالة خاصة في مجال الإعلام البيئي، لأن العديد من الملفات التي يتناولها ترتبط بموارد استراتيجية ومصالح اقتصادية كبرى، مثل المعادن والطاقة والمياه والغابات والصيد البحري والتوسع العمراني. وتحتاج تغطية هذه الملفات إلى إعلاميين قادرين على الوصول إلى الوثائق والمصادر والمعطيات، وممارسة دورهم الرقابي باستقلالية ومهنية.
وتبرز الحماية الاجتماعية للإعلاميين بدورها كجزء أساسي من هذه المعادلة. فالمشاركون يعبرون عن حاجة واضحة إلى أجور أكثر عدالة، وعقود مستقرة، وتغطية صحية، وأنظمة للتقاعد والحماية الاجتماعية، فضلا عن الاعتراف المهني. كما ينظر إلى التكوين المستمر باعتباره رافعة لتعزيز الكفاءات ومواكبة التحولات التي يشهدها القطاع.

إعلام بيئي متعدد التخصصات

في ظل هذه التحولات، يبدو أن الإعلام البيئي يدخل مرحلة جديدة تتطلب توسيع قاعدة معارف الإعلامي ومهاراته. فلم يعد كافيا امتلاك أدوات العمل الإعلامي التقليدية، بل أصبح من الضروري الإلمام بمبادئ العلوم والبيانات والاقتصاد والسياسات العمومية، إلى جانب المهارات المرتبطة بالإعلام الرقمي والإنتاج المتعدد الوسائط.
ويكشف التقرير عن اهتمام متزايد بتطوير المهارات في مجالات صحافة البيانات، والإنتاج المتعدد الوسائط، وإدارة المشاريع، والبحث عن التمويل، وريادة الأعمال الإعلامية.
وهذا التحول يطرح تصورا جديدا للإعلامي البيئي باعتباره حلقة وصل بين العلم والمجتمع والسياسات العمومية. فهو مطالب بفهم المعطيات العلمية، وتحويلها إلى قصة إعلامية مفهومة، ووضعها في سياقها الاجتماعي والاقتصادي، وربطها بحياة الناس اليومية.

التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي

تشكل التكنولوجيا الرقمية إحدى أبرز محركات هذا التحول. فانتقال الجمهور بشكل متزايد إلى المنصات الرقمية يدفع المؤسسات الإعلامية إلى تطوير أشكال جديدة من المحتوى، من الفيديوهات والنشرات المتخصصة إلى المنتجات الرقمية المختلفة، مع الاستثمار في الحضور الإلكتروني وتحسين القدرة على تحقيق قيمة اقتصادية من المحتوى المنتج.
وفي هذا السياق، يبرز الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد أهم التحولات التي ستؤثر في مستقبل الإعلام. ويشدد التقرير على أهمية التكوين من أجل استخدام مسؤول لهذه التقنيات، وعلى ضرورة تعزيز التحقق من المحتويات الرقمية ومواجهة التضليل المرتبط بالمناخ والبيئة.
وتوفر أدوات الذكاء الاصطناعي إمكانات مهمة في البحث والترجمة وتحليل البيانات وتنظيم المعلومات، لكنها في الوقت نفسه ترفع مستوى المسؤولية المهنية المرتبطة بالتحقق. فسهولة إنتاج الصور والنصوص ومقاطع الفيديو المضللة تجعل التحقق أكثر أهمية، ولا سيما في القضايا العلمية والبيئية التي تتطلب دقة كبيرة.
وتزداد صعوبة المهمة بسبب تعقيد المعلومات العلمية في المجال البيئي. فقد تخرج الأرقام أو الصور أو التصريحات من سياقها، فتتحول المعلومة العلمية إلى مادة قابلة للتأويل أو التضليل. وتكمن المواجهة في الجمع بين الأدوات التكنولوجية والمنهجيات الإعلامية القائمة على التحقق والمقارنة والتحليل والعودة إلى المصادر الأصلية والاستعانة بالخبراء.

التربية على الإعلام والمعلومة

تبرز التربية على الإعلام والمعلومة، في هذا السياق، كأحد المجالات التي تستحق اهتماما أكبر. ويكشف التقرير عن اهتمام واضح بهذا المسار، مع انخراط قوي للمنظمات العاملة في مجال التكوين.
وتقوم التربية الإعلامية على تصور مجتمعي واسع تشارك فيه المدارس والجامعات والجماعات المحلية والمجتمعات، بهدف مساعدة المواطنين على تطوير قدرتهم على التفكير النقدي والتعامل الواعي مع المعلومات.
وتكتسب هذه التربية أهمية خاصة في القضايا المناخية والبيئية. فالمواطن القادر على التمييز بين المعطيات العلمية والآراء، وفهم مصادر المعلومات، والتحقق من الصور والأرقام، يصبح أكثر قدرة على المشاركة في النقاشات البيئية التي تؤثر بصورة مباشرة في حياته اليومية.

علاقة الجمهور بالقضايا البيئية

تمثل علاقة الجمهور بالقضايا البيئية مؤشرا أساسيا على موقع الإعلام البيئي داخل المجتمع. ويشير التقرير إلى أن 67 في المائة من المشاركين يرون أن هذه القضايا تحظى باهتمام حقيقي أو قوي لدى المواطنين، مع احتلال التغير المناخي موقعا مركزيا.
وتعكس هذه النتيجة التحولات التي تعيشها المجتمعات الإفريقية نفسها. فالجفاف والفيضانات وموجات الحر وتدهور الأراضي وتراجع الموارد المائية والتحولات التي يعرفها قطاعا الزراعة والصيد أصبحت تجارب ملموسة بالنسبة إلى قطاعات واسعة من السكان.
ومن ثم، فإن دور الإعلام البيئي يتجاوز تغطية الحدث إلى تفسير أسبابه وآثاره، وربط التجارب المحلية بالسياق المناخي والبيئي الأوسع. وهنا تبرز أهمية القرب من المجتمعات المحلية، إذ يستطيع الإعلامي الميداني نقل قصص الفلاحين والصيادين والرعاة والسكان المتأثرين بالتغيرات البيئية، وربط تجاربهم بالمعطيات العلمية والسياسات العمومية.
وتزداد قيمة هذا الدور في المناطق القروية أو مناطق النزاعات، حيث تكون فرص التكوين والحصول على المعدات والتمويل والحماية محدودة.

الإعلام البيئي والتنمية

يطرح التقرير كذلك العلاقة بين الإعلام البيئي والتنمية باعتبارها إحدى القضايا المركزية. فالإعلام البيئي يستطيع تتبع تنفيذ السياسات العمومية، وقياس أثر المشاريع، وإيصال أصوات المجتمعات المحلية، وتفسير البيانات العلمية، ومواجهة التضليل، وتعزيز المشاركة المواطنة. وبذلك يتجاوز دوره مجرد نقل المعلومات ليصبح جزءا من النقاش العام حول مستقبل الموارد الطبيعية والمجتمعات.
وتبدو الشراكات العابرة للقطاعات ضرورية في هذا المسار. فالجامعات توفر المعرفة والخبرة، ومراكز البحث تنتج البيانات، والمنظمات المدنية تمتلك معرفة دقيقة بالميدان، بينما يمتلك الإعلام أدوات التواصل والوصول إلى الجمهور. ويمكن لهذا التكامل أن ينتج إعلاما بيئيا أكثر عمقا وتأثيرا، شريطة الحفاظ على الاستقلالية التحريرية.

توصيات تشكل خارطة طريق

تقدم توصيات التقرير ما يشبه خارطة طريق متكاملة تقوم على تحسين الوضع الاقتصادي للمؤسسات والإعلاميين، وتطوير التكوين، وتسريع التحول الرقمي، وتشجيع الابتكار في النماذج الاقتصادية، ودعم الإعلاميين العاملين في المناطق الهشة، وتعزيز الشراكات المهنية، وحماية حرية الإعلام.
ومن بين المقترحات التي تستحق اهتماما خاصا فكرة إنشاء برنامج إفريقي لتعزيز الإعلام البيئي، يجمع Africa 21 ومنظمة اليونسكو والمنظمات الدولية والجامعات ومراكز البحث وشبكات الإعلاميين والجهات المانحة.
ويمكن لهذا البرنامج أن يجمع بين التكوين المستمر والتأطير المهني ومنح التحقيق والإعلام القائم على البيانات، وإتاحة الوصول إلى الخبراء، وإنجاز التحقيقات العابرة للحدود، وتطوير المهارات الرقمية، ومواكبة ريادة الأعمال الإعلامية، والدفاع عن حرية الإعلام.
وتزداد أهمية هذا التصور لأن القضايا البيئية لا تتوقف عند الحدود الوطنية. فالأنهار والأحواض المائية والأنظمة البحرية والغابات والممرات البيئية مترابطة، كما أن آثار التغير المناخي تنتقل بين المجتمعات والدول.
ومن هنا يمكن للتعاون بين الإعلاميين الأفارقة أن يفتح المجال أمام تحقيقات عابرة للحدود حول قضايا مشتركة، تجمع بين المنظور المحلي والرؤية الإقليمية.

بناء شبكات إعلامية إفريقية

تحتاج المرحلة المقبلة كذلك إلى بناء شبكات مهنية أكثر قوة واستدامة. فالتواصل بين الإعلاميين من مختلف البلدان يتيح تبادل الخبرات والمصادر والبيانات، ويساعد على إنجاز تحقيقات مشتركة تتجاوز الإمكانات المتاحة لمؤسسة واحدة. كما يمكن لهذه الشبكات أن تقدم دعما خاصا للإعلاميين المستقلين والشباب، من خلال التكوين والتمويل وإتاحة فرص المشاركة في المشاريع الإعلامية المشتركة.
ومن زاوية نقدية، يوفر التقرير مادة غنية لفهم واقع الإعلام البيئي من خلال أصوات ممارسيه، وهي إحدى أبرز نقاط قوته. فهو يعكس ظروفهم واحتياجاتهم وتطلعاتهم، ويجمع بين الأبعاد الاقتصادية والقانونية والتكنولوجية والتكوينية.
مع ذلك، تظل نتائجه مرتبطة بدرجة كبيرة بتصورات وتجارب المشاركين، وهو ما يستدعي قراءة منهجية متأنية عند تعميمها على القارة بأكملها.
كما أن الرؤية القارية التي يقدمها التقرير تحتاج إلى استحضار التفاوتات الكبيرة بين البلدان الإفريقية، سواء على مستوى السياقات القانونية والسياسية والاقتصادية، أو البنيات الإعلامية، أو القدرات المؤسساتية، أو مستويات استخدام التكنولوجيا، أو فرص الوصول إلى التكوين.
ومن ثم، يمكن النظر إلى التقرير باعتباره خريطة عامة للاتجاهات الكبرى، تحتاج إلى دراسات وطنية وإقليمية أكثر تفصيلا لتحديد خصوصيات كل سياق.

نحو رؤية جديدة للإعلام البيئي الإفريقي

تكمن القيمة الأساسية للتقرير في إدماجه الإعلام البيئي ضمن رؤية شاملة تربط بين الاستدامة الاقتصادية، وحرية الإعلام، والتكوين، والتحول الرقمي، ومواجهة التضليل، والحق في الوصول إلى المعلومات، والمشاركة الديمقراطية.
وتكشف مواقف المشاركين أن تحسين وضع الإعلاميين والمؤسسات الإعلامية يمر عبر نماذج اقتصادية أكثر قوة، وحماية اجتماعية أفضل، وتكوين مستمر، ودعم الإعلاميين المستقلين، وتشجيع ريادة الأعمال الإعلامية، وتعزيز الشبكات المهنية.
ونتيجة لذلك، يرسم تقرير Africa 21 صورة لإعلام بيئي إفريقي يقف عند منعطف حاسم. فاهتمام الجمهور بالقضايا البيئية يتزايد، والتكنولوجيا تفتح آفاقا جديدة، والإعلاميون يبدون استعدادا لتطوير مهاراتهم، والمؤسسات تطرح مبادرات للتكوين والدعم.
وتظل في المقابل تحديات التمويل والحماية المهنية والوصول إلى المعلومات والتكوين المتوازن ومواجهة التضليل الرقمي قائمة بقوة.
وتتمثل الرسالة المركزية للتقرير في أن مستقبل الإعلام البيئي الإفريقي يحتاج إلى رؤية تنظر إلى الإعلامي باعتباره فاعلا في إنتاج المعرفة داخل المجتمع، وإلى توفير الوسائل التي تمكنه من أداء هذا الدور.
فالتغير المناخي وفقدان التنوع البيولوجي وأزمات المياه والغذاء والطاقة تحتاج إلى إعلام قادر على تفسير التحولات، والتحقق من المعلومات، ونقل أصوات المجتمعات، ومساءلة السياسات، وربط المعرفة العلمية بالحياة اليومية للمواطنين.
وهنا يجد الإعلام البيئي نفسه أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف موقعه داخل المشهد الإعلامي الإفريقي. فهو يتعامل مع قضايا ترتبط بالاقتصاد والصحة والأمن الغذائي والمائي والعدالة الاجتماعية والتنمية المحلية، ويحتاج بالتالي إلى أدوات مهنية تجمع بين المعرفة العلمية والعمل الميداني والمهارات الرقمية والقدرة على التفكير النقدي.
والسؤال الذي يفتحه التقرير يتصل بطبيعة الإعلام الذي تحتاجه إفريقيا في المستقبل: إعلام متجذر في المجتمعات المحلية، يمتلك أدوات العلم والبيانات، ويستخدم التكنولوجيا بوعي، ويحافظ على استقلاليته التحريرية، ومنفتح على التعاون القاري.
إنه إعلام يجعل البيئة جزءا من النقاش العام اليومي، ويتعامل مع المناخ والتنوع البيولوجي والموارد الطبيعية باعتبارها قضايا مرتبطة مباشرة بمستقبل المجتمعات الإفريقية.
وفي هذا المعنى، يتجاوز الإعلامي البيئي وظيفة نقل المعلومات ليشارك في بناء معرفة جماعية حول التحولات الاجتماعية والبيئية. ويصبح التحقيق البيئي أداة لفهم العلاقة بين الإنسان ومحيطه، والمعلومة العلمية قاعدة لاتخاذ القرار، وحرية الإعلام شرطا لمساءلة السياسات، والإعلام البيئي رافعة للمشاركة المواطنة في بناء مستقبل أكثر استدامة.
ويقترح التقرير، في ختامه، إطلاق برنامج إفريقي طويل الأمد لتعزيز الإعلام البيئي. ولا تقاس أهمية هذا البرنامج بمجرد عدد الدورات التدريبية التي ينظمها، وإنما بقدرته على الانتقال من مبادرات تكوينية متفرقة إلى بنية مهنية مستدامة توفر للإعلاميين المعرفة والأدوات والموارد والشبكات.
ويمكن أن يجمع هذا البرنامج بين دعم التحقيقات، وتطوير الإعلام القائم على البيانات، وتعزيز المهارات الرقمية، وتيسير الوصول إلى الخبراء، وتشجيع التعاون العابر للحدود، ومواكبة ريادة الأعمال الإعلامية، والدفاع عن حرية الإعلام.
وفي النهاية، يمنح تقرير Africa 21 الإعلام البيئي الإفريقي فرصة للنظر إلى ذاته من الداخل، من خلال أصوات ممارسيه وتجاربهم اليومية. وهي أصوات تكشف عن مجال يواجه تحديات حقيقية، لكنه يحمل في الوقت ذاته طاقة مهنية واضحة ورغبة قوية في التطور.
وبين هشاشة الحاضر ورهانات المستقبل، تبرز الحاجة إلى بناء إعلام بيئي إفريقي أكثر قوة واستقلالية وتخصصا، قادر على مواكبة التحولات الكبرى التي يعرفها القارة، وتحويل البيئة من موضوع متخصص إلى قضية مركزية في إنتاج المعرفة، وفي التنمية، وفي صناعة القرار العمومي.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!