آفاق بيئية: محمد التفراوتي
في العلاقة بين الفن والبيئة، يمكن للعمل التشكيلي أن يتجاوز حدود تمثيل الطبيعة إلى إعادة اكتشافها من خلال اللون والمادة والملمس والذاكرة. ومن هذا التقاطع تقدم الفنانة العمانية رقية بنت بدر القاسمية عملها التشكيلي «السفينة الجانحة»، مستلهمة أحد المشاهد الطبيعية والسياحية المميزة في منطقة افتلقوت بمحافظة ظفار، حيث تتعانق زرقة البحر مع صلابة الجبال وخضرة الطبيعة، وتستقر السفينة الجانحة في قلب المشهد كأنها أثر تركه البحر على ذاكرة المكان.
وتنتمي رقية بنت بدر القاسمية إلى مجال التربية الفنية، وتمتلك تجربة وممارسة في عدد من مجالات الفن التشكيلي، من الرسم التقليدي والرسم الرقمي إلى التصميم الجرافيكي والتشكيل والنحت. ويبدو اهتمامها بالابتكار والتجديد واضحا في تجربتها، إلى جانب عناية بإيصال الرسائل الفنية والمشاركة في الأنشطة الثقافية والفنية.
وفي «السفينة الجانحة» تتخذ هذه الرغبة في التجريب مسارا يجمع بين التعبير التشكيلي والاهتمام بالبيئة والاستدامة، من خلال توظيف مواد طبيعية وأخرى معاد تدويرها داخل بنية العمل.
وجاء تقديم «السفينة الجانحة» ضمن فعاليات أسبوع عمان للمناخ، في فضاء جمع الفن بالتوعية البيئية، حيث قدمت الفنانة العمل خلال الحلسة الافتتاحية للملتقى الدولي، وكذا أمام عدد من الطلبة، واصطحبتهم في قراءة بصرية وتفسيرية لعناصره، موضحة طبيعة المواد التي وظفتها في تشكيل الصخور والنباتات والسفينة، ومبينة كيف انتقلت مواد من البيئة ومخلفات قابلة لإعادة الاستخدام إلى مكونات أساسية في بناء العمل. وقد منح هذا اللقاء اللوحة بعدا تفاعليا وتربويا، إذ اكتشف الطلبة من خلال الشرح كيف يمكن للفن أن يحول المواد البسيطة والمستعملة إلى قيمة جمالية، وأن يجعل من فكرة الاستدامة تجربة محسوسة يمكن رؤيتها والتفاعل معها.
ومن النظرة الأولى، تستوقف العين الحركة المتولدة بين البحر والسفينة والصخور. فالماء هو خلفية زرقاء، و عنصر نابض بالحركة، تحيط أمواجه بالسفينة وتمنحها حضورا ديناميكيا. وفي المقابل، تأتي الصخور في الجزء السفلي بكتلتها وملمسها الخشن لتمنح المشهد ثقله البصري. وبين البحر واليابسة، تظهر السفينة بلونها النحاسي الدافئ، فتتحول إلى نقطة جذب مركزية، وكأنها تحمل حكاية رحلة انتهت عند هذا الساحل وتركت وراءها أسئلة مفتوحة حول الزمن والمكان والمصير.
وتتكشف القيمة التشكيلية للعمل بصورة أوضح مع الاقتراب من تفاصيله. فالفنانة لم تكتف بالأكريليك على الكانڤس بمقاس 60 × 80 سم، وإنما أدخلت مواد معاد تدويرها في بناء المشهد، لتمنحه بعدا ملمسيا وتجسيديا يتجاوز طبيعة اللوحة المسطحة.

تشكلت الصخور والمنحدرات من كرب النخيل العماني وخشب شجرة الشريش «النيم»، مستفيدة من خشونتهما الطبيعية وذاكرة العروق والتشققات، بينما وظف الإسفنج في تشكيل النباتات التي تنمو بين شقوق الجبال، فتبدو الخضرة وكأنها تنبثق من داخل الكتلة الصخرية. أما السفينة، وهي محور العمل وعنوانه، فقد صنعت من الألمنيوم المعاد تدويره ولونت بالأكريليك، لتصبح عنصرا بصريا يجمع بين أثر الصناعة وحكاية البحر.
وهنا تحديدا تكتسب التجربة بعدها البيئي. إعادة التدوير أصبحت جزءا من لغته التشكيلية. فالمواد التي كان يمكن أن تفقد قيمتها بعد الاستعمال تستعيد وجودها في صيغة جمالية جديدة، وتتحول من مواد مستعملة إلى عناصر تحمل دلالات مرتبطة بالمكان والبيئة.
وتكمن إحدى نقاط القوة في العمل في أن المواد المستخدمة تحاكي موضوعه نفسه. فخشونة الخشب وكرب النخيل تستحضران صلابة الجبال، والإسفنج يستعيد حضور الغطاء النباتي، والألمنيوم يعيد بناء السفينة، بينما يوحد الأكريليك هذه العناصر داخل فضاء بصري واحد. وهكذا يصبح الملمس جزءا من المعنى، و يعود استعمال المواد المعاد تدويرها كتقنية تجريبية، يتحول إلى اختيار جمالي يخدم فكرة العمل.
ومن هذه الزاوية، تبدو «السفينة الجانحة» استعادة لمشهد طبيعي من ظفار. و إعادة بناء فنية للمكان. البحر حاضر بلونه وحركته، والجبل حاضر بكتلته وخشونته، والنبات حاضر بخضرته، والإنسان حاضر بصورة غير مباشرة من خلال السفينة والمواد التي أعيد توظيفها في صياغة المشهد.
وهذا ما يمنح العمل مساحة خاصة داخل التشكيل ذي الحس البيئي. فالفنانة تقوم بتصوير البيئة، و تجعل البيئة مادة للعمل وموضوعا له في الوقت نفسه. إذن يتحول الفن إلى وسيلة لإعادة النظر في الأشياء التي تحيط بنا. ما نعتبره بقايا يمكن أن يصبح عنصرا جماليا، وما نراه مادة مستهلكة يمكن أن يستعيد قيمته، وما يبدو مشهدا طبيعيا عابرا يمكن أن يتحول إلى ذاكرة بصرية.
وتحضر الاستدامة في العمل بطريقة هادئة وغير مباشرة. فلا تتحول اللوحة إلى خطاب توعوي مباشر، وإنما تصل الفكرة من خلال التجربة الجمالية ذاتها. وهذه نقطة تحسب للعمل، لأن الرسالة البيئية تصبح أكثر تأثيرا عندما تنبع من بنية العمل الفني، من مادته وشكله وملمسه، بدلا من أن تفرض عليه من الخارج.
كما أن اختيار السفينة الجانحة موضوعا للعمل يفتح المجال أمام قراءات رمزية متعددة. فالسفينة، في أصل معناها، مرتبطة بالحركة والرحيل والوصول، بينما يضعها الجنوح في حالة توقف. وبين الحركة والسكون تتشكل حكاية بصرية عن الزمن، وعن العلاقة بين الإنسان والبحر، وعن قدرة الطبيعة على احتضان آثار الإنسان وإعادة إدماجها في مشهدها الخاص.
ولعل وجود العمل ضمن أسبوع عمان للمناخ يضيف إلى هذه الدلالة طبقة أخرى. فاللوحة تعرض الطبيعة بوصفها منظرا جميلا، كما تقدم نموذجا بصريا لفكرة أساسية في النقاش البيئي المعاصر. الاستدامة تبدأ أيضا من الطريقة التي ننظر بها إلى الأشياء والمواد من حولنا. وعندما يكتشف الطالب أن كرب النخيل والخشب والألمنيوم والإسفنج يمكن أن تتحول إلى صخور ونبات وسفينة داخل عمل فني، فإن مفهوم إعادة الاستخدام يغادر مستواه النظري ليصبح تجربة بصرية ملموسة.
لهذا تبدو «السفينة الجانحة» تجربة تقع عند تقاطع الرسم والتشكيل، الطبيعة والمادة، الجمال والاستدامة. إنها لوحة تستفيد من المشهد الطبيعي في ظفار، لكنها تعيد صياغته بمواد تحمل في ذاتها جزءا من الفكرة التي يريد العمل التعبير عنها.
وفي النهاية، ييدو أن السفينة تتحدث عن رحلة بحرية انتهت، لكن ربما عن رحلة أخرى تبدأ داخل الفن. رحلة تتحول فيها المواد المستعملة إلى عناصر نابضة بالحياة داخل العمل، وينتقل فيها المشهد من الطبيعة إلى الذاكرة، وتجد المواد المعاد تدويرها مكانها في قلب التجربة التشكيلية.
وهكذا تصبح «السفينة الجانحة» صورة لمشهد جميل. إو محاولة لجعل البيئة شريكا في صناعة العمل الفني، وتحويل ما هو طبيعي ومستعمل ومعاد الاستخدام إلى لغة جمالية تذكرنا بأن الاستدامة يمكن أن تكون أيضا ممارسة فنية، وأن الجمال قد يكون طريقا هادئا نحو وعي بيئي أعمق.





































