رسالة مفتوحة إلى السيد وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات
السيد الوزير المحترم،
هذه ليست أول رسالة أوجهها بشأن حرائق الواحات، وليست الثانية، بل هي الثالثة.
في سنة 2023، كتبت محذرا من تحول حرائق الواحات إلى ظاهرة تتكرر مع كل صيف، وقلت بوضوح: “لا يجب أن نجعل من الظاهرة المناخية مشجبا نعلق عليه تقاعسنا.” وتساءلت يومها: أين الخلل؟ هل هو خلل في تصميم برنامج وقائي في مستوى خطورة الظاهرة؟ أم هو نتيجة غياب رؤية استباقية تتناسب مع هشاشة المنظومة الواحية؟
وفي يوليوز 2025، وجهت رسالة مفتوحة إلى رئيس جهة سوس ماسة، على إثر الحرائق التي شهدتها واحات طاطا، داعيا إلى اعتماد مقاربة استباقية لحماية الواحات، ومؤكدا أن هذه المنظومات البيئية الهشة تستحق أن تكون في صلب السياسات العمومية، لا أن تتحول إلى موضوع موسمي بعد كل حريق.
كما وجهت رسالة مفتوحة إلى وزارة الفلاحة، داعيا إلى التعجيل بتفعيل المبادرات المخصصة لحماية الواحات، وفي مقدمتها مبادرات إعادة تأهيل الواحات وتعزيز الوقاية من الحرائق، وتسريع تنزيل البرامج التي طال انتظارها.
واليوم، وبعد الحرائق التي شهدتها واحات أوفوس بجهة درعة تافيلالت، وتجدد الحرائق بواحات طاطا بجهة سوس ماسة، أجد نفسي أكتب الرسالة نفسها، ولكن بمرارة أكبر.
ليس لأن الكلمات نفدت، بل لأن النيران ما زالت تسبق القرارات، ولأن اللهب أصبح أسرع من برامج الوقاية.
لقد أصبح مؤلما أن تستيقظ الواحات، كل صيف، على رائحة الدخان، وعلى مشاهد النخيل وهو يحترق أمام أعين أصحابه. فالنخلة هي تاريخ، وهوية، ومورد رزق، وخط الدفاع الأول في مواجهة التصحر، وجزء من الأمن الغذائي والبيئي للمغرب.
ندرك جميعا أن تغير المناخ فرض واقعا جديدا، وأن موجات الحرارة أصبحت أكثر شدة وتكرارا، لكن لا يجوز أن يتحول المناخ إلى التفسير الوحيد لكل حريق. فالحرائق تتغذى أيضا من غياب الوقاية الكافية، ومن تراكم الأعشاب اليابسة، ومن ضعف تهيئة المسالك، ومن محدودية وسائل الإنذار المبكر، ومن غياب خطط استباقية تواكب هشاشة المنظومة الواحية.
لقد كتبنا، وكتب غيرنا، عن استراتيجيات وبرامج ومخططات لحماية الواحات، وعن إعادة التأهيل، والإنذار المبكر، وإشراك الساكنة المحلية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو:
ماذا تحقق فعليا على الأرض؟
كم من المسالك الوقائية أنجزت؟
كم من الواحات أصبحت تتوفر على تجهيزات حقيقية للتدخل السريع؟
كم من فرق التدخل المحلية تم تكوينها؟
وكم من الإجراءات الاستباقية تم تفعيلها قبل أن تشتعل النيران، لا بعدها؟
إن ساكنة الواحات لا تحتاج، بعد كل كارثة، إلى زيارات للمواساة، ولا إلى لجان لإحصاء الخسائر، بقدر ما تحتاج إلى سياسة عمومية تجعل الوقاية أولوية دائمة، لا تدبيرا موسميا يرتبط باندلاع الحرائق.
فالنجاح الحقيقي لا يقاس بعدد الحرائق التي تم إخمادها، وإنما بعدد الحرائق التي تم منعها قبل وقوعها.

السيد الوزير،
لقد آن الأوان للانتقال من منطق التدخل بعد الكارثة إلى منطق الاستباق.
فاللحظات الأولى من اندلاع الحريق هي التي تحسم في مصيره. لذلك، أقترح إحداث مجموعات محلية للتدخل الأولي داخل المناطق الواحية الأكثر كثافة سكانية، تضم متطوعين من أبناء الواحات، يتلقون تكوينا خاصا بشراكة مع الوقاية المدنية، ويزودون بمعدات بسيطة لكنها فعالة تمكنهم من التدخل خلال الدقائق الأولى، وحصر النيران والحد من انتشارها إلى حين وصول فرق الوقاية المدنية.
كما يمكن منح هؤلاء المتطوعين اعترافا قانونيا وتنظيميا، على غرار المسعفين الأوليين، مع توفير التكوين المستمر والتأطير اللازم لهم، حتى يصبحوا جزءا من منظومة وطنية للوقاية من حرائق الواحات.
غير أن الوقاية لا تتوقف عند التدخل السريع، بل تبدأ بإعادة النظر في النموذج الاقتصادي للواحات.
فالواحات ليست كباقي المجالات الفلاحية، ولا يجوز إخضاعها لنماذج تنموية صممت لمجالات أخرى تختلف عنها بيئيا واجتماعيا واقتصاديا. إن للواحات خصوصياتها، وهي اليوم تواجه تحديات مركبة، من تغير المناخ، والإجهاد المائي، والهجرة القروية التي أفقدتها جزءا كبيرا من اليد العاملة، وارتفاع كلفة الاستثمار، وتراجع الأنشطة الاقتصادية التقليدية.
لذلك، فإن حماية الواحات تقتضي اعتماد نموذج اقتصادي جديد، يراعي هذه الخصوصيات، ويجعل من صمود الواحات هدفا استراتيجيا، لا مجرد مشروع ظرفي.
ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري إطلاق برنامج تحفيزي يمتد لخمس سنوات على الأقل، يقدم دعما ماليا، وتأطيرا تقنيا، ومواكبة ميدانية لفائدة سكان الواحات، مع استقطاب الشباب وتشجيعهم على الاستقرار والاستثمار والعمل داخل هذه المجالات، حتى تستعيد الواحات حيويتها، وتصبح أكثر قدرة على مقاومة الحرائق والاختلالات التي تؤدي إليها.
إن كلفة الاستثمار في الواحات قد تبدو مرتفعة، لكنها تظل أقل بكثير من الكلفة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للحرائق المتكررة. فالدولة تتحمل كل سنة خسائر باهظة نتيجة عمليات الإطفاء، وتعويض المتضررين، وإعادة التأهيل، وفقدان آلاف أشجار النخيل، وتراجع النشاط الاقتصادي المحلي، وخسارة رصيد بيئي وحضاري لا يقدر بثمن.
ولو تم استثمار جزء من هذه الموارد مسبقا في الوقاية، ودعم الفلاحين المحليين، وتحفيز الساكنة، وتعزيز قدراتها على حماية واحاتهم، لكانت الخسائر أقل، ولأصبح مستقبل الواحات أكثر أمنا واستدامة.
وإذا كانت الإمكانيات العمومية لا تسمح وحدها بتحمل كل هذه الأعباء، فإن ذلك يفرض تشجيع القطاع الخاص على الانخراط في نموذج اقتصادي جديد، يقوم على شراكات مدروسة تراعي خصوصيات الواحات، والتحولات البيئية والاجتماعية التي تعرفها، ولو في إطار مرحلي، إلى أن تستعيد هذه المجالات قدرتها على الصمود.
السيد الوزير،
هذه الرسالة ليست موجهة ضد أحد، ولا تهدف إلى توزيع المسؤوليات، وإنما هي دعوة صادقة إلى جعل حماية الواحات قضية وطنية بامتياز.
فالواحات ليست مجرد فضاءات لإنتاج التمور، بل هي منظومات بيئية وثقافية وإنسانية عمرها قرون، وخط الدفاع الأول في مواجهة التصحر، ورافعة للتنوع البيولوجي، وذاكرة للمجال والإنسان.
وكل نخلة تحترق اليوم،نعم هو رقم يضاف إلى الإحصائيات، لكن خسارة لذاكرة الوطن، ولمورد رزق الأسر، ولرأسمال طبيعي يصعب تعويضه.
لا أكتب هذه الرسالة بصفتي ناشطا بيئيا فحسب، إنما بصفتي مواطنا يؤمن بأن احتراق الواحات هو احتراق لجزء من ذاكرتنا الجماعية، وأن حماية هذا التراث الطبيعي والإنساني مسؤولية وطنية مشتركة لا تحتمل مزيدا من التأجيل.
لقد كتبت بالأمس، وأكتب اليوم، وأتمنى ألا أضطر إلى كتابة رسالة رابعة في الصيف المقبل.
فما نحتاج إليه ليس بيانات بعد كل حريق، ولا صورا للمواساة، ولا وعودا مؤجلة، وإنما رؤية وطنية متكاملة تجعل الوقاية استثمارا، وتضع الإنسان الواحي في قلب السياسات العمومية، وتعبئ الدولة والجماعات الترابية والقطاع الخاص والمجتمع المدني والبحث العلمي في جبهة واحدة لحماية الواحات.
ويبقى السؤال الذي أطرحه، منذ ثلاث سنوات، دون جواب:
كم حريقا آخر تحتاجه الواحات حتى تصبح حمايتها أولوية وطنية لا تقبل التأجيل؟
والسلام.
محمد التفراوتي
ناشط بيئي
12 يوليوز 2026




































