أسبوع عُمان للمناخ يفتح معركة الانتقال من الرؤية إلى التنفيذ

محمد التفراوتيمنذ 16 دقيقةآخر تحديث :
أسبوع عُمان للمناخ يفتح معركة الانتقال من الرؤية إلى التنفيذ

المناخ والطاقة والمياه والطبيعة والاقتصاد في قلب افتتاحية جمعت أصواتا خليجية ودولية من عُمان إلى باكو وجنيف وكانبيرا

آفاق بيئية: محمد التفراوتي

من مسقط، حيث تتقاطع الجغرافيا الخليجية مع طرق التجارة والطاقة، انطلقت صباح اليوم الإثنين 14 سبتمبر 2026 أعمال النسخة الثانية من أسبوع عُمان للمناخ، في افتتاحية حملت رسائل متعددة، لكنها التقت حول فكرة واحدة: العالم دخل مرحلة جديدة من العمل المناخي، عنوانها الانتقال من التعهدات إلى التنفيذ، ومن التعامل مع تغير المناخ باعتباره ملفا بيئيا إلى فهمه باعتباره قضية تمس الاقتصاد والطاقة والمياه والأمن والغذاء والطبيعة ومستقبل التنمية.

الجلسة الافتتاحية، التي جمعت مسؤولين وخبراء وممثلي مؤسسات دولية، عكست اتساع دائرة النقاش المناخي، من الخليج إلى أوروبا وآسيا والمحيط الهادئ، ومن اتفاق باريس إلى حماية التنوع البيولوجي، ومن أسواق الطاقة إلى أنظمة الإنذار المبكر.

عبدالله العمري: المناخ يدخل قلب التنمية العُمانية

استهل الدكتور عبدالله بن علي العمري، رئيس هيئة البيئة ورئيس اللجنة التوجيهية لأسبوع عُمان للمناخ، أعمال الجلسة بكلمة وضعت الحدث في إطاره الوطني والإقليمي والدولي، مؤكدا أهمية بناء أجندة مناخية قادرة على تحويل الرؤية إلى إجراءات عملية.

ومن خلال كلمته، برزت عُمان باعتبارها تسعى إلى الجمع بين حماية البيئة ومتطلبات التنمية، مع تعزيز كفاءة استخدام الموارد ورفع القدرة على التكيف مع المخاطر المناخية.

وكان واضحا أن البعد الإقليمي حاضر بقوة في افتتاح الأسبوع، في ظل تحديات تتجاوز الحدود الوطنية، وتحتاج إلى تعاون خليجي وإقليمي ودولي قادر على تحويل الأفكار إلى مبادرات قابلة للتطبيق.

مختار باباييف: المناخ أصبح شبكة من المخاطر المتشابكة

و رفع السيد مختار باباييف، رئيس مؤتمر الأطراف COP29، سقف النقاش منذ البداية، مقدما رؤية تنظر إلى تغير المناخ باعتباره مضاعفا للمخاطر.

فالمشهد الذي عرضه في مسقط يتجاوز ارتفاع درجات الحرارة وانبعاثات الغازات الدفيئة ليشمل شح المياه، وتدهور الأراضي، والحرائق، والكوارث الطبيعية، والصحة العامة، والمخاطر الصناعية والتكنولوجية، وصولا إلى النزاعات وعدم الاستقرار الجيوسياسي.

واستند باباييف إلى أرقام تعكس حجم التحول في طبيعة المخاطر، مشيرا إلى أن الكوارث تسببت في نزوح أكثر من 45 مليون شخص داخل بلدانهم خلال عام 2024.

وفي واحدة من أكثر الصور دلالة في كلمته، انتقل إلى كارثة انهيار جليدي وفيضانات مدمرة في منطقة نيبال والصين، ليؤكد أن آثار تغير المناخ أصبحت قادرة على الانتقال بسرعة من الجبال إلى المجتمعات والبنية الأساسية والاقتصاد.

ومن هذه الرؤية، طرح باباييف سؤالا أكثر عمقا حول مستقبل التحول الطاقي: كيف يمكن تسريع الانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون مع الحفاظ على أمن الطاقة والقدرة على تحمل تكلفتها والتنمية الصناعية وفرص العمل؟ وكان جوهر رسالته أن التحول المناخي يحتاج إلى العدالة والترتيب والإنصاف ومراعاة اختلاف الظروف الوطنية. ثم انتقل إلى ملف تمويل المناخ، مذكرا بالهدف الذي تم الاتفاق عليه في قمة المناخ COP29، والمتمثل في تعبئة ما لا يقل عن 300 مليار دولار سنويا بحلول 2035، مع التطلع إلى رفع التمويل المناخي من مختلف المصادر العامة والخاصة إلى 1.3 تريليون دولار سنويا.

لكن الرسالة الأبرز جاءت في عبارة تختصر المسافة بين المفاوضات والواقع: قيمة الاتفاقات تقاس بقدرتها على تغيير الواقع على الأرض.

جاسم البديوي: العمل الخليجي المشترك أمام اختبار المناخ

ومن البعد الدولي إلى الخليج، جاءت كلمة معالي جاسم محمد البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، لتضع العمل المناخي في صميم مسار التنمية الخليجية. وأكد البديوي أن تغير المناخ تجاوز حدوده البيئية ليصبح تحديا اقتصاديا وتنمويا يمس قدرة الاقتصادات على النمو والتكيف ومواجهة المخاطر.

وفي هذه الرؤية الخليجية، يظهر التحدي في تحقيق توازن دقيق بين حماية البيئة واستدامة النمو الاقتصادي وكفاءة استخدام الموارد وتعزيز القدرة على التكيف، مع مراعاة الظروف والأولويات الوطنية لكل دولة. كما أبرز الجهود الخليجية المشتركة في مجالات البيئة البحرية والسواحل والموارد الطبيعية والمواد الكيميائية وإدارة النفايات، إلى جانب المبادرات والمؤشرات البيئية الخليجية.

وحملت كلمته دعوة واضحة إلى جعل أسبوع عُمان للمناخ مساحة لتحويل الأفكار إلى مبادرات عملية، وتعزيز التعاون الخليجي وتبادل المعرفة والخبرات وبناء حلول تستجيب للخصوصيات التنموية والبيئية للمنطقة.

و بذلك بدا المناخ في الخطاب الخليجي قضية تعاون إقليمي واستثمار في القدرة على الصمود، وليس ملفا منفصلا عن الاقتصاد والتنمية.

روبرتا بوسكولو: الطاقة النظيفة أصبحت مرتبطة بالمناخ الذي نحاول حمايته

من جهتها، نقلت الدكتورة روبرتا بوسكولو، ممثلة المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، النقاش إلى مساحة أكثر ارتباطا بالعلم والبيانات. وقدمت صورة مقلقة عن حالة النظام المناخي العالمي، مشيرة إلى أن عام 2025 كان ثاني أو ثالث أحر عام في سجل الرصد الممتد لـ176 عاما، فيما كانت السنوات الإحدى عشرة الأخيرة هي الأكثر حرارة على الإطلاق. كما سجل محتوى حرارة المحيطات رقما قياسيا للسنة التاسعة على التوالي، في الوقت الذي يتواصل فيه ارتفاع مستوى سطح البحر وتسارع ذوبان الأنهار الجليدية. لكن الفكرة الأكثر عمقا في مداخلتها تمثلت في العلاقة الجديدة بين الطاقة والمناخ. فقطاع الطاقة كان تاريخيا أحد أبرز مصادر الانبعاثات التي أعادت تشكيل المناخ، بينما أصبحت منظومة الطاقة الجديدة نفسها تعتمد على النظام المناخي. فإنتاج الطاقة الشمسية مرتبط بغطاء السحب، وطاقة الرياح مرتبطة بحركة الغلاف الجوي، والطاقة الكهرومائية مرتبطة بالأمطار وذوبان الجليد. وهكذا انتقلت معلومات الطقس والمناخ والمياه من هامش التخطيط الطاقي إلى قلب قرارات الاستثمار والتشغيل وإدارة المخاطر.

وفي هذه النقطة تحديدا، اكتسب الحديث عن البيانات المناخية بعدا اقتصاديا مباشرا، إذ أكدت بوسكولو أن التنبؤات الموسمية والعقدية وأنظمة الإنذار المبكر وتقييم الموارد المتاحة للطاقة الشمسية والرياح أصبحت جزءا من البنية المعلوماتية اللازمة لبناء مستقبل طاقي آمن وموثوق.

جيمس فيرغسون سكايا: العلم يضع العالم أمام مسؤولية القرار

وفي رسالة مسجلة، حضر صوت السير جيمس فيرغسون سكايا، رئيس الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، ليؤكد أهمية العلم في توجيه القرار المناخي.

وجاءت مشاركته في سياق الافتتاح الذي سعى إلى ربط المعرفة العلمية بالسياسات العامة والتنفيذ، وهو ما شكل أحد الخيوط الناظمة لأعمال الأسبوع.

كريس بوين: تجاوز 1.5 درجة يغير المسار ولا يلغي الوجهة

ومن أستراليا، حملت كلمة السيد كريس بوين، وزير التغير المناخي والطاقة، واحدة من أكثر الرسائل وضوحا بشأن مستقبل هدف 1.5 درجة مئوية. فقد اعتبر أن تجاوز هذا المستوى قد يحدث خلال السنوات المقبلة، لكنه شدد على أن ذلك لا يعني التخلي عن الهدف. الفكرة هنا شديدة الأهمية: كل جزء من الدرجة له ثمن، وكل ارتفاع إضافي في درجة الحرارة يعني مخاطر أكبر على الأرواح وسبل العيش والبنية الأساسية والاقتصادات.

واستند بوين إلى التحول الذي شهده قطاع الطاقة منذ إقرار اتفاق باريس، مشيرا إلى ارتفاع القدرة العالمية للطاقة المتجددة من نحو 167 جيجاواط قبل عقد إلى حوالي 797 جيجاواط اليوم، مع انخفاض مسار الاحترار المتوقع من مستويات كانت تقترب من أربعة درجات إلى نحو 2.6 درجة مئوية.

وبذلك قدم اتفاق باريس باعتباره اتفاقا غير اتجاه العالم، مع التأكيد على أن نجاحه النهائي يتوقف على التنفيذ.

و عليه جاءت رسالته المتجهة نحو COP31: تسريع خفض الانبعاثات، تعزيز التكيف، توسيع التمويل المناخي، وتحويل الالتزامات إلى نتائج ملموسة.

محمد تيمور: العمل المناخي يدخل قلب الاقتصاد العالمي

أما السيد محمد تيمور علي خان غاندابور، مدير قسم التخفيف من آثار تغير المناخ بأمانة اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، فقد أعاد صياغة المعادلة من زاوية اقتصادية. فشعار أسبوع عمان للمناخ، «من الرؤية إلى التنفيذ»، يتقاطع في جوهره مع الحاجة العالمية إلى الانتقال من الطموح إلى الإنجاز.

وأشار إلى أن الاستثمارات في الطاقة النظيفة والبنية الأساسية أصبحت محركا للنمو وخلق فرص العمل وتحسين الصحة ومستويات المعيشة.

وتبرز هنا إشارة مالية لافتة: أكثر من تريليوني دولار جرى استثمارها في الطاقة النظيفة، بما يعادل ضعف الاستثمارات في الوقود الأحفوري، وفق ما أورده في كلمته.

وبالنسبة إلى السيد تيمور، أصبحت القدرة على الصمود جزءا من الأمن الاقتصادي، لأنها تحمي المجتمعات والمحاصيل والبنية الأساسية وسلاسل الإمداد من آثار الحرائق والفيضانات والجفاف وموجات الطقس المتطرفة.

ووجه رسالة باتجاه قمة المناخ COP31 مفادها أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى ربط العملية المناخية الدولية بالاقتصاد الحقيقي.

أستريد شوماخر: المناخ والتنوع البيولوجي أزمة كوكبية واحدة

وفي امتداد طبيعي لهذا النقاش، جاءت كلمة أستريد شوماخر، الأمينة التنفيذية لاتفاقية التنوع البيولوجي، لتفتح جبهة أخرى في المعركة المناخية: الطبيعة.

فالرسالة التي حملتها كانت واضحة: تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي وجهان لأزمة كوكبية واحدة.

وتزداد أهمية هذه الرؤية مع تدهور النظم البيئية، لأن المجتمعات تفقد في الوقت نفسه وسائل الحماية الطبيعية التي تساعدها على مواجهة آثار الاحترار.

وقدمت شوماخر الحلول القائمة على الطبيعة باعتبارها جزءا أساسيا من الاستجابة، مشيرة إلى إمكانية مساهمتها بما يصل إلى ثلث تخفيضات الانبعاثات ذات الجدوى الاقتصادية المطلوبة بحلول 2030.

وكانت أشجار القرم المثال الأكثر قربا إلى البيئة الخليجية. فهي تحمي السواحل من العواصف والفيضانات، وتخزن الكربون، وتوفر موائل مهمة للثروة السمكية، وتدعم قدرة المجتمعات الساحلية على الصمود.

وأشارت إلى أن خدمات الحماية التي توفرها أشجار القرم من الفيضانات تقدر بأكثر من 65 مليار دولار سنويا، فيما تحمي أكثر من 15 مليون شخص من الفيضانات كل عام.

ومن عمان، انتقلت الرسالة إلى إطار كونمينغ-مونتريال العالمي للتنوع البيولوجي، وأهدافه المتعلقة باستعادة النظم البيئية وحماية 30 بالمائة من الأراضي والمياه والمناطق الساحلية والمحيطات بحلول 2030.

وكانت الخلاصة حاسمة: الطبيعة ليست ضحية للمناخ فقط، وإنما جزء من الحل.

من الرؤية إلى التنفيذ: الخيط الذي جمع كلمات مسقط

هكذا بدت الجلسة الافتتاحية لأسبوع عمان للمناخ أكثر من مجرد سلسلة من الكلمات الرسمية. فمن خطاب عمان إلى الرؤية الخليجية، ومن رسائل قمم المناخ COP29 وCOP31 إلى صوت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية والهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ واتفاقية التنوع البيولوجي، تشكلت صورة واحدة لعالم يتغير بسرعة، ويحتاج في الوقت نفسه إلى تغيير أدوات استجابته.

المناخ حاضر في الطاقة، والطاقة مرتبطة بالمياه، والمياه مرتبطة بالغذاء، والطبيعة تشكل بنية أساسية للحماية والتكيف، فيما يحدد التمويل والتكنولوجيا والبيانات قدرة الدول على تنفيذ التحول.

وبين كل هذه الملفات، ظهرت عبارة واحدة كأنها المفتاح الذي فتح به أسبوع عمان للمناخ أبوابه: من الرؤية إلى التنفيذ.

فالمرحلة المقبلة ستقاس بما يتحقق على الأرض،  في المدن، والسواحل، وشبكات الطاقة، والمياه، والمجتمعات، والأسواق والاستثمارات والنظم البيئية.

ومن مسقط، جاءت الرسالة إلى العالم بأن المعركة المناخية دخلت مرحلة أكثر تعقيدا، لكنها أيضا أكثر ارتباطا بالاقتصاد والحياة اليومية ومستقبل المجتمعات.

المطلوب الآن ليس المزيد من الوعود وحدها، وإنما تحويل المعرفة والاتفاقات والاستثمارات إلى قدرة حقيقية على الصمود، وإلى نتائج يمكن للناس والطبيعة والاقتصاد أن يلمسوا آثارها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!