ظفار تواجه الأنواع الغازية: مشروع لمكافحة البارثنيوم وحماية المراعي وتنوع البيولوجي

محمد التفراوتيمنذ 26 دقيقةآخر تحديث :
ظفار تواجه الأنواع الغازية: مشروع لمكافحة البارثنيوم وحماية المراعي وتنوع البيولوجي

آفاق بيئية: محمد التفراوتي

في إطار أسبوع عمان للمناخ، استعرضت بلدية ظفار مشروعا بيئيا يستهدف مواجهة انتشار نبتة البارثنيوم الغازية (Parthenium hysterophorus)، باعتبارها أحد التحديات التي تواجه المراعي والغطاء النباتي والتنوع البيولوجي في محافظة ظفار.

ويجمع المشروع بين الرصد الميداني، والمكافحة، واستعادة المواقع المتضررة، والبحث العلمي، وتعزيز مشاركة المجتمع، إلى جانب إجراءات الأمن الحيوي التي تستهدف الحد من انتشار النبتة ووصول بذورها إلى مناطق جديدة.

وأفاد السيد محمد مبارك سهيل عكعاك، أخصائي صحة بيئية أول بالمديرية العامة للشؤون الصحية في بلدية ظفار، أن البارثنيوم من الأنواع النباتية الغازية التي تتميز بقدرتها العالية على الانتشار وإنتاج كميات كبيرة من البذور، ما يمنحها قدرة على منافسة النباتات المحلية والتوسع في البيئات المناسبة لها.

وأوضح عكعاك أن خطورة النبتة ترتبط كذلك بقدرتها على تكوين بنك بذري في التربة، الأمر الذي يجعل التعامل معها يحتاج إلى برنامج طويل الأمد يتجاوز إزالة النباتات الظاهرة في موسم واحد، ويتجه إلى متابعة المواقع ومعالجة مصادر التجدد والانتشار بصورة مستمرة.

وتعتمد بلدية ظفار في هذا المجال على منظومة للرصد الميداني بدأت منذ يناير 2022، شملت مسح مساحات واسعة من المحافظة وتحديد مواقع وجود البارثنيوم وتتبع انتشارها. وقد قطع فريق العمل أكثر من 90 ألف كيلومتر في عمليات الرصد الميداني، مع تسجيل آلاف نقاط وجود النبتة.

وأشار عكعاك إلى أن هذه المعطيات الميدانية أسهمت في بناء قاعدة معلومات تساعد على تحديد بؤر الانتشار وتوجيه عمليات المكافحة نحو المواقع ذات الأولوية، مع متابعة تطور الحالة النباتية في المناطق التي خضعت للتدخل.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في بيئة ظفار، التي تتميز بتنوع بيولوجي يرتبط بتضاريسها ومراعيها وخصائص موسم الخريف. وتوفر المراعي الطبيعية موردا مهما للأنظمة البيئية المحلية وللأنشطة الرعوية، ما يجعل حماية الغطاء النباتي الأصلي جزءا من الحفاظ على التوازن البيئي للمحافظة.

وأوضح عكعاك أن مكافحة البارثنيوم تعتمد على الإدارة المتكاملة للنوع الغازي (IWM – Integrated Weed Management)، من خلال الجمع بين وسائل متعددة للرصد والمكافحة والمتابعة والاستعادة، بما يتناسب مع طبيعة المواقع ودرجة انتشار النبتة فيها.

وتشمل عمليات المكافحة مواقع مختلفة في ظفار، من بينها مناطق إيتين وطيطام وقيرون حيرتي وطوي اعتير، حيث يجري التعامل مع البؤر المسجلة وفق طبيعة كل موقع ومستوى الانتشار فيه.

ويأخذ المشروع في الاعتبار دورة حياة البارثنيوم وقدرتها على إنتاج البذور والاحتفاظ بها في التربة. لذلك ترتبط فعالية المكافحة بمتابعة المواقع بعد التدخل، ورصد أي نمو جديد، والحد من وصول النباتات إلى مرحلة إنتاج بذور جديدة.

وأوضح عكعاك أن استعادة الغطاء النباتي الأصلي تشكل جزءا أساسيا من هذه العملية، لأن إزالة النوع الغازي تفتح المجال أمام عودة النباتات المحلية، بينما تساعد إعادة تأهيل المواقع في تعزيز قدرة النظم البيئية على مقاومة إعادة انتشار الأنواع الغازية.

وفي هذا الإطار، اتجه المشروع إلى دعم استعادة الغطاء النباتي من خلال نثر نحو 15 طنا من البذور، إلى جانب إنتاج ونثر أكثر من 15 مليون كرة بذور في المواقع المستهدفة، بهدف تعزيز فرص تجدد النباتات المحلية واستعادة الغطاء النباتي في المناطق المتأثرة.

وأشار عكعاك إلى أن هذه الجهود تندرج ضمن رؤية متكاملة للتعامل مع الأنواع الغازية، تقوم على معالجة المشكلة من جذورها، ومتابعة المواقع على المدى الطويل، ودعم عودة النباتات المحلية، مع إشراك المجتمع في حماية المواقع والتبليغ عن بؤر الانتشار.

وتحضر المشاركة المحلية كعنصر مهم في المشروع، خصوصا أن مكافحة الأنواع الغازية تحتاج إلى وعي مستمر بالمخاطر المرتبطة بنقل البذور وانتشارها. وتساهم التوعية في تعزيز دور السكان والمستخدمين والجهات المحلية في اكتشاف النباتات والإبلاغ عنها قبل تحولها إلى بؤر جديدة للانتشار.

و أضاف عكعاك أن الأمن الحيوي يمثل أحد المكونات المهمة في الحد من انتقال البارثنيوم بين المواقع، من خلال الانتباه إلى مصادر انتقال البذور والمواد التي يمكن أن تحملها من منطقة إلى أخرى، واعتماد ممارسات تحد من إعادة إدخال النبتة إلى المناطق التي خضعت للمكافحة.

ويستفيد المشروع كذلك من التعاون وتبادل الخبرات الدولية، بما في ذلك التعاون مع الجانب الأسترالي، في إطار البحث عن حلول أكثر فاعلية للتعامل مع الأنواع النباتية الغازية والاستفادة من التجارب المتراكمة في هذا المجال.

و يحظى البحث العلمي في المكافحة البيولوجية باهتمام ضمن المقاربة طويلة الأمد، باعتباره مجالا يمكن أن يوفر أدوات إضافية للإدارة المتكاملة للأنواع الغازية، إلى جانب الوسائل الميدانية الأخرى، مع مراعاة خصوصية النظم البيئية المحلية ومتطلبات الأمن الحيوي.

وتكشف تجربة ظفار مع البارثنيوم عن طبيعة التحدي الذي تفرضه الأنواع الغازية على النظم البيئية: نبات صغير في مظهره، لكنه قادر على الانتشار وإنتاج البذور ومنافسة النباتات المحلية، ثم ترك أثر يمتد إلى بنية الغطاء النباتي والمراعي والتنوع البيولوجي.

ويمنح المشروع أهمية خاصة للرصد المستمر، لأن السيطرة على النوع الغازي تحتاج إلى معرفة دقيقة بمواقع انتشاره واتجاهات توسعه، ثم تحويل البيانات الميدانية إلى قرارات عملية للمكافحة والاستعادة.

ومن خلال هذا المسار، تتحول مواجهة البارثنيوم في ظفار إلى تجربة متكاملة في إدارة الأنواع الغازية، تجمع بين العلم والعمل الميداني والمشاركة المجتمعية والاستعادة البيئية والأمن الحيوي. وهي مقاربة تضع حماية المراعي والتنوع البيولوجي في صلب العمل المناخي والبيئي، وتؤكد أن صون النظم البيئية يبدأ من القدرة على رصد التغيرات التي تهددها والتدخل في الوقت المناسب.

وتقدم ظفار بذلك نموذجا عمليا في التعامل مع أحد التحديات البيئية التي تتطلب نفسا طويلا، حيث تصبح مكافحة البارثنيوم جزءا من مسار أوسع لاستعادة صحة النظم البيئية وتعزيز قدرتها على الاستمرار في مواجهة الضغوط البيئية والمناخية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!