مبادرة تيراميد والسيادة الطاقية الخضراء بالمغرب: من الرؤية الإقليمية إلى رهانات الاستقلال والتحول العميق

محمد التفراوتيمنذ 4 ساعاتآخر تحديث :
مبادرة تيراميد والسيادة الطاقية الخضراء بالمغرب: من الرؤية الإقليمية إلى رهانات الاستقلال والتحول العميق

آفاق بيئية : محمد التفراوتي

تعتبر الديناميات الراهنة لإعادة تشكيل المنظومة الطاقية العالمية، في ظل ضغوط التغير المناخي والتقلبات الجيوسياسية، مدخلا أساسيا لفهم بروز مفهوم السيادة الطاقية الخضراء، باعتباره تعبيرا عن تحول نوعي في تموقع الدول ضمن معادلات الاقتصاد والاستراتيجية. ولم يعد الرهان مقتصرا على تأمين التزود بالطاقة، بل بات مرتبطا بقدرة الدول على إنتاج طاقتها من مصادر نظيفة محلية، والتحكم في سلاسل قيمتها، وتوجيهها لخدمة التنمية المستدامة.

وفي قلب هذه التحولات، تبرز مبادرة تيراميد  (TeraMed)، كتصور إقليمي طموح يعيد صياغة العلاقة بين الطاقة والتنمية في الفضاء الإفريقي والمتوسطي. . و تطرح هذه المبادرة الانتقال الطاقي كخيار تقني و كمشروع تنموي متكامل يسعى إلى توطين إنتاج الطاقة النظيفة، وتحفيز الاستثمار، وخلق فرص عمل خضراء، بما يعزز الاندماج الاقتصادي ويحد من الفوارق المجالية. وبهذا المعنى، تمنح مبادرة تيراميد  (TeraMed)، بعدا استراتيجيا جديدا لمفهوم السيادة الطاقية، عبر ربطه بأبعاد التشغيل والسيادة الصناعية والعدالة الاجتماعية.

في هذا السياق، يبرز المغرب كحالة خاصة في العالم النامي، حيث اختار منذ أكثر من عقد أن يراهن على الطاقات المتجددة كمدخل لإعادة صياغة موقعه الطاقي. لقد شكلت الاستراتيجية الطاقية التي أطلقها المغرب سنة 2009 نقطة تحول مفصلية، إذ فتحت الباب أمام استثمارات واسعة في الطاقة الشمسية والريحية، ووضعت أسس انتقال تدريجي نحو نموذج طاقي أقل تبعية للخارج. وقد تجسد هذا التوجه في مشاريع كبرى، لعل أبرزها مجمع نور ورزازات للطاقة الشمسية، الذي لم يعد مجرد مشروع لإنتاج الكهرباء، بل تحول إلى رمز دال على طموح وطني يسعى إلى إعادة تموقع المغرب ضمن الخريطة الطاقية العالمية.

غير أن هذا الطموح، رغم ما راكمه من مكتسبات، يطرح اليوم أسئلة عميقة حول مدى تحقق السيادة الطاقية في بعدها الشامل. في هذا الإطار، يوضح الخبير محمد فتوحي رئيس النادي المغربي للبيئة والتنمية أن مفهوم السيادة الطاقية الخضراء يتجاوز مجرد رفع حصة الطاقات المتجددة في المزيج الكهربائي، ليشمل القدرة على التحكم في التكنولوجيا، وتطوير الصناعة المحلية، وتقليص الاعتماد على الخارج في مختلف حلقات الإنتاج. ويضيف أن المغرب، رغم تقدمه اللافت في مجال الطاقات النظيفة، لا يزال في مرحلة انتقالية، حيث يتقدم التحول الطاقي بوتيرة ملحوظة، بينما تظل السيادة الطاقية هدفًا لم يكتمل بعد.

وفي قراءة لأهم التحديات، يشير الخبير إلى أن التبعية التكنولوجية تظل عائقا بنيويا، إلى جانب إشكالية التمويل والضغط المتزايد على الموارد المائية، خاصة في ظل مشاريع الهيدروجين الأخضر. كما يلفت إلى ضرورة الحذر من تحويل هذا الرهان الاستراتيجي إلى مجرد فرصة للتصدير دون تحقيق قيمة مضافة حقيقية داخل الاقتصاد الوطني. فالهيدروجين الأخضر، رغم ما يحمله من آفاق واعدة، لن يكون رافعة للسيادة الطاقية إلا إذا اقترن بتوطين الصناعة ونقل المعرفة.

وفي سياق مواز، تكتسي المبادرات المدنية والتواصلية أهمية خاصة في مواكبة هذا التحول، حيث يندرج تنظيم حملة إعلامية توعوية حول الأمن الطاقي بالمغرب من طرف النادي المغربي للبيئة والتنمية، بتنسيق مع شبكة رائد، ضمن الجهود الرامية إلى ترسيخ الوعي المجتمعي بأهمية الانتقال الطاقي وتعزيز ثقافة الاستهلاك المسؤول للطاقة. وتسعى هذه المبادرات إلى تقريب مفاهيم السيادة الطاقية من المواطن، وفتح نقاش عمومي حول تحدياتها وفرصها، بما يساهم في جعل التحول الطاقي مشروعا جماعيا يشارك فيه مختلف الفاعلين.

و يبدو أن المغرب قد قطع أشواطا مهمة في اتجاه التحول الطاقي، لكنه لا يزال في بداية الطريق نحو تحقيق سيادة طاقية خضراء فعلية. وبين الطموح المشروع والإكراهات الواقعية، يتحدد مستقبل هذا المسار بمدى قدرة المملكة على الانتقال من موقع المستهلك للتكنولوجيا إلى موقع المنتج لها، ومن منطق التبعية إلى منطق التموضع الاستراتيجي داخل اقتصاد عالمي يتشكل من جديد حول الطاقة النظيفة.

في سياق النقاش المتنامي حول بعض المبادرات الإقليمية الخاصة بالانتقال الطافي مثل مبادرة تيراميد وعلاقتها بطموح بلادنا لتحقيق السيادة الطاقية الخضراء، يقدم الخبير محمد فتوحي قراءة مركزة في رهانات المرحلة، من خلال هذا الحوار المختصر:

 سؤال : ما هو سياق وما هي أهداف مبادرة تيراميد  (TeraMed)، وما هي الجهة المسؤولة عن التعريف بها، وإلى أي مدى تتقاطع هذه المبادرة مع الاستراتيجية الطاقية بالمغرب وجهود مكافحة التغير المناخي إقليميا؟

جواب: تندرج مبادرة تيراميد  (TeraMed) ضمن دينامية إقليمية متسارعة لإعادة تشكيل المنظومة الطاقية في الفضاء المتوسطي، في ظل تصاعد تحديات التغير المناخي، والضغوط المرتبطة بأمن الطاقة، والتحولات الجيوسياسية العالمية. وقد برزت هذه المبادرة كتصور تكاملي يهدف إلى تعزيز التعاون بين ضفتي المتوسط من خلال تطوير مشاريع كبرى في مجال الطاقات المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر، مع التركيز على خلق سلاسل قيمة إقليمية وتوطين الصناعة الطاقية. وتروج لهذه المبادرة بالأساس هيئات ومنصات للتعاون الإقليمي تجمع فاعلين مؤسساتيين واقتصاديين، إلى جانب شبكات بحثية ومراكز تفكير متوسطية، حيث يتم تقديمها كإطار استراتيجي لدعم الاستثمار وتنسيق الجهود بين الدول المعنية. كما تساهم الحكومات الوطنية، إلى جانب شركاء دوليين، في التعريف بها وإدماجها ضمن أجندات التعاون الطاقي والمناخي.

وتهدف تيراميد  (TeraMed)، إلى تحقيق مجموعة من الأهداف المتكاملة، أبرزها: تسريع نشر الطاقات النظيفة، دعم السيادة الطاقية للدول، خلق فرص عمل خضراء، وتعزيز الربط الطاقي بين أوروبا وإفريقيا. كما تسعى إلى جعل الانتقال الطاقي رافعة للتنمية المستدامة، وليس مجرد تحول تقني في مصادر الطاقة.

أما على مستوى التقاطع مع المغرب، فإن المبادرة تنسجم بشكل كبير مع الاستراتيجية الطاقية الوطنية التي أطلقها المغرب منذ سنة 2009، والتي تقوم على تنويع المزيج الطاقي، ورفع حصة الطاقات المتجددة، والانخراط في مشاريع الهيدروجين الأخضر. كما تتقاطع مع التزامات المملكة في مجال مكافحة التغير المناخي، سواء في إطار مساهماتها المحددة وطنيا (NDCs) أو عبر انخراطها في الدينامية الدولية المنبثقة عن اتفاق باريس للمناخ.

وتمنح تيراميد  (TeraMed) على المستوى الإقليمي، بعدا جديدا لهذه الجهود، إذ تساهم في ربط الاستراتيجيات الوطنية ضمن رؤية متوسطية مشتركة، وتعزز تموقع المغرب كحلقة وصل بين إفريقيا وأوروبا في مجال الطاقة النظيفة. غير أن تحقيق هذا الطموح يظل رهينا بقدرة الدول، ومنها المغرب، على الانتقال من دور المستقبل للتكنولوجيا إلى فاعل في إنتاجها وتوطينها.

سؤال: كيف تقيمون موقع المغرب اليوم في مسار تحقيق السيادة الطاقية الخضراء؟

جواب: المغرب حقق تقدما مهما في مجال الطاقات المتجددة، وهذا لا يمكن إنكاره، لكنه لا يزال في مرحلة انتقالية بين التبعية الطاقية والسعي نحو السيادة. ما تحقق هو تحول في بنية الإنتاج الكهربائي، لكن السيادة بمفهومها الكامل تتطلب التحكم في التكنولوجيا وسلاسل القيمة، وهو ما لم يتحقق بعد بالشكل الكافي.

سؤال: ما هي أبرز التحديات التي تعيق هذا المسار؟

جواب: التحدي الرئيسي هو التبعية التكنولوجية، حيث لا يزال المغرب يعتمد على الخارج في المعدات والخبرة. هناك أيضا إشكالية التمويل، إضافة إلى الضغط على الموارد الطبيعية، خاصة المياه، في ظل مشاريع كبرى مثل الهيدروجين الأخضر. ثم هناك تحد مهم يتعلق بمدى إدماج الفاعلين المحليين في هذا التحول.

سؤال: هل يمكن للهيدروجين الأخضر أن يشكل فرصة لتعزيز السيادة الطاقية؟

جواب: نعم، لكن بشروط. الهيدروجين الأخضر يمكن أن يمنح المغرب موقعًا استراتيجيا عالميا، غير أن الخطر يكمن في تحويله إلى مجرد مورد للتصدير دون تحقيق قيمة مضافة داخلية. إذا لم يتم ربطه بالتصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا، فقد نعيد إنتاج نفس أنماط التبعية ولكن في صيغة خضراء.

سؤال: ما هي الأولويات التي ترونها ضرورية لتعزيز السيادة الطاقية مستقبلا؟

جواب: الأولوية يجب أن تكون لتوطين الصناعة الطاقية، ودعم البحث العلمي، وتطوير الكفاءات الوطنية. كما ينبغي العمل على ديمقراطية الطاقة، أي تمكين المواطنين والمقاولات من إنتاج واستهلاك الطاقة، لأن السيادة الطاقية لا تتحقق فقط على مستوى الدولة، بل أيضا على مستوى المجتمع.

سؤال : ما هي أدوار الفاعلين المؤسساتيين والمدنيين والإعلام في مجال الترويج للتحول الطاقي النظيف وتنفيذ مبادرة تيراميد  (TeraMed) ؟

جواب: تلعب الأطراف المختلفة أدوارا متكاملة في إنجاح التحول الطاقي. فالفاعلون المؤسساتيون يتحملون مسؤولية وضع السياسات العمومية، وتوفير الإطار القانوني والتنظيمي، وتحفيز الاستثمار، وضمان التنسيق بين مختلف المتدخلين. كما يقع على عاتقهم دعم البحث العلمي وتوجيهه نحو الابتكار في مجال الطاقات النظيفة. أما المجتمع المدني، فيضطلع بدور أساسي في التوعية والتحسيس، وتقريب مفاهيم الانتقال الطاقي من المواطنين، والدفاع عن العدالة الطاقية وضمان انخراط الفئات المحلية في هذا التحول. في حين يشكل الإعلام رافعة استراتيجية لنشر المعرفة وتبسيط القضايا الطاقية المعقدة، وفتح نقاش عمومي مسؤول حول رهانات السيادة الطاقية، ومواكبة مختلف المبادرات، بما فيها تيراميد  (TeraMed) ، عبر تقديم محتوى تحليلي يعزز الوعي الجماعي ويشجع على المشاركة الفعلية في هذا الورش الوطني.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!