آفاق بيئية: محمد التفراوتي
في سياق التحولات المناخية الجلية وتزايد الضغوط على الموارد المائية، تبرز الدبلوماسية المائية كأحد المداخل الذكية والمبتكرة لإعادة صياغة علاقة الدولة بالماء، باعتباره موردا طبيعيا وقضية سيادية واستراتيجية ذات أبعاد متعددة. وفي هذا الإطار، جاءت مداخلة وازنة للدكتور عبد الرحيم خالص لتؤكد على أهمية هذه المقاربة الجديدة التي تجمع بين الرؤية السياسية، والأدوات القانونية، والرهانات التنموية، في أفق تعزيز الأمن المائي وترسيخ السيادة الوطنية.
وقد تم تقديم هذا العرض خلال الجلسة العلمية الأولى للندوة الدولية حول سيادة المياه، المنظمة من قبل ماستر قوانين البيئة والتنمية المستدامة، بشراكة مع ماستر التدبير العمومي الترابي، وبتعاون مع مختبر الأبحاث في القانون العام والعلوم السياسية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بأيت ملول. وقد شكل هذا اللقاء العلمي فضاءً لتبادل الرؤى حول مستقبل الحكامة المائية في ظل التحديات المناخية المتسارعة.
وشكل العرض مناسبة لإبراز التحولات العميقة التي يشهدها تدبير الموارد المائية بالمغرب، والانتقال من منطق التدبير التقليدي إلى تبني مقاربات أكثر تكاملا وابتكارا، قوامها الحوار، والتعاون، والتخطيط الاستراتيجي بعيد المدى.

وأكد الدكتور خالص أن الدبلوماسية المائية أصبحت اليوم أحد أعمدة السيادة الوطنية، حيث يشكل الماء موردا استراتيجيا يفرض نفسه كعنوان رئيسي للقرار الوطني والأمن المجتمعي في القرن الحادي والعشرين. ولم يعد تدبير الماء شأنا تقنيا صرفا، بل تحول إلى قضية سياسية وقانونية ذات امتدادات دولية.
وترتكز هذه الدبلوماسية، وفق المتدخل، على أربعة محاور أساسية: أولها فتح الحوار بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين، وطنيا ودوليا؛ وثانيها تبادل التجارب والخبرات في مجال تدبير الموارد البيئية ومواجهة التغيرات المناخية؛ وثالثها بناء المفاوضات السياسية والقانونية حول الماء باعتباره موردا مشتركا للإنسانية؛ ورابعها اعتماد قواعد القانون الدولي والقوانين الوطنية المنظمة للمياه كمرجعية مؤطرة.
وفي سياق التحول العملي، أبرز الدكتور خالص أن المغرب انتقل من السياسة التقليدية إلى تبني مشاريع استراتيجية كبرى، من قبيل محطات تحلية مياه البحر ومشروع “الطريق السيارة المائية”، وهي مشاريع تجسد توجها نحو تعزيز السيادة المائية الداخلية، وتقوية الأمن الغذائي الوطني. كما تعكس هذه المبادرات إرادة واضحة لفك الارتباط التدريجي بين الإنتاج الفلاحي والتقلبات المناخية، خاصة في ظل توالي سنوات الجفاف.
وعلى المستوى الدولي، أشار إلى أن المغرب عزز حضوره داخل الفضاء الإفريقي والدولي من خلال توقيع اتفاقيات ثنائية ومتعددة الأطراف، وتثمين خبرته في مبادرات بيئية كبرى، من بينها مبادرة “رجال مناخ إفريقيا”، بما يعزز مكانته كفاعل مسؤول في قضايا المناخ والماء.
كما أبرز أن الإطار الدستوري المغربي، خاصة دستور 2011، كرس الحق في الماء والحق في التنمية ضمن منظومة حقوق الإنسان من الجيل الثالث، وهو ما يعكس وعيا متقدما بأهمية الموارد الطبيعية في تحقيق العدالة المجالية والاجتماعية. وتدعم هذا التوجه مجموعة من السياسات العمومية والآليات القانونية، من بينها المخططات الوطنية والشرطة البيئية، التي تضطلع بدور محوري في حماية البيئة وضمان استدامة الموارد.
وفي بعده المستقبلي، شدد المتدخل على أهمية إدماج التكنولوجيا الحديثة في تدبير الموارد المائية، من خلال توظيف الأقمار الصناعية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، فيما وصفه بـ”السيادة المائية الرقمية”. كما دعا إلى ضرورة توطين التكنولوجيا وتعزيز البحث العلمي الوطني، بما يمكن من الانتقال من استيراد الحلول إلى إنتاجها محليا، في أفق تحقيق استقلالية تقنية واستراتيجية.
وختم الدكتور عبد الرحيم خالص مداخلته بالتأكيد على أن الماء أصبح العنوان الحقيقي للسيادة المغربية في المرحلة الراهنة، داعيا إلى جعل الدبلوماسية المائية جسرا للتعاون الدولي، والتشريع البيئي درعا للحماية، والابتكار رافعة لضمان الاستمرارية في مواجهة تحديات المستقبل.

































