من نيس إلى مومباسا: هل تعيد إفريقيا صياغة حوكمة المحيطات؟

محمد التفراوتيمنذ ساعتينآخر تحديث :
من نيس إلى مومباسا: هل تعيد إفريقيا صياغة حوكمة المحيطات؟

آفاق بيئية: محمد التفراوتي

يشكل الانتقال من قمة نيس إلى مؤتمر “محيطنا” في كينيا لحظة مفصلية في تطور الدبلوماسية البحرية العالمية، حيث تتقاطع رهانات البحر المتوسط مع تحولات أوسع في الحوكمة البيئية الدولية. وتبرز هذه المرحلة في ظل تصاعد الضغوط المناخية وتفاقم التلوث البحري، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لقدرته على صياغة سياسات فعالة وعابرة للحدود.
ويعد البحر المتوسط اليوم مختبرا حيا للأزمات البيئية المعقدة، باعتباره أحد أكثر الأحواض البحرية هشاشة في العالم. فهو يرزح تحت وطأة كثافة سكانية مرتفعة وضغوط سياحية وصناعية متزايدة، فضلا عن تفاقم التلوث البلاستيكي وتسارع فقدان التنوع البيولوجي. ورغم تعدد المبادرات الإقليمية، يظل التحدي الجوهري متمثلا في ضعف التنسيق بين الضفتين الشمالية والجنوبية، بما يعكس اختلالات عميقة في الحوكمة البيئية العالمية وعدم التكافؤ في تدبير الموارد المشتركة.
وفي هذا السياق، جاءت قمة نيس لتعزز الدينامية المرتبطة بمؤتمرات الأمم المتحدة للمحيطات، حيث رفعت سقف الطموح عبر الدفع نحو حماية 30 في المائة من المساحات البحرية بحلول عام 2030، وتعزيز الاقتصاد الأزرق، ومكافحة التلوث. غير أن القراءة النقدية لمخرجاتها تكشف عن حدود بنيوية واضحة، إذ طغى الطابع الإعلاني على حساب الآليات التنفيذية، واستمر غياب الالتزامات القانونية الملزمة، مما عمق الفجوة بين دول الشمال والجنوب في مجالي التمويل ونقل التكنولوجيا، وجعل التعهدات وفيرة بينما ظل التنفيذ محدودا.
ومع انتقال النقاش الجيو-بيئي من الفضاء المتوسطي المشبع بالتجاذبات الجيوسياسية إلى الفضاء الإفريقي-الهندي في كينيا، يبرز تحول نوعي يمنح القارة الإفريقية فرصة لإعادة صياغة الخطاب البحري العالمي. فهذا الانتقال يعكس تغييرا في الجغرافيا، و في الأولويات أيضا، حيث تتقدم قضايا العدالة البيئية، وسيادة الدول على مواردها البحرية، والربط بين الأمن البيئي والأمن الغذائي للمجتمعات الساحلية.

© تارين شولز وقد جمع مؤتمر الأمم المتحدة الثالث لتنسيق الأمن البحري (UNOC3)، الذي نظمته فرنسا وكوستاريكا بالاشتراك، 15000 مشارك – بما في ذلك أكثر من 60 رئيس دولة وحكومة – على الشواطئ الفرنسية للبحر الأبيض المتوسط، في نيس.

وتتجه الأنظار إلى قمة كينيا بانتظارات عالية، تتجاوز منطق إعلان النوايا إلى ضرورة إرساء آليات عملية لتتبع الالتزامات، وربط التمويل بنتائج قابلة للقياس والتقييم. كما يظل الرهان قائما على قدرة الدول الإفريقية على بلورة موقف موحد يتجاوز التباينات الإقليمية، ويحول الاقتصاد الأزرق من شعار جذاب إلى رافعة حقيقية للتنمية المستدامة، دون السقوط في إعادة إنتاج أنماط الاستغلال غير المتكافئ للموارد.
غير أن هذه الطموحات تصطدم بإكراهات بنيوية معقدة، من بينها تضارب مصالح القوى الكبرى المتنافسة على الموارد البحرية، وضعف آليات الحكامة الإقليمية، واستمرار الفجوة العلمية والتكنولوجية بين الشمال والجنوب. كما أن الهشاشة الاقتصادية في عدد من الدول النامية تدفع أحيانا إلى تغليب أولويات التنمية الآنية على حساب الاستدامة البيئية، في وقت تتفاقم فيه التغيرات المناخية، من تحمض المحيطات إلى ارتفاع مستوى سطح البحر.
إن الربط بين مساري نيس ومومباسا يعكس انتقالا من مرحلة تشخيص الأزمة إلى اختبار الإرادة السياسية. و أبرزت قمة نيس حجم التحديات، وعليه فكينيا مطالبة اليوم بتحويل هذا الوعي إلى سياسات منصفة وقابلة للتنفيذ. فالرهان يستوجب حماية المحيطات، و يمتد إلى إعادة التوازن داخل نظام عالمي يعاني من اختلالات عميقة، بما يضمن تحقيق عدالة بيئية حقيقية تستفيد منها الأجيال الحالية والقادمة في إطار من المسؤولية المشتركة والإنصاف.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!