من نيس إلى مومباسا: هل تعيد إفريقيا صياغة حوكمة المحيطات؟

محمد التفراوتي17 أبريل 2026آخر تحديث :
من نيس إلى مومباسا: هل تعيد إفريقيا صياغة حوكمة المحيطات؟

آفاق بيئية: محمد التفراوتي

يشكل الانتقال من قمة نيس سنة 2025 إلى مؤتمر “محيطنا” في كينيا سنة 2026 لحظة مفصلية في تطور الدبلوماسية البحرية العالمية، حيث تتقاطع رهانات البحر المتوسط مع تحولات أوسع في الحوكمة البيئية الدولية. وتبرز هذه المرحلة في ظل تصاعد الضغوط المناخية وتفاقم التلوث البحري، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لقدرته على صياغة سياسات فعالة وعابرة للحدود.
ويعد البحر المتوسط اليوم مختبرا حيا للأزمات البيئية المعقدة، باعتباره أحد أكثر الأحواض البحرية هشاشة في العالم. فهو يرزح تحت وطأة كثافة سكانية مرتفعة وضغوط سياحية وصناعية متزايدة، فضلا عن تفاقم التلوث البلاستيكي وتسارع فقدان التنوع البيولوجي. ورغم تعدد المبادرات الإقليمية، يظل التحدي الجوهري متمثلا في ضعف التنسيق بين الضفتين الشمالية والجنوبية، بما يعكس اختلالات عميقة في الحوكمة البيئية العالمية وعدم التكافؤ في تدبير الموارد المشتركة.
وفي هذا السياق، جاءت قمة نيس لتعزز الدينامية المرتبطة بمؤتمرات الأمم المتحدة للمحيطات، حيث رفعت سقف الطموح عبر الدفع نحو حماية 30 في المائة من المساحات البحرية بحلول عام 2030، وتعزيز الاقتصاد الأزرق، ومكافحة التلوث. غير أن ما يعلن في نيس غالبا ما يصطدم بتناقضات هيكلية. ففرنسا، الدولة المضيفة، تمتلك ثاني أكبر منطقة اقتصادية خالصة في العالم (11 مليون كيلومتر مربع)، وتواصل منح تراخيص التنقيب عن النفط في مياهها ما وراء البحار، بينما تتبنى خطابا حمائيا. والأكثر إشكالية هو غياب أي التزام بوقف اتفاقيات الصيد الجائر التي تبرمها الأساطيل الأوروبية مع دول إفريقية مثل موريتانيا، وهي اتفاقيات تحول “الاقتصاد الأزرق” إلى غطاء لنهب الموارد تحت شعار الاستدامة. كما أن القراءة النقدية لمخرجاتها تكشف عن حدود بنيوية واضحة، إذ طغى الطابع الإعلاني على حساب الآليات التنفيذية، واستمر غياب الالتزامات القانونية الملزمة، مما عمق الفجوة بين دول الشمال والجنوب في مجالي التمويل ونقل التكنولوجيا، وجعل التعهدات وفيرة بينما ظل التنفيذ محدودا.
ومع انتقال النقاش الجيو-بيئي من الفضاء المتوسطي المشبع بالتجاذبات الجيوسياسية إلى الفضاء الإفريقي-الهندي في كينيا، لكن المفارقة أن مومباسا فضلا عن كونها عاصمة كينيا، فهي قاعدة بحرية تتنافس عليها الصين (عبر ميناء باغامويو الممول صينيا)، والهند، والولايات المتحدة. هذا الصراع الجيوسياسي على الممرات المائية يهدد بتفريغ أي نقاش حول “الحوكمة المشتركة” من مضمونه. والسؤال الحاسم: هل تستطيع إفريقيا تحويل هذا التنافس إلى ورقة ضغط لصالح أجندتها، أم ستظل رهينة لصراعات لا تمتلك أدواتها؟

و يبرز تحول نوعي يمنح القارة الإفريقية فرصة لإعادة صياغة الخطاب البحري العالمي. فهذا الانتقال يعكس تغييرا في الجغرافيا، و في الأولويات أيضا، حيث تتقدم قضايا العدالة البيئية، وسيادة الدول على مواردها البحرية، والربط بين الأمن البيئي والأمن الغذائي للمجتمعات الساحلية.

© تارين شولز

وتتجه الأنظار إلى قمة كينيا بانتظارات عالية، تتجاوز منطق إعلان النوايا إلى ضرورة إرساء آليات عملية لتتبع الالتزامات، وربط التمويل بنتائج قابلة للقياس والتقييم.

لكن الواقع المالي يفضح الإعلانات. فالتعهدات التي خرجت بها نيس (نحو 4 مليارات يورو) تفتقر إلى الشفافية. كم منها هو أموال جديدة وليس مجرد إعادة توزيع لمساعدات سابقة؟ وكم منها يقدم كقروض وليس منحا، مما يخلق “ديونا بيئية” جديدة على الدول الإفريقية؟.

الأكثر فاعلية هو نموذج “مقايضة الديون بالحماية البحرية” الذي طبقته سيشيل (Seychelles)،الدولة الجزرية الإفريقية الصغيرة في المحيط الهندي، بنجاح، حيث تم تحويل 21 مليون دولار من ديونها إلى تمويل لمحميات بحرية. يشار إلى أن هذا النموذج أتاح لسيشيل حماية 30 في المائة من مياهها الإقليمية، أي ما يعادل 410 آلاف كيلومتر مربع، في قفزة نوعية من 0.04 في المائة فقط قبل الصفقة. فلماذا لا يتم تعميم هذه الآلية في مومباسا، أو إنشاء “بنك المحيطات الأفريقي” المستقل؟

و يظل الرهان قائما على قدرة الدول الإفريقية على بلورة موقف موحد يتجاوز التباينات الإقليمية، ويحول الاقتصاد الأزرق من شعار جذاب إلى رافعة حقيقية للتنمية المستدامة، دون السقوط في إعادة إنتاج أنماط الاستغلال غير المتكافئ للموارد.

ويبدو أن الحديث عن “موقف إفريقي موحد” قد يكون وهما استراتيجيا. فالتباينات حقيقية وعميقة. فدول شمال إفريقيا (المغرب، مصر، الجزائر) أولوياتها مرتبطة بالبحر المتوسط وعلاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، بينما دول شرق القارة (كينيا، تنزانيا) تنظر إلى المحيط الهندي والممرات الآسيوية. كما أن نزاعات حدودية بحرية عالقة (بين كينيا والصومال، أو غانا وكوت ديفوار) تجعل أي “موقف جماعي” هشا. والأخطر هو الصراع بين الدول الساحلية والداخلية (مثل تشاد ومالي) التي تطالب بحقوقها في المحيطات، وهو صراع لم تحسمه بعد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. لذا، بدلا من الموقف الموحد، الأجدى هو التحالف حول قضايا محددة من قبيل  العدالة التمويلية، ونقل التكنولوجيا، ومقاومة نهب الأسماك.

لكن السؤال الأعمق: هل “الاقتصاد الأزرق” مجرد استعمار بحري جديد بثياب خضراء؟ فكثير من المشاريع المصنفة تحت هذا المسمى في إفريقيا (مثل مزارع الجمبري في موزمبيق أو تراخيص استخراج النفط في خليج غينيا) تؤدي إلى تدمير غابات المانغروف وتشريد المجتمعات الصيادة التقليدية، تحت ذريعة “الاستثمار المستدام”. بديلا عن ذلك، لماذا لا ننتقل إلى مفهوم “حقوق البحر”؟ أي الاعتراف بالمحيطات كحيز حيوي له حقوق خاصة، مستفيدين من نماذج مبتكرة مثل “شخصية الطبيعة” التي منحت لنهر وايانغاني في نيوزيلندا، وهو ما يحول الحماية من التزام طوعي إلى واجب قانوني قابل للمقاضاة. فكما أصبح للنهر “صوت قانوني”، قد يصبح للمحيطات “وضع قانوني” يمكنها من الدفاع عن حقها في السلامة الإيكولوجية والاستمرارية.

وتصطدم هذه الطموحات بإكراهات بنيوية معقدة، من بينها تضارب مصالح القوى الكبرى المتنافسة على الموارد البحرية، وضعف آليات الحكامة الإقليمية، واستمرار الفجوة العلمية والتكنولوجية بين الشمال والجنوب. وهذه الفجوة ليست طبيعية، بل منتجة سياسيا، كما تشير تقارير منظمة اليونسكو واللجنة الحكومية الدولية لعلوم المحيطات إلى أن البحث العلمي البحري عالميا يعاني من عدم تكافؤ واضح في التوزيع الجغرافي للقدرات والتمويل. إذ يتركز جزء كبير من البحث العلمي البحري والقدرات التكنولوجية في دول الشمال، خصوصا في الدول الإسكندنافية التي تحتضن مؤسسات بحثية بحرية رائدة عالميا ( The Nordic Ocean Opportunity). في المقابل، تظل المعدات المتطورة، من الغواصات الآلية إلى أجهزة القياس الساتلية، تخضع لقيود تصديرية غير معلنة تجاه إفريقيا. الأكثر خطورة هو احتكار البيانات. شركات خاصة مثل “أوربكوم“(Orbcomm) تمتلك أقمارا صناعية لمراقبة المحيطات وتخضع الوصول إليها لاشتراكات باهظة، مما يجعل الدول الإفريقية عمياء داخل مياهها الإقليمية. لم يتضمن إعلان نيس أي بند ملزم لنقل التكنولوجيا، على غرار نظام مونتريال الناجح في قضية استنفاد الأوزون. هذا الغياب ليس سهوا، بل سياسة متعمدة لإدامة التبعية. وتدفع الهشاشة الاقتصادية في عدد من الدول النامية أحيانا إلى تغليب أولويات التنمية الآنية على حساب الاستدامة البيئية، في وقت تتفاقم فيه التغيرات المناخية، من تحمض المحيطات إلى ارتفاع مستوى سطح البحر.

خلاصة القول إذن، لا يكفي أن تنتقل الدبلوماسية البحرية من نيس إلى مومباسا، بل يجب أن تنتقل من منطق “إدارة الندرة” إلى منطق “العدالة التوزيعية”. اختبار الإرادة السياسية في كينيا يتجاوز حماية 30 في المائة من المحيطات، بتحويل الـ70 في المائة المتبقية من مسرح لاستنزاف الشمال إلى مجال للإنصاف البيئي. فإن فشلت إفريقيا في فرض هذا التحول النموذجي، فستظل مجرد متلق لسياسات تصنع في عواصم لا تعاني من ارتفاع منسوب البحر، ولا تعرف معنى أن يختفي مصدر رزقك تحت موجة عابرة. وبذلك المحيطات تعتبر ميراثا مشتركا للبشرية، وحوكمتها الحقيقية تبدأ حين تتساوى أصوات من يعيشون على سواحلها مع أصوات من يرسمون خرائط نفوذهم فوق مكاتبهم.

إن الربط بين مساري نيس ومومباسا يعكس انتقالا من مرحلة تشخيص الأزمة إلى اختبار الإرادة السياسية. و أبرزت قمة نيس حجم التحديات، وعليه فكينيا مطالبة اليوم بتحويل هذا الوعي إلى سياسات منصفة وقابلة للتنفيذ. فالرهان يستوجب حماية المحيطات، و يمتد إلى إعادة التوازن داخل نظام عالمي يعاني من اختلالات عميقة، بما يضمن تحقيق عدالة بيئية حقيقية تستفيد منها الأجيال الحالية والقادمة في إطار من المسؤولية المشتركة والإنصاف.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!