آفاق بيئية: محمد التفراوتي
سيادة الماء في زمن التقلبات: رهان الاستدامة وحكمة التدبير
على امتداد يومي 10 و11 أبريل 2026، احتضنت كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بأيت ملول، التابعة لجامعة ابن زهر بأكادير، تظاهرة علمية التي تحولت إلى فضاء فكري مفتوح، تداخلت فيه المقاربات الأكاديمية مع رهانات الواقع الميداني. فقد جمعت الندوة أكثر من ستين مداخلة لباحثين وخبراء وطلبة دكتوراه، ناقشوا بعمق تحولات العلاقة مع الماء، من كونه موردا طبيعيا إلى عنصر حاسم في معادلة الاستقرار الاجتماعي والتنمية الترابية. نظمت الندوة من قبل ماستر القوانين البيئية والتتمية المستدامة بتنسيق مع ماستر التدبير العمومي الترابي ، و بتعاون مع مختبر الأبحاث في القانون العام و العلوم السياسية بالكلية .
في مستهل أشغال الندوة الدولية حول السيادة المائية بالمغرب، ارتسمت ملامح نقاش علمي رصين انطلق من كلمات افتتاحية وازنة، عكست عمق الرهانات المطروحة، وأرست الإطار المرجعي الذي سيوجه مختلف المداخلات العلمية اللاحقة.
افتتاح علمي يؤطر رهانات السيادة المائية
استهل الدكتور حسن الليلي، منسق ماستر التدبير الترابي، هذا الموعد العلمي بكلمة تأطيرية أبرز فيها السياق العام لانعقاد الندوة، في ظل تزايد الضغوط على الموارد المائية وتنامي آثار التغيرات المناخية. وأكد أن قضية الماء لم تعد مجرد إشكال تقني أو قطاعي، بل تحولت إلى قضية سيادية بامتياز، تستدعي مساءلة عميقة للسياسات العمومية والإطار القانوني المؤطر لها، وعلى رأسه القانون 36.15 المتعلق بالماء. واستحضر في هذا السياق التوجيهات الملكية السامية، التي شددت على أن الحفاظ على الماء مسؤولية جماعية وأمانة مشتركة، مما يضفي على هذا النقاش بعدا وطنيا استراتيجيا.

وتحدث الليلي عن أهمية هذا الفضاء الأكاديمي في بلورة إجابات علمية وعملية لأسئلة معقدة، من قبيل كيفية تدبير فترات الوفرة المائية دون الوقوع في مخاطر الفيضانات، وسبل إدماج هذه المخاطر ضمن وثائق التعمير والسياسات الترابية. كما أكد أن هذه الإشكالات تفرض الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الاستباق، عبر بناء وعي قانوني ومؤسساتي قادر على استيعاب التحولات المناخية المتسارعة، مشددا على ضرورة تضافر جهود مختلف الفاعلين من باحثين وخبراء ومهندسين وصناع قرار.

الدكتور حيم الطور: المغرب بين الندرة والتحول المناخي
وفي مداخلته، توقف الدكتور رحيم الطور، عميد كلية العلوم الاقتصادية، عند التحولات البنيوية التي تعرفها وضعية الموارد المائية بالمغرب، مبرزا أن البلاد ظلت خلال السنوات الأخيرة رهينة إكراهات الندرة المائية، بفعل تضافر تأثيرات التغيرات المناخية وموقعها الجغرافي ضمن المناطق شبه الجافة، إلى جانب تفاقم ظاهرة الجفاف البنيوي، خاصة بجهة سوس ماسة التي عاشت على وقع عجز مطري امتد لما يقارب عشر سنوات متتالية.
غير أن العميد أشار في المقابل إلى التحول اللافت الذي شهده الموسم الفلاحي الحالي، حيث سجلت المملكة عودة مهمة للتساقطات المطرية همت مختلف جهات البلاد، وبلغ معدلها السنوي حوالي 520 ملم، بزيادة تناهز 54 في المائة مقارنة بالمعدل المسجل خلال الثلاثين سنة الماضية. وقد انعكس هذا التحسن بشكل مباشر على الوضعية المائية، إذ ارتفع مخزون السدود إلى نحو 12.8 مليار متر مكعب، بنسبة ملئ بلغت 75 في المائة، وهو ما من شأنه تأمين حاجيات مياه السقي بالنسبة للزراعات الربيعية والصيفية، إضافة إلى تلبية متطلبات انطلاقة الموسم الفلاحي المقبل في ظروف أكثر استقرارا.
كما أبرز أن هذه الدينامية الإيجابية كان لها وقع واضح على الأداء الفلاحي، حيث سجل إنتاج الحوامض ارتفاعا بنسبة 25 في المائة ليصل إلى 1.9 مليون طن، في حين عرف إنتاج الزيتون مستوى قياسيا بلغ 2 مليون طن، بزيادة تقدر بـ111 في المائة مقارنة بالموسم السابق. ولم يكن قطاع التمور بمنأى عن هذا التحسن، إذ ارتفع إنتاجه بنسبة 55 في المائة ليبلغ حوالي 160 ألف طن، في مؤشر قوي على ارتباط الإنتاج الفلاحي بتحسن الظروف المناخية وتوفر الموارد المائية. ويعكس هذا التحول، كما خلص إليه المتدخل، هشاشة التوازن المائي بالمغرب، حيث تتأرجح المنظومة بين فترات ندرة حادة وأخرى تعرف وفرة نسبية، ما يفرض تعزيز سياسات التدبير المندمج والمستدام للمياه، والانتقال من منطق تدبير الأزمات إلى بناء مرونة مائية قادرة على مواجهة التقلبات المناخية المتزايدة.
إيريك تارديو: السيادة المائية بين الاندماج والتكنولوجيا
واستعرض إريك تارديو (Eric Tardieu) المدير العام للمكتب الدولي للماء والأمين العام للشبكة الدولية لمنظمات الأحواض (RIOB) في مداخلته، الأبعاد الاستراتيجية لموضوع السيادة المائية، معبرا في مستهل كلمته عن شكره للجهات المنظمة على دعوته للمشاركة في هذا اللقاء الدولي الذي يلامس إحدى القضايا الحيوية على الصعيدين الوطني والدولي.
وأكد المتدخل أن إشكالية التكيف مع التغيرات المناخية وتعزيز القدرة على الصمود تشكل اليوم إحدى الركائز الأساسية لعمل المكتب الدولي للماء والشبكة الدولية لمنظمات الأحواض، إلى جانب قضايا التعاون العابر للحدود، وتعزيز الالتقائية بين سياسات الماء وسياسات الطبيعة. وفي هذا السياق، نوه بالدور الذي اضطلع به المغرب خلال رئاسته للشبكة الدولية لمنظمات الأحواض خلال الفترة الممتدة بين 2019 و2022، بفضل الالتزام القوي للمؤسسات المعنية، خاصة وزارة التجهيز والماء.
وشدد على أن مفهوم “الاندماج” يظل المدخل المحوري لتحقيق حكامة مائية فعالة، موضحا أن هذا الاندماج ينبغي أن يشمل مختلف أبعاد تدبير الموارد، سواء على مستوى الاستعمالات أو الموارد أو أدوات الحكامة. فمن جهة، دعا إلى تعزيز التكامل بين مختلف استعمالات الماء، من ماء الشرب إلى الفلاحة والصناعة، بما يضمن توزيعا متوازنا ومستداما للموارد. ومن جهة أخرى، أبرز أهمية إدماج الموارد المائية غير التقليدية ضمن المنظومة المائية، وعلى رأسها تحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، باعتبارها خيارات استراتيجية لمواجهة الإجهاد المائي.
كما توقف عند أهمية تطوير أنظمة المعلومات المائية، مشيرا إلى الدور المتزايد للتكنولوجيات الحديثة، خاصة المعطيات الساتلية، في تحسين المعرفة بالموارد المائية، سواء السطحية أو الجوفية، وتعزيز تقاسم البيانات بين مختلف المتدخلين. وفي هذا الإطار، أشار إلى الإمكانات التي تتيحها هذه الأدوات في تطوير نماذج رقمية متقدمة، من قبيل “التوأم الرقمي” للأحواض المائية، بما يسهم في تحسين التخطيط واتخاذ القرار.
وعلى مستوى الحكامة، أكد المتدخل ضرورة تعزيز الطابع التشاركي والاندماجي في تدبير الموارد المائية، من خلال إشراك مختلف الفاعلين، وضمان انسجام السياسات العمومية القطاعية المرتبطة بالماء، بما يعزز فعالية التدخلات ويحد من تشتتها. كما شدد على أهمية دعم البحث العلمي وتطوير المعرفة كرافعة أساسية لمواكبة التحولات المناخية والتحديات المستقبلية.
وفي ختام مداخلته، أشار إلى الأجندة الدولية المكثفة المرتقبة خلال السنوات المقبلة، مبرزا أهمية المواعيد العالمية المرتبطة بالماء، من قبيل مؤتمر الأمم المتحدة المرتقب، والمنتدى العالمي للماء، والقمة العالمية للأحواض، معربا عن اهتمامه بمخرجات هذه الندوة، ودورها المحتمل في إغناء النقاش الدولي حول قضايا السيادة المائية.

زينب قيوح: الاستباق والرقمنة مفتاحا تدبير الماء بجهة سوس ماسة
وفي امتداد لهذا التوجه، أبرزت السيدة زينب قيوح، نائبة رئيس مجلس جهة سوس ماسة، راهنية موضوع الندوة، في ظل ما يشهده العالم من اختلالات مائية متزايدة، تتراوح بين الندرة الحادة والوفرة المفاجئة. وأكدت أن هذه التحولات تفرض مراجعة عميقة لأساليب التدبير التقليدية، والانتقال نحو حكامة مائية حديثة قائمة على الاستدامة والتدبير المندمج.
وتوقفت عند المفارقة التي يعيشها المغرب، حيث انتقل في فترة وجيزة من ضغط الندرة إلى تحديات تدبير الوفرة، خاصة مع التساقطات الأخيرة وما تطرحه من مخاطر الفيضانات، داعية إلى تعزيز آليات الاستباق واليقظة، وإرساء أنظمة متطورة للتوقع والإنذار. كما شددت على أهمية تنويع مصادر المياه عبر تعبئة الموارد غير الاعتيادية، وتحسين النجاعة المائية، خاصة في القطاع الفلاحي، من خلال تعميم تقنيات الري الحديثة واعتماد زراعات أقل استهلاكا للماء.
وفي سياق متصل، أكدت على ضرورة الاستثمار في البنيات التحتية المائية، سواء في التخزين أو التصريف، إلى جانب إدماج الرقمنة والتقنيات الحديثة، كالذكاء الاصطناعي ونظم المعلومات الجغرافية، في تدبير هذا القطاع الحيوي. كما أبرزت التجربة الجهوية لسوس ماسة، باعتبارها من المناطق الأكثر هشاشة، حيث استعرضت جملة من المبادرات الرائدة، من قبيل “عقدة الفرشة” وتوسيع شبكات المحطات المناخية، وبرامج التنمية الجهوية التي خصصت استثمارات مهمة لتأمين الموارد المائية وتعزيز الوقاية من الكوارث.
مقاربة بيئية ومؤسساتية
ومن جهته، قدم محمد وساس ممثل المديرية الجهوية للبيئة بوزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة قراءة مؤسساتية شمولية، أكد من خلالها أن السيادة المائية لا يمكن اختزالها في بعد تقني أو قطاعي، بل هي منظومة متكاملة تتقاطع فيها الأبعاد البيئية والمناخية والاقتصادية والاجتماعية. وأبرز أن دستور 2011 كرس الحق في بيئة سليمة، وعزز الإطار القانوني من خلال ترسانة تشريعية متقدمة، مدعومة بآليات مؤسساتية كشرطة البيئة.
وتدارس في مداخلته العلاقة العضوية بين العمل المناخي والسياسات المائية، مبرزا أن أدوات التتبع والتقييم، مثل التقارير المناخية الوطنية، تشكل رافعة أساسية لتحسين المعرفة بالموارد المائية واستشراف المخاطر المرتبطة بالجفاف والفيضانات. كما شدد على أهمية التخطيط الترابي الحساس للمناخ، من خلال أدوات كالمخططات الترابية للمناخ وبرامج التكيف، التي تتيح الانتقال نحو تدبير استباقي قائم على المخاطر.

الوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر أركان: مقاربة مندمجة للتنمية المستدامة بالمجالات الهشة
و قال عبد العزيز أفقير عن الوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر أركان أنها مؤسسة عمومية أنشئت لدعم التنمية بالمجالات الهشة بيئيا واجتماعيا، وقد عملت على تحسين المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية للسكان القرويين عبر مشاريع مندمجة تقوم على التنسيق بين مختلف القطاعات وتعبئة الشراكات. كما شجعت الوكالة المبادرات المبتكرة وربطت العمل التنموي بالبحث العلمي من أجل إيجاد حلول ملائمة لخصوصيات هذه المناطق. وفي هذا السياق، يبرز الماء كعنصر محوري في كل التدخلات التنموية، ليس فقط كمورد حيوي بل كعامل رابط بين مختلف مكونات التنمية والنظم البيئية. ومن أبرز المشاريع التي أشرفت عليها الوكالة مشروع تنمية زراعة أركان في البيئات المتدهورة، الممول من الصندوق الأخضر للمناخ، والذي يشمل غرس 10.000 هكتار من أركان، و2.000 هكتار من النباتات العطرية والطبية، إلى جانب إنجاز 110 منشآت لتجميع مياه الأمطار بسعة إجمالية تصل إلى 25.500 متر مكعب، إضافة إلى دعم البحث العلمي وسلاسل الإنتاج. و يندرج مشروع تعزيز مرونة محميات المحيط الحيوي بالمتوسط ضمن مقاربة الترابط (Nexus) التي تربط الماء والطاقة والغذاء والنظم البيئية، عبر تجريب حلول مبتكرة في سبعة مواقع نموذجية. وتؤكد هذه التجارب أن نجاح التنمية المستدامة في هذه المجالات يظل رهينا بتكامل المعرفة المحلية مع الابتكار العلمي، وباعتماد مقاربة مندمجة تتجاوز الحدود القطاعية.
الشركة الجهوية متعددة الخدمات سوس ماسة: نحو تدبير مندمج ومستدام للمياه
وأضافت السيدة سعاد السبع، ممثلة الشركة الجهوية متعددة الخدمات سوس ماسة، أن إحداث هذه الشركة يندرج ضمن ورش وطني يهدف إلى إصلاح وتحديث تدبير المرافق العمومية، عبر توحيد خدمات الماء والكهرباء والتطهير السائل في إطار جهوي مندمج يراعي خصوصيات المجال الترابي. وأكدت أن هذا التحول مكن من إرساء حكامة أكثر نجاعة ووضوحا في المسؤوليات، وتحسين جودة الخدمات وتقوية فعالية التدخلات الميدانية. وفي سياق تدبير الماء، أوضحت أن الشركة تعتمد مقاربة مندمجة ترتكز على الرقمنة وتحديث الشبكات عبر نظم المعلومات الجغرافية، وتحسين مردودية التوزيع والحد من الفاقد المائي باستعمال تقنيات متقدمة للكشف عن التسربات، إلى جانب مراقبة جودة المياه وضمان مطابقتها للمعايير الصحية. كما تعمل على تنويع مصادر التزود من خلال تحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة في سقي المساحات الخضراء وبعض الاستخدامات الصناعية، فضلا عن تشغيل محطات متنقلة ووحدات “المونوبلوك” لمعالجة المياه في المناطق التي تعاني خصاصا مائيا. وأضافت أن هذه الدينامية تعزز مكانة الشركة كنموذج جهوي رائد في تدبير الماء، مدعوما بنظام جودة معتمد على معايير ISO 9001 وISO 14001، مع الانخراط في معيار ISO 46001 المتعلق بنجاعة استعمال المياه، بما يرسخ التوجه نحو حكامة مستدامة وفعالة لهذا المورد الحيوي.
وكالة الحوض المائي: معطيات ميدانية وتحذير استراتيجي
أما الكلمة الافتتاحية لممثل وكالة الحوض المائي لسوس ماسة، فقد جاءت محملة بمعطيات ميدانية دقيقة، عكست حجم الجهود المبذولة لتعزيز الأمن المائي بالجهة. حيث أكد أن التساقطات الأخيرة، رغم أهميتها، لا ينبغي أن تحجب استمرار تحدي الإجهاد المائي، مما يفرض مواصلة التعبئة الشاملة. واستعرض حصيلة المشاريع المهيكلة، من سدود كبرى وصغرى، ومحطات تحلية ومعالجة المياه، إضافة إلى برامج إعادة استعمال المياه العادمة. و سلط الضوء على وضعية حوض سوس ماسة، الذي عانى من سنوات جفاف متتالية، قبل أن يعرف انتعاشة نسبية، مبرزا أهمية المشاريع الجارية، مثل تعلية السدود، وتوسيع محطات التحلية، وإنجاز منشآت جديدة لتعزيز العرض المائي. وفي سياق المخاطر، أكد على أهمية إعداد “أطلس الفيضانات” كأداة استراتيجية لتحديد المناطق المعرضة للخطر، وتوجيه تدخلات الوقاية والحماية. وختم كلمته بالدعوة إلى ترشيد استعمال المياه، خاصة الجوفية، ومحاربة الاستغلال غير القانوني، مع التأكيد على أن كسب رهان السيادة المائية يمر عبر تغيير السلوكيات، وترسيخ ثقافة الاقتصاد في الماء، إلى جانب تعزيز الحكامة الاستباقية. وهكذا، عكست الكلمات الافتتاحية، في مجملها، وعيا جماعيا بعمق التحولات التي يعرفها قطاع الماء بالمغرب، وأرست أرضية فكرية ومؤسساتية صلبة لنقاش علمي متعدد الأبعاد، ينشد بناء نموذج مائي وطني قادر على مواجهة تحديات الحاضر واستشراف رهانات المستقبل.

صفية لعزيز: رهان أكاديمي ومؤسساتي
ومن جهتها، استهلت الدكتورة صفية لعزيز، المنسقة العامة للندوة ومنسقة ماستر القوانين البيئية والتنمية المستدامة، أشغال الندوة الدولية بكلمة ترحيبية أكدت فيها الأهمية العلمية والمؤسساتية لهذا اللقاء، الذي يندرج ضمن دينامية أكاديمية تسعى إلى مواكبة التحولات البيئية المتسارعة. وأوضحت أن تنظيم هذه الندوة يأتي في إطار تعزيز البحث العلمي متعدد التخصصات حول القضايا البيئية الراهنة. وأبرزت أن اختيار موضوع الندوة يعكس راهنية الإشكالات المرتبطة بالماء، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم بفعل التغيرات المناخية وتداعياتها المتزايدة.
وفي هذا السياق، استحضرت ما ورد في خطاب العرش لسنة 2024، الذي نبه إلى تفاقم التحديات المرتبطة بالموارد المائية نتيجة توالي سنوات الجفاف وتأثيرات التغيرات المناخية، وهو ما ساهم في جعل الوضعية المائية بالمغرب أكثر هشاشة وتعقيدا. واعتبرت أن هذه المعطيات تفرض إعادة التفكير في نماذج التدبير المعتمدة، بما يضمن تحقيق قدر أكبر من النجاعة والاستدامة. كما شددت على أن الندوة تروم فتح نقاش مؤسساتي وعلمي معمق حول مفهوم السيادة المائية، باعتبارها امتدادا للأمن المائي، ومرتبطة بمدى قدرة الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية، إلى جانب مختلف الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، على ضمان تدبير مستدام ومندمج للموارد المائية.
وأكدت أن من بين الأهداف المركزية لهذا اللقاء العلمي مقاربة الإشكاليات القانونية والمؤسساتية المرتبطة بالانتقال من تدبير الندرة، الذي طبع السياسات العمومية لعقود، إلى تدبير الوفرة في سياق مناخي يتسم بعدم الاستقرار. وأوضحت أن الوفرة، رغم ما قد تتيحه من فرص تنموية، قد تتحول بدورها إلى مصدر لمخاطر جسيمة، خاصة في ظل تزايد احتمالات الفيضانات، إذا لم تواكب بتخطيط ترابي مندمج وتدبير استباقي فعال.
وفي ختام كلمتها، أعربت عن أملها في أن تسفر أشغال هذه الندوة عن مخرجات نوعية تثري البحث العلمي، وتسهم في بلورة توصيات عملية قادرة على مواكبة صناع القرار في تطوير السياسات العمومية المائية، بما يضمن تحقيق العدالة البيئية وصون حقوق الأجيال الحاضرة والقادمة في موارد مائية مستدامة وبيئة سليمة.
وتوالت بعد ذلك كلمات ممثلي المجالس الترابية، بكل من المجلس الإقليمي لعمالة إنزكان آيت ملول ومجلس جماعة آيت ملول، حيث أجمعوا على أهمية هذا الملتقى الدولي وراهنيته في ظل التحديات المتزايدة المرتبطة بندرة الموارد المائية وتداعيات التغيرات المناخية.
وأكد المتدخلون أن هذا اللقاء يشكل فضاء مؤسساتيا وعلميا ملائما لتبادل الخبرات وتقاسم التجارب الناجحة في مجال تدبير الموارد المائية، بما يعزز التنسيق بين مختلف الفاعلين على المستوى الترابي. كما أبرزوا الجهود التي تبذلها المجالس الترابية في إطار اختصاصاتها، من خلال تنزيل سياسات وبرامج محلية تروم ترشيد استعمال المياه، وتحسين البنيات التحتية المرتبطة بها، وتعزيز حكامة التدبير المائي.
وأشاروا إلى أن الجماعات الترابية أصبحت اليوم في صلب معادلة التدبير المستدام للموارد، باعتبارها الفاعل الأقرب إلى المواطنين، والقادرة على بلورة حلول عملية ومبتكرة تستجيب لخصوصيات المجالات المحلية. كما شددوا على أهمية اعتماد مقاربات استباقية ومندمجة تأخذ بعين الاعتبار مخاطر الفيضانات وفترات الجفاف على حد سواء، في أفق تحقيق توازن مستدام بين متطلبات التنمية والحفاظ على الموارد الطبيعية.
وفي السياق ذاته، عبروا عن انخراطهم التام في دعم مثل هذه المبادرات العلمية، مؤكدين استعدادهم لتعزيز الشراكات مع المؤسسات الأكاديمية والبحثية، بما يسهم في تطوير السياسات الترابية المرتبطة بالماء، ويكرس مبادئ الحكامة الجيدة والتدبير المسؤول للموارد المائية.
وقد ناقش المشاركون خلال الجلسات العلمية مختلف أبعاد هذا المفهوم، حيث تم التوقف عند رهانات تنزيل الاستراتيجية الوطنية للماء، خاصة على مستوى الأحواض المائية، مع إبراز التحديات المرتبطة بالإجهاد المائي، وتزايد الطلب، وتراجع التساقطات، مقابل الجهود المبذولة في مجال السدود، وتحلية المياه، والربط بين الأحواض. كما تم التأكيد على أهمية الانتقال من تدبير الندرة إلى تدبير الوفرة، في ظل ما تطرحه هذه الأخيرة من فرص تنموية، لكنها في الآن ذاته قد تتحول إلى مصدر للمخاطر، وعلى رأسها الفيضانات، في غياب تخطيط ترابي مندمج.
وتحدث المؤتمرون عن ضرورة إدماج البعد المائي ضمن السياسات العمومية وبرامج التنمية الترابية، مع تعزيز دور الجهات والجماعات الترابية في تحقيق العدالة المجالية المائية، من خلال التخطيط الاستباقي، وتقوية البنيات التحتية، والرفع من جاهزية المجالات الترابية لمواجهة الصدمات المناخية. كما تم التطرق إلى دبلوماسية المياه باعتبارها أداة لتعزيز الاعتراف بالماء كقطاع سيادي، وإلى أهمية الحكامة التشاركية التي تدمج مختلف الفاعلين، من مؤسسات عمومية ومجتمع مدني وقطاع خاص.

الأحواض المائية في صلب الاستراتيجية الوطنية: تنويع الموارد وتحديات الإجهاد
وانصبت مداخلات المشاركين خلال الجلسات العلمية على تفكيك مختلف أبعاد هذا المفهوم المركب، حيث تم التوقف عند رهانات تنزيل الاستراتيجية الوطنية للماء، خاصة على مستوى الأحواض المائية، باعتبارها الوحدة الترابية الأنسب لتدبير الموارد. وفي هذا السياق، برزت التحديات المرتبطة بتفاقم الإجهاد المائي، وتزايد الطلب على المياه بفعل النمو الديمغرافي والتوسع العمراني، مقابل تراجع التساقطات وعدم انتظامها. غير أن هذه الإكراهات تقابلها دينامية استثمارية ومؤسساتية مهمة، تجسدت في تعزيز سياسة السدود، وتطوير مشاريع تحلية مياه البحر، وإطلاق برامج الربط بين الأحواض، بما يعكس تحولا تدريجيا نحو تنويع مصادر التزود بالماء.
وفي قلب هذا النقاش، تم التأكيد على ضرورة الانتقال من منطق تدبير الندرة، الذي طبع السياسات العمومية لعقود، إلى منطق تدبير الوفرة في سياق مناخي متقلب. فالوفرة، رغم ما تتيحه من فرص لدعم الإنتاج الفلاحي وتعزيز الأمن الغذائي، قد تتحول في غياب التخطيط المندمج إلى مصدر لمخاطر جسيمة، وعلى رأسها الفيضانات، وهو ما يفرض اعتماد مقاربات استباقية ترتكز على التخطيط الترابي المرن واليقظة المناخية.
الحكامة المائية والعدالة المجالية: نحو التقاء السياسات العمومية
كما شدد المتدخلون على أهمية إدماج البعد المائي ضمن مختلف السياسات العمومية وبرامج التنمية الترابية، بما يعزز من الالتقائية بين القطاعات ويحد من تشتت التدخلات. وفي هذا الإطار، تم إبراز الدور المتنامي للجهات والجماعات الترابية في تحقيق العدالة المجالية المائية، من خلال التخطيط الاستباقي، وتقوية البنيات التحتية، والرفع من جاهزية المجالات الترابية لمواجهة الصدمات المناخية، سواء المرتبطة بالجفاف أو الفيضانات.
الإطار القانوني والمخاطر المائية: بين حكامة الاستباق وتحديات التنزيل
ولم يخل النقاش من التطرق إلى الأبعاد القانونية والمؤسساتية المؤطرة لتدبير الموارد المائية، حيث تم إبراز أهمية القانون 36.15 كإطار مرجعي لتنظيم هذا القطاع، مع تسجيل عدد من التحديات المرتبطة بتنزيل مقتضياته، خاصة على مستوى التنسيق بين المتدخلين، وضعف الالتقائية بين السياسات القطاعية. كما تم تسليط الضوء على دور القضاء الإداري في حماية الملك العمومي المائي، مع الدعوة إلى تطوير آليات بديلة لتسوية النزاعات، من قبيل التحكيم البيئي وإحداث محاكم متخصصة في القضايا البيئية.
وفي سياق متصل، ناقش المشاركون علاقة السيادة المائية بالحكامة الترابية، من خلال إبراز تقاطعات الأدوار بين الدولة والجماعات الترابية، في إطار توازن دقيق بين مركزية التخطيط ولا مركزية التنفيذ. وفي هذا الصدد، برز مفهوم التضامن المجالي المائي كآلية أساسية لإعادة توزيع الموارد وتقليص الفوارق بين الجهات، بما يضمن تحقيق قدر أكبر من الإنصاف الترابي.
كما استأثرت قضايا المخاطر الطبيعية المرتبطة بالماء بحيز مهم من النقاش، خاصة الفيضانات، حيث تم التأكيد على ضرورة إدماجها ضمن وثائق التعمير والتخطيط الحضري، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر، والانتقال من منطق التدبير الظرفي للأزمات إلى حكامة استباقية قائمة على الاستشراف والرقمنة وبناء القدرات.
ولم تغب المقاربات المقارنة والبعد الدولي عن أشغال الندوة، إذ تم عرض تجارب دولية رائدة في تدبير الإجهاد المائي وتعزيز المرونة المناخية، ما أتاح إمكانية استخلاص الدروس وتكييفها مع الخصوصيات المغربية. كما تم التأكيد على مركزية العدالة المناخية وضمان الحق في الماء كمدخل أساسي لتحقيق التنمية المستدامة.

ومنذ الجلسات الأولى، برز بوضوح أن التحدي لم يعد يقتصر على تدبير الندرة، بل يتعداه إلى التفكير في كيفية تدبير الوفرة حين تتحقق، دون أن تتحول إلى مصدر جديد للمخاطر. وفي هذا السياق، استحضر المتدخلون البرامج الوطنية الكبرى المرتبطة بتأمين التزود بالماء الصالح للشرب ومياه السقي، مؤكدين أن هذه الدينامية تعكس انتقالا تدريجيا من منطق رد الفعل إلى منطق الاستباق.
كما تميزت المداخلات ذات البعد الدولي بعمقها التحليلي، حيث قدمت قراءات مقارنة لتجارب مختلفة في تدبير الموارد المائية، أجمعت على ضرورة اعتماد سياسات مرنة وقابلة للتكيف مع واقع مناخي متسم بعدم اليقين. وقد أبرزت هذه المداخلات أن تحقيق السيادة المائية يمر حتما عبر إعادة بناء أدوات الحكامة، والانتقال من التدبير القطاعي المجزأ إلى المقاربة المندمجة.
وخلال الفترات الموالية، تعمق النقاش في إشكاليات الحكامة المائية، خاصة ما يتعلق بالعلاقة بين التخطيط الترابي وتدبير الموارد، وبالتفاوتات المجالية التي تعيق تحقيق العدالة المائية. كما تم التطرق إلى دور القضاء الإداري في حماية الموارد، وإلى أهمية تطوير آليات بديلة لتسوية النزاعات، بما يعزز منظومة العدالة البيئية.
ولم يغب النقاش حول توزيع الأدوار بين الدولة والجماعات الترابية، حيث أكد المتدخلون أن تحقيق السيادة المائية يقتضي إقامة توازن فعّال بين مركزية الرؤية الاستراتيجية ولامركزية التنفيذ، في إطار حكامة متعددة المستويات. وفي هذا السياق، برز مفهوم التضامن المجالي كآلية أساسية لإعادة توزيع الموارد وتحقيق التوازن بين المجالات.
ومع انطلاق أشغال اليوم الثاني، انتقل النقاش إلى الجوانب القانونية والمؤسساتية بشكل أكثر تفصيلا، حيث تم التأكيد على ضرورة تطوير الترسانة القانونية، وتعزيز الشفافية والحق في المعلومة، بما يضمن انخراط المواطن في تدبير هذا المورد الحيوي. كما تمت مناقشة إشكالية الاستثمار العمومي في القطاع المائي، ودوره في تقوية البنيات التحتية، خاصة في الوسط القروي. كما ناقش المشاركون بإمعان إشكالية الاستغلال المفرط للمياه الجوفية، داعين إلى ترشيد الاستعمال وتوجيه السياسات الفلاحية نحو نماذج أكثر استدامة. وفي الآن ذاته، تم تسليط الضوء على مخاطر الفيضانات، والدعوة إلى إدماجها ضمن وثائق التعمير، عبر اعتماد مقاربات وقائية قائمة على الاستشراف والهندسة الترابية.
وفي لحظة لافتة، تم استحضار النماذج التقليدية لتدبير الماء، خاصة في المناطق الجبلية، باعتبارها خبرات متجذرة في الذاكرة الجماعية، قادرة على إلهام حلول مبتكرة للتكيف مع التغيرات المناخية. كما تم التأكيد على أهمية إدماج أدوات حديثة، من قبيل التأمين عن الكوارث الطبيعية، ضمن منظومة متكاملة لتدبير المخاطر.
الماء في زمن التقلبات: بناء حكامة قادرة على مواجهة الندرة والفيضانات
وفي ختام هذه الأشغال، خلص المشاركون إلى أن تحقيق السيادة المائية بالمغرب يظل رهينا بإرساء نموذج متكامل يجمع بين القانون والسياسات العمومية والتخطيط الترابي والحكامة التشاركية، بما يمكن من تحويل التحديات المناخية، سواء المرتبطة بالندرة أو الوفرة، إلى فرص حقيقية لبناء تنمية ترابية مستدامة وعادلة. وهكذا، تعد هذه الندوة محطة أكاديمية مهمة، شكلت لحظة تفكير جماعي عميق أعادت طرح سؤال الماء كقضية سيادية بامتياز، ورسخت قناعة مفادها أن مستقبل المغرب المائي يتوقف على قدرته على الابتكار والتنسيق وحسن تدبير موارده في أفق ضمان حقوق الأجيال القادمة.

حوار قصير مع الدكتورة صفية لعزيز المنسقة العامة للندوة العلمية :
سؤال 1: كيف تقيمين نجاح هذه الندوة الدولية؟
جواب: يمكن القول إن الندوة حققت نجاحا علميا ومؤسساتيا مهما، سواء من حيث عدد المشاركات أو من حيث جودة النقاشات. لقد استطعنا خلق فضاء حقيقي للحوار بين الباحثين وصناع القرار، وهو ما نعتبره خطوة أساسية نحو ربط المعرفة الأكاديمية بالفعل العمومي.
سؤال 2: ما أبرز المخرجات التي يمكن تسجيلها؟
جواب: أبرز المخرجات تتمثل في التأكيد الجماعي على ضرورة الانتقال من تدبير الندرة إلى تدبير الوفرة في إطار حكامة مندمجة، إلى جانب الدعوة إلى تعزيز الالتقائية بين السياسات العمومية، وتقوية دور الجماعات الترابية، واعتماد مقاربات استباقية في مواجهة المخاطر المناخية، خاصة الفيضانات.
سؤال 3: ما أهمية هذا النقاش في السياق المغربي الحالي؟
جواب: أهمية هذا النقاش تكمن في كونه يلامس قضية استراتيجية تمس الأمن المائي والعدالة المجالية. المغرب يعيش تحولات مناخية عميقة، وهذا يفرض إعادة التفكير في نماذج التدبير التقليدية، والانتقال نحو رؤية أكثر مرونة واستدامة.
سؤال 4: كيف يمكن تفعيل توصيات الندوة على أرض الواقع؟
جواب: تفعيل التوصيات يمر عبر تعزيز التنسيق بين الفاعلين، ودعم البحث العلمي، وإدماج مخرجات مثل هذه اللقاءات في بلورة السياسات العمومية. كما أن الانفتاح على التجارب الدولية وتكييفها مع الخصوصيات الوطنية يبقى عنصرا حاسما.
سؤال 5: ما الرسالة الأساسية التي تودون توجيهها؟
جواب: الرسالة الأساسية هي أن الماء لم يعد مجرد قطاع، بل أصبح قضية سيادية بامتياز، تتطلب تعبئة جماعية، ووعيا مؤسساتيا ومجتمعيا، لضمان استدامة الموارد وحماية حقوق الأجيال القادمة.



































