مكناس: محمد التفراوتي
عشت في طفولتي إلى جانب جدي، سيدي محمد بن هاشم، أراقب تفاصيل حياته الصغيرة، وأتابع حركاته وسكناته، من دون أن أدرك أنني كنت أتعلم منه دروسا سترافقني طوال العمر.
كان جدي يمارس، بعفوية الكبار وحكمة البسطاء، ما يمكن أن نقرأه اليوم من خلال مقامات التخلية والتحلية والتجلية. يتخفف من التكلف، ويتحلى بالقناعة، ويترك في نفوس من حوله أثرا لا تمحوه السنوات.
ومن المشاهد التي ظلت عالقة بذاكرتي، طلبه من والدتي، ابنته، أن تقدم له ما كان يسميه ضاحكا: « تْبِنْتِي»!
كنت أستغرب الكلمة، وأنتظر بشغف ما ستضعه أمي أمامه. لم يكن الأمر يتعلق بتبن حقيقي تأكله الخرفان، وإنما بوجبة بسيطة اختار لها جدي هذا الاسم: كأس من الشاي، وكسرة خبز، وقليل من الزيت والعسل.
وفي المساء، كان يكتفي أحيانا بقطع صغيرة من تفاحة واحدة، يظل يمضغها بتأن، وكأنها وجبة دسمة. كان زاهدا في الطعام إلى درجة تثير قلقنا، إذ كنا نخشى أن ينهك هذا التقشف جسده العليل. وفي المقابل، ظل نشيطا في قيامه وصلاته ونسكه وذكره المتواصل، وهو ما كان يزيد حيرتنا أمام هذا الاكتفاء الشديد في الطعام.
كان يطلب « تْبِنْتِي» كما لو أنه يطلب نصيبه من علف القطيع، فيختزل حاجته في القليل، ويضفي على بساطة عيشه شيئا من الدعابة وخفة الروح. ومع ذلك، لم يكن يحرم نفسه من بعض الدلال بين الفينة والأخرى، فقد يضيف بيضة مسلوقة أحيانا.

فالقناعة عنده لم تكن حرمانا، وإنما معرفة بما يكفي، ومتى يكتفي المرء.
في طفولتي، كنت أرى في المشهد، وجبة متواضعة واسم غريب يثير الابتسام. لم يخطر ببالي أن وراء تلك الكلمة فلسفة حياة، وأن وراء تلك اللقمة الصغيرة تربية صامتة لا تحتاج إلى مواعظ طويلة ولا إلى دروس محفوظة.
كبرت، وكبرت معي الأسئلة، وبدأت أستعيد ملامح جدي كما لو أنني أراه للمرة الأولى. أدركت أن بعض الرجال يربون أبناءهم وأحفادهم بما يفعلون أكثر مما يقولون، وأن السلوك اليومي قد يترك في الذاكرة ما تعجز الكلمات عن ترسيخه.
لم يكن جدي يلقي علينا درسا في الزهد، ولم يكن يشرح لنا معنى القناعة. كان يعيشها أمامنا. لم يكن يحدثنا عن التواضع، بل كان يمارسه في تفاصيل يومه. وربما لم يكن يعلم أن كلمة « تْبِنْتِي» ستتحول، بعد مرور السنين، إلى مفتاح صغير يفتح أبوابا واسعة من الذكريات والتأمل.
رحل الزمن بتفاصيله، وبقي جدي في الذاكرة، جالسا في مكانه المعتاد، ينتظر كأس الشاي وكسرة الخبز وقليلا من الزيت، ثم يطلب « تْبِنْتِي»، وكأن الدنيا كلها تختصر في تلك الوجبة.
واليوم، كلما استحضرت ذلك المشهد، ابتسمت أولا، ثم شعرت بشيء من الحنين. فقد فهمت متأخرا أن جدي كان يرسم أمامنا، عن وعي أو من دونه، صورة الإنسان الذي يعرف كيف يعيش بما لديه، ويجد في القليل ما يكفيه، وفي البساطة ما يسعده.
رحم الله جدي سيدي محمد بن هاشم. ما زلت أتعلم منه، حتى بعد كل هذه السنوات، من خلال حكاية صغيرة اسمها « تْبِنْتِي»؛ حكاية تختزن في تفاصيلها البسيطة شيئا من حكمة الحياة، وتذكرني بأن بعض الدروس لا نفهمها إلا بعد أن نكبر، وأن ما يبدو لنا في الطفولة أمرا عاديا قد ينكشف لنا لاحقا باعتباره أثرا عميقا لا تمحوه السنوات.









































