مؤتمر التنوع البيولوجي في يريفان: العالم يراجع التزاماته والمغرب أمام اختبار تنفيذ استراتيجيته الوطنية لحماية الطبيعة

محمد التفراوتيمنذ 5 ساعاتآخر تحديث :
مؤتمر التنوع البيولوجي في يريفان: العالم يراجع التزاماته والمغرب أمام اختبار تنفيذ استراتيجيته الوطنية لحماية الطبيعة

آفاق بيئية: محمد التفراوتي

اختتمت بالعاصمة الأرمينية يريفان، في 30 أكتوبر 2026، أشغال الدورة السابعة عشرة لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة بشأن التنوع البيولوجي (COP17)، في محطة دولية شكلت أول مراجعة عالمية جماعية للتقدم المحرز في تنفيذ الإطار العالمي للتنوع البيولوجي «كونمينغ-مونتريال»، المعتمد سنة 2022، والرامي إلى وقف فقدان التنوع البيولوجي وعكس مساره بحلول سنة 2030.

وجاء هذا الاجتماع في منتصف الفترة الزمنية المخصصة لتنفيذ الإطار العالمي، حاملا معه اختبارا فعليا لقدرة الدول على تحويل الالتزامات السياسية والاستراتيجيات الوطنية إلى إجراءات ملموسة ونتائج قابلة للقياس. وقد أظهر التقرير العالمي حول التقدم الجماعي في تنفيذ إطار كونمينغ-مونتريال العالمي للتنوع البيولوجي أن ما يقارب 90 في المائة من الدول الأطراف وضعت أهدافا وطنية للتنوع البيولوجي، في خطوة تعكس اتساع الانخراط الدولي في تنفيذ الإطار. غير أن أقل من نصف الأهداف الوطنية التي قيّمتها الدول تسير على الطريق الصحيح لتحقيقها بحلول عام 2030. وتكشف هذه الفجوة عن استمرار تحديات جوهرية في تحويل الالتزامات إلى نتائج ملموسة، خصوصا في مجالات التمويل وتعبئة الموارد، وإصلاح الحوافز والدعم المالي المضرة بالتنوع البيولوجي، وإدماج اعتبارات حماية الطبيعة في السياسات القطاعية والاقتصادية.

وكانت إحدى أبرز خلاصات المراجعة أن 22 هدفا من أصل 23 هدفا عالميا لا تسير حاليا على المسار المؤدي إلى تحقيقها بحلول 2030، وفق المعطيات التي عرضتها اتفاقية التنوع البيولوجي. ويعكس هذا المؤشر اتساع الفجوة بين مستوى الطموح الدولي وسرعة التدخلات المطلوبة لحماية النظم الإيكولوجية واستعادتها، كما يثير تساؤلات بشأن قدرة الدول على بلوغ رؤية 2050 المتمثلة في العيش في انسجام مع الطبيعة.

تقرير عالمي يكشف ست فجوات تعرقل تحقيق أهداف 2030

شكل التقرير العالمي «حالة العمل من أجل التنوع البيولوجي: ملخص والرسائل الرئيسية للتقرير العالمي حول التقدم الجماعي في تنفيذ إطار كونمينغ-مونتريال العالمي للتنوع البيولوجي»، الصادر عن أمانة اتفاقية التنوع البيولوجي سنة 2026، إحدى المرجعيات الأساسية لنقاشات مؤتمر يريفان، باعتباره أول تقييم عالمي جماعي لمسار تنفيذ الإطار المعتمد سنة 2022.

ويقدم التقرير صورة مركبة عن التقدم الدولي، تجمع بين اتساع الالتزامات السياسية وتنامي المبادرات الوطنية، واستمرار اختلالات بنيوية تحول دون تحقيق الأهداف المتفق عليها. وتكشف رسائله الرئيسية أن الإشكال لا يرتبط فقط بمدى اعتماد الاستراتيجيات الوطنية، وإنما كذلك بمدى شمولها لمختلف مصادر فقدان التنوع البيولوجي، وتوفير وسائل تنفيذها، وإشراك مختلف الفاعلين، وتطوير نظم الرصد التي تسمح بقياس النتائج.

وتتمثل الفجوة الأولى في مدى تغطية الأهداف الوطنية لمختلف مكونات الإطار العالمي. فرغم اعتماد 162 طرفا، أي نحو 90 في المائة من الأطراف، أهدافا وطنية متسقة معه، لا تزال هذه الأهداف أقل شمولا وطموحا من الأهداف العالمية. وتتركز الالتزامات أساسا في مجالات حفظ الطبيعة والاستخدام المستدام للموارد، بينما تحظى العوامل غير المباشرة لفقدان التنوع البيولوجي، مثل أنماط الإنتاج والاستهلاك، والإعانات الضارة، والمساواة بين الجنسين، وحقوق الأراضي والموارد، بتمثيل أضعف.

أما الفجوة الثانية فترتبط ببطء التنفيذ وتفاوت وتيرته. فرغم وجود إجراءات جارية في مختلف الأهداف، فإن أقل من نصف الأطراف أفادت بأن أهدافها الوطنية تسير على المسار الصحيح. وتظهر الاختلالات بصورة أوضح في الأهداف المرتبطة بمعالجة مسببات فقدان التنوع البيولوجي، فضلا عن تفاوت التقدم بين النظم الإيكولوجية، مع استمرار ثغرات في النظم البحرية والساحلية ونظم المياه الداخلية.

وتتعلق الفجوة الثالثة بوسائل التنفيذ والموارد المتاحة. ويسجل التقرير مكاسب في التمويل العام المحلي والدولي، والحوافز الإيجابية، وبناء القدرات، لكنه يشير إلى استمرار ضعف تعبئة التمويل الخاص وتتبع تدفقاته، فضلا عن بطء إصلاح الإعانات والحوافز الاقتصادية الضارة بالطبيعة. ويظل ضمان التمويل الكافي والمتاح في الوقت المناسب تحديا أساسيا، خصوصا بالنسبة للبلدان النامية والدول الجزرية الصغيرة النامية والشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية.

وتبرز الفجوة الرابعة محدودية إدماج التنوع البيولوجي في مختلف السياسات الحكومية. فالتنسيق بين القطاعات، وخاصة الزراعة ومصايد الأسماك والمالية والتخطيط، لا يزال دون المستوى المطلوب. ويعزز ذلك الحاجة إلى مقاربات حكومية متكاملة، وتخطيط مجالي يراعي الترابط بين الأنشطة الاقتصادية والأنظمة الطبيعية، ويحد من التعارض بين السياسات العمومية التي قد تدعم حماية الطبيعة من جهة، وتساهم في تدهورها من جهة أخرى.

أما الرسالة الخامسة فتتعلق بتعبئة المجتمع بمختلف مكوناته. ويؤكد التقرير أن تحقيق أهداف الإطار العالمي يستدعي مشاركة فعلية للشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية والنساء والشباب والسلطات الترابية والقطاع الخاص والمؤسسات المالية. ورغم تعدد الالتزامات والمبادرات التي أطلقتها هذه الأطراف، لا تزال مساهماتها واحتياجاتها غير ممثلة بصورة كافية في التقارير الوطنية، وهو ما يطرح مسألة الانتقال من المشاركة الشكلية إلى الإسهام الفعلي في صياغة القرارات وتنفيذها وتقييمها.

وتتصل الرسالة السادسة بالمعرفة والبيانات، باعتبارهما أساسا لتقييم النتائج وتوجيه القرارات. فرغم الاستثمارات والجهود المبذولة لتطوير نظم الرصد، تستمر فجوات في توفر المعلومات والمؤشرات التشغيلية والسلاسل الزمنية القابلة للمقارنة، فضلا عن محدودية البيانات المصنفة حسب النوع الاجتماعي والعمر والنظام الإيكولوجي. كما تعيق محدودية البنية التحتية الرقمية والقدرات المؤسسية، وضعف إدماج المعارف التقليدية، تطوير سياسات تستند إلى أدلة علمية متكاملة.

وأمام هذه الاختلالات، يدعو التقرير إلى مراجعة الأهداف والسياسات الوطنية لسد فجوات الطموح والتغطية، وتعزيز تبادل الخبرات والتعلم بين البلدان، وإصلاح الحوافز الاقتصادية وإعادة توجيه الدعم الضار بالتنوع البيولوجي، إلى جانب توسيع آليات التمويل والاستثمار في البنية التحتية الرقمية ونظم الرصد والمعارف العلمية والتقليدية.

وتكشف هذه الرسائل أن التحدي الدولي يرتبط اليوم بمدى قدرة الدول على إعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية والمؤسساتية، وإدماج التنوع البيولوجي في مختلف السياسات القطاعية، مع إرساء آليات تتيح التحقق من النتائج البيئية الفعلية، عوض الاكتفاء بقياس عدد الاستراتيجيات والبرامج والالتزامات المعتمدة.

التمويل في صلب الخلافات الدولية

برز ملف تعبئة الموارد المالية باعتباره أحد أكثر الملفات الخلافية في مفاوضات يريفان. فالهدف 19 من الإطار العالمي يدعو إلى تعبئة ما لا يقل عن 200 مليار دولار سنويا بحلول 2030 من مختلف المصادر، من ضمنها 30 مليار دولار سنويا من التمويل الدولي الموجه إلى البلدان النامية.

غير أن النقاشات كشفت استمرار الخلاف حول طبيعة الآليات المالية المستقبلية، ودور مرفق البيئة العالمية، وإمكانية إحداث آلية تمويل دائمة تحت سلطة مؤتمر الأطراف. وتمحور جانب من الخلاف حول توسيع قاعدة البلدان المساهمة، في ظل تمسك البلدان النامية بمبدأ المسؤولية التاريخية للدول المتقدمة ورفضها إعادة تصنيف التزاماتها بالاستناد إلى معايير خارجية.

وتعود خلفية هذا الخلاف إلى استمرار الجدل بشأن مدى ملاءمة مرفق البيئة العالمية، الذي يضطلع بدور الآلية المالية المؤقتة للاتفاقية منذ مؤتمر الأطراف الأول، لتلبية احتياجات البلدان النامية. ففي مقابل توجه يدعم استمرار العمل من خلال المرفق وتطوير آليات تعبئة الموارد القائمة، تطالب مجموعة من البلدان النامية بآلية مالية مستقلة وخاضعة بصورة مباشرة لسلطة مؤتمر الأطراف، بما يضمن وضوح المسؤوليات وتوجيه التمويلات وفق الأولويات المتفق عليها.

وعلى مستوى التمويلات المعلنة خلال المؤتمر، أشارت رئاسة COP17 إلى تعبئة أكثر من 1.8 مليار دولار من مختلف المصادر، إلى جانب تعهدات جديدة بحوالي 60.13 مليون دولار لفائدة الصندوق الإطاري العالمي للتنوع البيولوجي، فيما تجاوزت البرمجة المالية للصندوق 362 مليون دولار في 87 بلدا.

وتظل هذه الأرقام مرتبطة بضرورة التمييز بين التعهدات المالية والمبالغ التي جرى صرفها فعليا، وبين التمويل المعلن والموارد التي وصلت إلى المشاريع والبرامج الميدانية. وقد برزت هذه المسألة في النقاشات المتعلقة بتحسين شفافية التقارير المالية، وتقديم بيانات مفصلة بشأن المساهمات والتعهدات والمبالغ المصروفة، مع دعوة البلدان المتقدمة إلى تعزيز مساهماتها.

تمويل الطبيعة بين منطق السوق ورهان العدالة البيئية

لم تنحصر النقاشات المالية خلال مؤتمر يريفان في حجم الموارد المطلوبة لسد فجوة تمويل التنوع البيولوجي، بل امتدت إلى طبيعة الآليات المعتمدة لتعبئة هذه الموارد، وحدود الاعتماد على أدوات السوق في تمويل حماية النظم الإيكولوجية واستعادتها.

وفي هذا السياق، أثارت نشرة ECO، الصادرة في 29 أكتوبر 2026، نقاشا نقديا بشأن التوجه نحو توسيع استخدام الأدوات المالية القائمة على السوق، مثل الدفع مقابل خدمات النظم الإيكولوجية، والسندات الخضراء، ومقايضات التنوع البيولوجي، وأرصدة التنوع البيولوجي، وهي آليات تطرح ضمن الخيارات المبتكرة لتعبئة الموارد في إطار الهدف 19 من إطار كونمينغ-مونتريال.

وفي مقال بعنوان «الفيل في دائرة الضوء: الأدوات القائمة على السوق لتمويل التنوع البيولوجي تسهل تدميره»، ترى ميرنا فرنانديز، من شبكة العالم الثالث، أن هذه الآليات تثير إشكالات تتجاوز قدرتها على توفير موارد مالية إضافية، وتتعلق أساسا بمخاطر إخضاع حماية الطبيعة لمنطق الاستثمار والعائد المالي.

وتنطلق هذه القراءة من وجود فجوة سنوية تقدر بحوالي 700 مليار دولار في التمويل اللازم لحماية الطبيعة واستعادتها، مقابل هدف دولي يرمي إلى تعبئة 200 مليار دولار سنويا بحلول 2030. غير أن الكاتبة تحذر من أن توسيع التمويل الخاص عبر آليات السوق قد يؤدي إلى تحويل عناصر الطبيعة إلى أصول مالية قابلة للبيع والتبادل والاستثمار، مع افتراض أن تحديد أسعار اقتصادية لها سيحفز حمايتها.

وتتمثل إحدى الإشكالات التي يثيرها المقال في أن الأسواق تميل إلى توجيه الاستثمارات نحو المشاريع الأكثر قدرة على تحقيق عوائد مالية، بينما تقدم النظم الطبيعية منافع عامة يصعب تحويلها إلى إيرادات مباشرة. وقد يتيح ذلك للقطاعات ذات التأثير السلبي على التنوع البيولوجي مواصلة أنشطتها المدمرة، مع تقديم مساهمات مالية أو شراء أرصدة تعويضية لمشاريع حماية في مناطق أخرى.

كما يلفت المقال إلى اختلال توزيع المنافع، إذ قد تستحوذ الجهات الوسيطة، التي تتولى تحديد المشاريع وتجميعها وتصنيفها واعتمادها وتسويقها، على حصة مهمة من القيمة المالية المتولدة، في مقابل استفادة محدودة للشعوب الأصلية والمزارعين الصغار والمجتمعات المحلية التي تتولى فعليا تدبير الموارد الطبيعية وحمايتها.

وتتصل هذه المخاوف أيضا بضعف الضمانات الاجتماعية والبيئية في بعض المشاريع، وما قد يترتب عنها من نزاعات حول الأراضي، أو إقصاء المجتمعات المحلية، أو التأثير على سبل عيشها. كما يثير المقال إشكالات بيئية تتعلق بمدى تحقق المكاسب الإضافية للحفظ واستمراريتها، وانتقال الضغوط البيئية إلى مناطق أخرى، ومخاطر الزراعات أحادية النوع، فضلا عن احتمال استخدام هذه الأدوات في ممارسات التضليل البيئي.

ومن أبرز ما يطرحه هذا النقاش التمييز بين فجوة التمويل وفجوة العدالة. فإلى جانب محدودية الموارد المتاحة، توجد مشكلة تتعلق بكيفية توزيع المنافع والسلطة والموارد، ومدى تمكين الجهات التي تحافظ فعليا على التنوع البيولوجي من الوسائل اللازمة للقيام بدورها.

وبذلك، يضع هذا الطرح النقاش الدولي أمام سؤال يتجاوز البحث عن مصادر تمويل إضافية: كيف يمكن تعبئة استثمارات القطاع الخاص دون أن تتحول إلى بديل عن مسؤولية الحكومات في توفير التمويل العمومي، أو وسيلة لتأجيل تنظيم الأنشطة الاقتصادية الأكثر إضرارا بالطبيعة؟

ويتمثل الرهان في ضمان تكامل التمويل الخاص مع الالتزامات العمومية، وإخضاع آليات التمويل لضمانات بيئية واجتماعية صارمة، مع حماية حقوق المجتمعات المحلية وضمان استفادتها العادلة من الموارد والمنافع. فنجاح تمويل التنوع البيولوجي ينبغي أن يقاس بقدرته على تحقيق نتائج إيكولوجية فعلية وعادلة، وليس فقط بحجم الأموال التي تدخل الأسواق المالية.

المغرب: الاستراتيجية الوطنية والتحديات التمويلية

شكلت المشاركة المغربية في هذا المؤتمر مناسبة لمتابعة المفاوضات المرتبطة بمستقبل التمويل الدولي للتنوع البيولوجي، وآليات تقاسم المنافع، وتعزيز تنفيذ الالتزامات الوطنية، فضلا عن رصد القرارات التي ستنعكس على البرامج والمشاريع ذات الصلة بحماية الطبيعة.

وتكتسي هذه الملفات أهمية بالنسبة للمغرب، خاصة في ضوء الاستراتيجية وخطة العمل الوطنية للتنوع البيولوجي للفترة 2026-2035، التي تشكل مرجعا لتوجيه التدخلات الوطنية خلال السنوات المقبلة، وربط الأولويات الوطنية بأهداف الإطار العالمي لكونمينغ-مونتريال.

وتشير المذكرة الخاصة بحصيلة المفاوضات إلى أهمية تموقع الاستراتيجية الوطنية وآليات إعداد التقرير الوطني السابع ضمن منظومة التتبع والتقييم بعد مؤتمر يريفان، بما يتيح قياس التقدم المحرز وتحديد مواطن التعثر، وتطوير التنسيق بين مختلف القطاعات والمؤسسات المعنية.

وتطرح الرسائل الست للتقرير العالمي مجموعة من الأسئلة ذات الصلة المباشرة بتنفيذ الاستراتيجية المغربية. فمدى شمول الأهداف الوطنية يظل مرتبطا بقدرتها على معالجة العوامل المباشرة وغير المباشرة لفقدان التنوع البيولوجي، بما فيها أنماط الإنتاج والاستهلاك والحوافز الاقتصادية وحقوق المجتمعات المحلية. كما يرتبط نجاحها بمدى إدماج حماية الطبيعة في السياسات الزراعية والبحرية والمالية والتخطيطية، وتوفير مؤشرات تسمح بتقييم النتائج بصورة منتظمة.

ومن بين الملفات التي تهم المغرب كذلك الولوج إلى التمويلات متعددة الأطراف الموجهة لحماية الطبيعة، من قبيل صندوق الإطار العالمي للتنوع البيولوجي (GBF Fund) و صندوق كونمينغ-مونتريال العالمي للتنوع البيولوجي، خصوصا في ظل النقاش المتعلق بتوسيع الاستفادة من موارده لتشمل الأطراف التي لم يسبق لها الحصول على تمويل منه. وتبرز أهمية متابعة وضع المغرب ضمن البلدان المستفيدة، والحفاظ على شروط الولوج إلى التمويلات الدولية، بالتنسيق مع المواقف التي تدافع عنها المجموعة الإفريقية والبلدان النامية. كما تطرح المفاوضات المتعلقة بالتمويل ضرورة التمييز بين الموارد المعلنة والتمويلات التي تصل فعليا إلى المشاريع الوطنية، ومدى قدرة المؤسسات والفاعلين المحليين على إعداد ملفات قابلة للتمويل والتنفيذ. وهي مسألة تكتسي أهمية خاصة في ضوء تعدد الأولويات المرتبطة بحماية النظم الإيكولوجية واستعادتها، والحاجة إلى تمويل مستدام ومتعدد السنوات.

ويبرز ملف المعلومات المتعلقة بالتسلسل الرقمي للموارد الجينية وتقاسم المنافع أهمية خاصة بالنسبة للبلدان الغنية بمواردها البيولوجية. فقد أظهرت مناقشات صندوق كالي استمرار محدودية المساهمات المالية الطوعية، وهو ما يطرح تحديات بشأن ضمان استفادة البلدان الأصلية والمجتمعات المحلية من المنافع الناتجة عن الاستخدام التجاري لهذه الموارد.

وتتقاطع هذه النقاشات مع رهانات تفعيل بروتوكول ناغويا، وتعزيز آليات الولوج إلى الموارد الجينية وتقاسم المنافع الناشئة عن استخدامها، بما في ذلك توثيق الإجراءات الوطنية والبروتوكولات المجتمعية وإتاحتها عبر منصات تبادل المعلومات. وتشير المذكرة المغربية إلى أهمية تطوير هذه الآليات، وتعزيز استدامة منظومة الولوج وتقاسم المنافع، مع عدم التعويل على موارد مالية مباشرة من صندوق كالي في الأمد القصير ضمن التخطيط الوطني للتمويل.

ويبرز كذلك الهدف 18 المتعلق بالحوافز الضارة بالتنوع البيولوجي، باعتباره مجالا يمكن أن يستفيد فيه المغرب من العمل المنجز في إطار مبادرة BIOFIN لتحديد الإعانات العمومية التي قد تؤثر سلبا على الطبيعة، وتقييم إمكانات إصلاحها أو إعادة توجيهها نحو أنشطة أكثر استدامة.

وعلى مستوى العلاقة بين التنوع البيولوجي والمناخ، تبرز الحاجة إلى تعزيز الانسجام بين المساهمة المحددة وطنيا الثالثة للمغرب (NDC 3.0) والاستراتيجية الوطنية للتنوع البيولوجي 2026-2035، بما يسمح بتفادي تشتت التدخلات وتحقيق تكامل أكبر بين أهداف التكيف المناخي وحماية النظم الإيكولوجية.

التواصل والتربية البيئية في صلب تنفيذ الإطار العالمي

إلى جانب المسار التفاوضي، حضرت التجربة المغربية في النقاشات الموازية للمؤتمر من خلال مشاركة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالمغرب في جلسة تناولت دعمه للتواصل والتربية والتوعية بالتنوع البيولوجي.

وخلال هذا اللقاء، تم تقديم تجربة المغرب في هذا المجال، مع التأكيد على أن تنفيذ الإطار العالمي للتنوع البيولوجي يرتبط كذلك بمدى توفر مجتمع واع ومنخرط في حماية الطبيعة. وتكتسب هذه المقاربة أهمية في ضوء الأهداف 16 و21 و22 من إطار كونمينغ-مونتريال، التي تبرز دور الوعي البيئي، والتعليم، وإتاحة المعلومات، والمشاركة المجتمعية في تحقيق أهداف التنوع البيولوجي.

وعرضت المداخلة عددا من المبادرات المغربية، في مقدمتها الاستراتيجية وخطة العمل الوطنية للتنوع البيولوجي 2026-2035، التي جرى إعدادها بمشاركة أكثر من 250 فاعلا من مختلف الجهات الاثنتي عشرة للمملكة، وتتضمن خطة عمل مخصصة للتواصل والتعليم والتوعية العامة.

كما تم تقديم مبادرة تعليمية رقمية تتكون من ست وحدات تعليمية مصورة، ضمن برنامج «Learning for Nature»، تستهدف الشباب المغربي، وتسعى إلى نقل المعرفة بالتنوع البيولوجي من مرحلة الفهم إلى الممارسة، وتحفيز المتعلمين على الاضطلاع بدور فاعل في نشر الوعي وحماية الطبيعة.

وشملت التجربة أيضا عرض منصات وطنية لتبادل وإتاحة المعطيات، من بينها آلية تبادل المعلومات بشأن التنوع البيولوجي (CHM)، والبوابة المغربية للولوج وتقاسم المنافع (ABS Morocco)، والنظام الوطني للمعلومات حول التنوع البيولوجي. وهي أدوات تتيح دعم تدفق المعلومات وتعزيز التعاون بين المؤسسات والباحثين والفاعلين المعنيين.

وتبرز هذه المشاركة أهمية التواصل البيئي باعتباره عنصرا مكملا للسياسات العمومية، إذ يصعب تحقيق أهداف الحماية والاستعادة دون توفير المعرفة العلمية والمعلومات المتاحة، وتعزيز مشاركة المواطنين والشباب والمجتمعات المحلية في القرارات والمبادرات ذات الصلة بالطبيعة.

غير أن فعالية هذه المبادرات تظل مرتبطة بمدى إدماجها في برامج مستمرة، وقياس أثرها على السلوك والمشاركة المجتمعية، وتوسيع وصولها إلى الفئات والمناطق التي تواجه صعوبات في الحصول على المعلومات والموارد التعليمية. فالتوعية تكتسب قيمتها العملية عندما تتحول إلى معرفة تساعد على المشاركة في القرار، وتدعم حماية الموارد الطبيعية على المستوى المحلي.

خلافات حول الحوافز والعدالة ومشاركة المجتمعات المحلية

إلى جانب التمويل، لم تخل مفاوضات يريفان من تباينات واضحة بشأن عدد من القضايا الجوهرية. فقد استمر الخلاف حول إصلاح الحوافز والإعانات الضارة بالتنوع البيولوجي، في ضوء الهدف 18 الذي يدعو إلى إلغاء أو إعادة توجيه ما لا يقل عن 500 مليار دولار سنويا من الحوافز الضارة بحلول 2030.

ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالسياسات الاقتصادية والقطاعية، ولا سيما الدعم الموجه إلى أنشطة قد تتسبب في تدهور النظم الإيكولوجية. ورغم دعوات أكثر من 130 شركة ومؤسسة مالية إلى تسريع الإصلاحات ذات الصلة، ظلت المفاوضات تواجه صعوبات بشأن طبيعة الإجراءات المطلوبة وحدود الالتزامات التي ينبغي أن تتحملها الدول.

وفي ملف الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية، تركز النقاش على كيفية تنظيم عمل الهيئة الفرعية الدائمة التي أُحدثت خلال COP16، وتحديد طبيعة مشاركتها وحقوقها في المساهمة في القرارات، إلى جانب وضع توجيهات بشأن تنفيذ أهداف استعادة النظم الإيكولوجية وحماية المناطق البرية والبحرية في الأقاليم التقليدية.

ويكتسي هذا النقاش أهمية تتجاوز التمثيل المؤسساتي، بالنظر إلى الدور الذي تضطلع به المجتمعات المحلية في تدبير الموارد الطبيعية وحماية التنوع البيولوجي، وإلى ضرورة ضمان حقوقها في الأراضي والموارد وتقاسم المنافع. كما يرتبط بمدى الاعتراف بالمعارف التقليدية وإدماجها في نظم التخطيط والتقييم.

وظل ملف العلاقة بين التنوع البيولوجي والعمل المناخي بدوره يطرح تحديات تتعلق بتعزيز التنسيق بين الاتفاقيتين، وإيجاد مقاربات مشتركة تضمن حماية النظم الإيكولوجية، وتفادي الحلول المناخية التي قد تنتج آثارا سلبية على التنوع البيولوجي أو حقوق المجتمعات المحلية.

حصيلة القرارات واختبار ما بعد يريفان

أفرزت أعمال الأسبوع الأول من المؤتمر اعتماد 14 قرارا في إطار الاتفاقية وبروتوكوليها، شملت قضايا الأنواع الغريبة الغازية، وخطة العمل المتعلقة بالنوع الاجتماعي، والتواصل والتعليم والتوعية العامة، وآليات تبادل المعلومات، إلى جانب ملفات الامتثال والتتبع والسلامة الأحيائية وتقاسم المنافع.

وتكشف هذه الحصيلة عن استمرار العمل المؤسساتي داخل الاتفاقية، رغم صعوبة التوصل إلى توافقات بشأن القضايا المالية والسياسية الأكثر حساسية. كما تشير إلى أن مسار تنفيذ الإطار العالمي سيظل مرتبطا بقدرة الأطراف على تجاوز الخلافات بشأن المسؤوليات والموارد، وتحويل القرارات إلى برامج وطنية قابلة للتنفيذ.

وبالنسبة للمغرب، تطرح مخرجات COP17 تحديا مزدوجا: مواصلة تعزيز موقع الاستراتيجية الوطنية للتنوع البيولوجي 2026-2035 ضمن الالتزامات الدولية، والعمل على توفير الموارد المالية والتقنية اللازمة لتنفيذها، مع تطوير منظومة وطنية للمعرفة والتتبع والتقييم، وتوسيع مشاركة المؤسسات والباحثين والمجتمع المدني والقطاع الخاص.

وتكشف الرسائل الست للتقرير العالمي أن قياس التقدم لا ينبغي أن يتوقف عند عدد الأهداف الوطنية المعتمدة أو البرامج المعلنة، وإنما يتطلب تتبع التحولات الفعلية في السياسات الاقتصادية والقطاعية، ومدى تحسن حالة النظم الإيكولوجية، وفعالية التمويل، ومستوى مشاركة المجتمعات المحلية، وجودة البيانات التي تستند إليها القرارات.

كما يطرح النقاش حول تمويل الطبيعة سؤالا إضافيا يتعلق بكيفية ضمان مساهمة القطاع الخاص في سد فجوة الموارد، دون إضعاف المسؤولية العمومية أو تحويل حماية التنوع البيولوجي إلى مجال للمضاربة المالية، مع صون حقوق الجهات التي تتولى حماية الموارد الطبيعية على المستوى المحلي.وعليه، فإن مرحلة ما بعد يريفان ستضع الاستراتيجيات الوطنية أمام اختبار التنفيذ والمساءلة. وبالنسبة للمغرب، سيكون التحدي في ترجمة أهداف استراتيجية 2026-2035 إلى إجراءات قابلة للقياس، وربطها بالتمويل والتخطيط القطاعي والمعرفة العلمية والتواصل البيئي، بما يجعل حماية الطبيعة جزءا فعليا من خيارات التنمية، ويمنح الالتزامات الدولية أثرا ملموسا على الأرض.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!