مليونا يورو على مدى خمس سنوات لدعم 40 منظمة مدنية على الأقل في المغرب وتونس وليبيا ومصر، من خلال مشاريع المحافظة على الطبيعة وتعزيز القدرات وتوسيع شبكات التعاون.
آفاق بيئية: محمد التفراوتي
أعلن الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة والصندوق الفرنسي للبيئة العالمية عن تجديد شراكتهما لدعم منظمات المجتمع المدني العاملة في مجال المحافظة على الطبيعة بشمال إفريقيا، من خلال إطلاق المرحلة الرابعة من برنامج المبادرات الصغيرة لمنظمات المجتمع المدني بشمال إفريقيا (PPI-OSCAN)، بتمويل من الصندوق الفرنسي للبيئة العالمية بقيمة مليوني يورو على مدى خمس سنوات.
وجرى توقيع اتفاق التمويل، الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، بجناح الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، على هامش الدورة السابعة عشرة لمؤتمر الأطراف في اتفاقية التنوع البيولوجي (COP17)، المنعقدة في العاصمة الأرمينية يريفان، بحضور المديرة العامة للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، غريثيل أغيلار، والأمينة العامة للصندوق الفرنسي للبيئة العالمية، ستيفاني بوزيغ-إشمان.
وتستهدف المرحلة الجديدة دعم 40 منظمة من منظمات المجتمع المدني على الأقل في المغرب وتونس وليبيا ومصر، عبر تمويل مشاريع المحافظة على التنوع البيولوجي والنظم الإيكولوجية، بالتوازي مع تقوية القدرات التنظيمية والتقنية للجمعيات، وتطوير مهاراتها في تدبير المشاريع والموارد، وتوسيع شبكات التعاون، وتعزيز الحوار مع السلطات العمومية.
ويعتمد البرنامج، الذي أطلق سنة 2014 بدعم من الصندوق الفرنسي للبيئة العالمية ومؤسسة مافا، على مقاربة تجمع بين المنح المالية الصغيرة والمواكبة طويلة الأمد. ويشرف على تنسيقه مركز التعاون للبحر الأبيض المتوسط التابع للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، المعروف باسم «الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة – ميد».
أكثر من عقد من المبادرات والنتائج الميدانية
تستند المرحلة الرابعة إلى حصيلة المراحل الثلاث السابقة، التي مكنت من دعم 90 منظمة من منظمات المجتمع المدني عبر 110 مشاريع في الجزائر وليبيا والمغرب وتونس ومصر، بحسب مراحل تنفيذ البرنامج. وأسهمت هذه المبادرات في حماية أنواع من الكائنات الحية، واستعادة النظم الإيكولوجية، وتحقيق منافع لفائدة المجتمعات المحلية.
ومن المؤشرات الدالة على تطور دور الجمعيات المستفيدة، انضمام 11 منظمة واكبها البرنامج إلى عضوية الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، منها خمس من تونس وأربع من ليبيا واثنتان من المغرب. ويعكس هذا التطور مسارا يتجاوز التمويل المباشر للمشاريع نحو تعزيز الحضور المؤسساتي للمنظمات المدنية وتوسيع مشاركتها في شبكات العمل المعنية بصون الطبيعة.
وفي تونس، ساهمت جمعية «إرادة» (IRADA)، التي أصبحت عضوا في الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، بدعم من البرنامج، في جمع منظمات من مختلف أنحاء المنطقة حول قضايا المحافظة على الواحات وتعزيز قدرتها على الصمود.
أما في المغرب، فتبرز تجربة التعاون بين جمعيات المحافظة على الطبيعة والوكالة الوطنية للمياه والغابات لحماية الطيور الجارحة، باعتبارها نموذجا للشراكة بين المجتمع المدني والمؤسسات العمومية. وتوضح هذه التجربة أهمية الربط بين المبادرات المحلية والجهود المؤسساتية، بما يسمح بتحقيق قدر أكبر من التنسيق في تنفيذ أولويات المحافظة على التنوع البيولوجي.
وتشارك في هذه المقاربة أيضا وزارات البيئة والسلطات الوطنية في البلدان المعنية، بهدف إدماج المشاريع المحلية ضمن الأولويات الوطنية لحماية الطبيعة، وتعزيز فرص استمراريتها وتوسيع أثرها.
من المنح الصغيرة إلى بناء قدرات المجتمع المدني
أكدت المديرة العامة للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، غريثيل أغيلار، أن دعم الصندوق الفرنسي للبيئة العالمية، منذ سنة 2014، لمنظمات المجتمع المدني بشمال إفريقيا، عبر مركز التعاون للبحر الأبيض المتوسط التابع للاتحاد، تتجاوز قيمته الجانب المالي.
وأوضحت أن التكوين والمواكبة على المدى الطويل مكّنا هذه المنظمات من تحسين حكامتها التنظيمية، وتدبير مواردها بكفاءة أكبر، وتعزيز تعاونها مع شركاء يمتلكون إمكانات أوسع.
وقالت أغيلار: «تقع منظمات المجتمع المدني في صميم اتحادنا. وتعزيز قدراتها يعني تقوية المحافظة على الطبيعة على المستوى المحلي، وتعزيز مساهمتها في تحقيق رسالتنا المشتركة».
ويعكس هذا التصور أهمية الجمع بين التمويل وبناء القدرات، خصوصا أن المنظمات المحلية تحتاج، إلى جانب الموارد المالية، إلى الخبرات التقنية والمهارات التنظيمية والشراكات التي تساعدها على تنفيذ مشاريعها وتوسيع نطاق تأثيرها.
واعتبرت أغيلار أن توقيع الاتفاق الجديد يشكل محطة مهمة في مسار الشراكة بين المؤسستين، معربة عن تقديرها لدعم الصندوق الفرنسي للبيئة العالمية للمرحلة الرابعة من برنامج المبادرات الصغيرة لمنظمات المجتمع المدني بشمال إفريقيا.
مرحلة جديدة لتعزيز التعلم وتبادل الخبرات
تولي المرحلة الرابعة من البرنامج أهمية أكبر لتطوير القدرات التنظيمية، من خلال توسيع فرص التعلم بين المنظمات، والإرشاد والمواكبة، وتبادل التجارب، وتدبير المعارف. وتهدف هذه المقاربة إلى تعزيز كفاءات الجمعيات المستفيدة، وتشجيع تداول الخبرات والممارسات التي أثبتت جدواها ميدانيا.
كما ستعمل المرحلة الجديدة على ترسيخ حضور البرنامج في مصر، بعد مرحلة تجريبية، بما يتيح توسيع فرص التعاون بين منظمات المجتمع المدني في البلدان الأربعة المستهدفة.
وسيسهم البرنامج أيضا في تعزيز منصة «مبادرات» (Mubadarat)، التي أطلقها مركز التعاون للبحر الأبيض المتوسط التابع للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة لفائدة منظمات المجتمع المدني في المنطقة المتوسطية. وتجمع هذه المنصة برنامج المبادرات الصغيرة ومجموعة أخرى من برامج الاتحاد ومبادراته، التي توفر للجمعيات فرص التمويل والدعم التقني وإمكانيات العمل الجماعي للتأثير في السياسات العمومية، بما يتجاوز حدود المشاريع المنفردة.
وترى ستيفاني بوزيغ-إشمان، الأمينة العامة للصندوق الفرنسي للبيئة العالمية، أن أحد أهداف المرحلة الرابعة يتمثل في مواكبة توسيع نطاق الحلول التي تطورها الجمعيات، وتعزيز قدرة المنظمات نفسها على النمو والتطور، وهو ما يستدعي تنويع مصادر تمويلها.
وأضافت أن منصة «مبادرات»، التابعة لمركز التعاون للبحر الأبيض المتوسط، ستتيح استمرارية الدعم المقدم لمنظمات المجتمع المدني، بما يعزز فرص تطوير مشاريعها وتوسيع أثرها.
وتكتسي هذه المقاربة أهمية خاصة بالنسبة إلى الجمعيات المحلية التي تنجح في تطوير حلول بيئية قابلة للتطبيق، لكنها قد تواجه صعوبات في الانتقال من مبادرات محدودة النطاق إلى برامج طويلة الأمد. فتنويع مصادر التمويل، وتبادل الخبرات، وبناء الشراكات، عوامل تساعد على تعزيز استقلالية المنظمات واستمرارية تدخلاتها.
التمويل العمومي والعمل الخيري الخاص في خدمة المحافظة على الطبيعة
يتجاوز التعاون بين مركز التعاون للبحر الأبيض المتوسط التابع للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة والصندوق الفرنسي للبيئة العالمية إطار برنامج المبادرات الصغيرة، ليشمل مجالات أخرى، من بينها السياحة الزرقاء المستدامة، واستعادة النظم الإيكولوجية، ومكافحة التلوث البلاستيكي.
ويشكل التمويل الخيري الخاص بدوره مكونا أساسيا في تاريخ البرنامج. فقد ساهمت مؤسسة مافا في تمويل مراحله الأولى إلى جانب الصندوق الفرنسي للبيئة العالمية، قبل أن تتولى مؤسسة سويسرية دورها في هذا المجال، وفق المعطيات التي أعلنها الشركاء.
وتبرز هذه التجربة إمكانات التكامل بين التمويل العمومي والتمويل الخيري الخاص لدعم مشاريع المحافظة على الطبيعة، من خلال تعبئة موارد مالية وخبرات متنوعة، وتوجيهها نحو المبادرات المحلية.
غير أن الأثر الفعلي لهذا النوع من البرامج يظل مرتبطا بقدرته على الوصول إلى الجمعيات التي تعاني محدودية الموارد، وملاءمة الدعم مع خصوصيات كل بلد، وضمان استمرار المشاريع بعد انتهاء التمويل. كما أن توسيع نطاق المبادرات الناجحة يتطلب مؤشرات واضحة لقياس النتائج البيئية والاجتماعية، وتقييما لمدى استدامة الإنجازات المحققة.
وبالنسبة إلى المغرب، تتيح المرحلة الجديدة فرصة لتعزيز المبادرات المدنية في مجال المحافظة على التنوع البيولوجي، وتطوير التعاون بين الجمعيات والمؤسسات العمومية، والاستفادة من التجارب الإقليمية في حماية النظم الإيكولوجية الهشة، بما فيها الواحات والموائل الطبيعية التي تواجه ضغوطا متزايدة.
ويتجاوز الرهان، في نهاية المطاف، عدد المنظمات المستفيدة وحجم التمويل المعبأ، إلى مدى إسهام هذه المبادرات في تحسين حالة النظم الإيكولوجية، وحماية الأنواع، وإشراك المجتمعات المحلية، وتعزيز قدرة منظمات المجتمع المدني على مواصلة عملها بعد انتهاء البرنامج.







































