شرفات أفيلال.. عودة إلى الحكومة بخبرة الماء ورهانات الطاقة والتنمية المستدامة

محمد التفراوتيمنذ ساعتينآخر تحديث :
شرفات أفيلال.. عودة إلى الحكومة بخبرة الماء ورهانات الطاقة والتنمية المستدامة

آفاق بيئية: محمد التفراوتي

تعود شرفات أفيلال إلى المسؤولية الحكومية من بوابة وزارة الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة، حاملة معها رصيدا من التجربة في تدبير الشأن العام، ومعرفة متراكمة بملفات البيئة والماء، وحضورا حافظ على استمراريته في النقاش العمومي بعد مغادرتها الحكومة.

ويأتي هذا التعيين في لحظة تتعاظم فيها تحديات الأمن المائي، والتحول الطاقي، وتدبير الموارد الطبيعية، وتزداد فيها الحاجة إلى مسؤولين يستوعبون ترابط هذه الملفات، ويملكون القدرة على متابعة تفاصيلها وربط القرارات الحكومية بآثارها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
يستعيد هذا التعيين مسارا سبق أن ارتبط بقطاع الماء، حين تولت أفيلال منصب الوزيرة المنتدبة المكلفة بالماء. وقد بصمت تلك المرحلة بحضورها في النقاشات المتعلقة بحكامة الموارد المائية ومراجعة الإطار القانوني المنظم لها، في وقت كانت فيه المملكة تواجه تحديات متنامية مرتبطة بتراجع التساقطات، وتوالي سنوات الجفاف، وارتفاع الطلب على الماء.
من تدبير الماء إلى مسؤولية الملفات الاستراتيجية
ارتبط اسم شرفات أفيلال بمرحلة مهمة من ورش إصلاح المنظومة القانونية للماء، التي أفضت إلى صدور القانون رقم 36.15 المتعلق بالماء سنة 2016، بعد مسار من المراجعة والتشاور بشأن مقتضيات القانون السابق. وقد أظهرت مشاركتها في اللقاءات التشاورية، ومنها اللقاء الذي احتضنته أكادير في فبراير 2015، اهتماما بملاءمة النصوص القانونية مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وبقدرتها على الاستجابة للحاجيات الفعلية للمواطنين ومستعملي الموارد المائية.
وتكتسب هذه التجربة أهميتها من طبيعة ملف الماء نفسه، باعتباره قضية تتجاوز تعبئة الموارد وبناء المنشآت إلى أسئلة الحكامة والعدالة المجالية وتدبير الطلب وحماية الفرشات المائية، فضلا عن التوفيق بين حاجيات السكان والفلاحة والأنشطة الاقتصادية ومتطلبات المحافظة على النظم البيئية.
وقد فرضت هذه الملفات على المسؤولة السابقة الاحتكاك بمختلف المتدخلين، من الإدارات والمؤسسات العمومية إلى المنتخبين والباحثين وممثلي المجتمع المدني. وهو احتكاك يتيح فهما عمليا لتعقيدات القرار العمومي، وللمسافة التي قد تفصل بين النص القانوني وتنزيله على أرض الواقع.
وتبرز أهمية هذا الرصيد اليوم مع انتقالها إلى حقيبة تجمع الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة. وهي مجالات تتطلب قراءة متكاملة للسياسات العمومية، بالنظر إلى الصلات الوثيقة بين أمن الطاقة، وتدبير الموارد المعدنية، والانتقال نحو اقتصاد منخفض الكربون، وحماية البيئة، وصيانة حقوق الأجيال المقبلة.
امرأة تصنع حضورها بالمعرفة والإصرار
تستمد شرفات أفيلال جانبا من تميزها من قدرتها على متابعة الملفات والانخراط في تفاصيلها، مع إصرار واضح على الدفاع عن القضايا التي تتبناها. وتلك من السمات التي تمنح المسؤولية العمومية معناها العملي، إذ تحتاج الملفات المعقدة إلى نفس طويل، وقدرة على الاستيعاب والتحليل، واستعداد لمواجهة الأسئلة الصعبة بعيدا عن الاكتفاء بالخطاب العام.
ويمكن وصف هذه السمات بالصلابة المهنية. صلابة لا تقاس بحدة المواقف وحدها، وإنما بالقدرة على مواصلة العمل، ومتابعة التفاصيل، وتطوير المواقف على ضوء المعطيات، والحفاظ على حضور فاعل في النقاش العمومي. وهي صورة للمرأة التي تبني مكانتها بالكفاءة والإصرار، وتؤكد أن القيادة النسائية قادرة على تحمل المسؤوليات المرتبطة بأكثر الملفات حساسية وتشابكا.
وتتضح هذه الاستمرارية في مسارها بعد مغادرة الحكومة، إذ واصلت الاشتغال على القضايا البيئية والاجتماعية، وتصدرت مبادرات تروم تعزيز مشاركة النساء في صنع القرار المرتبط بالمناخ والبيئة. ومن أبرز هذه المبادرات مشروع «توازن»، الذي تشرف عليه بصفتها رئيسة منتدى المناصفة والمساواة، ويستهدف تقوية قدرات النساء وتعزيز حضورهن في بلورة السياسات العمومية الخاصة بالعدالة المناخية وتدبير المخاطر البيئية.
وتعكس هذه التجربة وعيا بأن قضايا المناخ لا تنفصل عن العدالة الاجتماعية، وأن النساء، خصوصا في المناطق الهشة، يتحملن آثار الجفاف والفيضانات وتدهور الموارد الطبيعية، فيما يظل حضورهن في مواقع صنع القرار دون مستوى الأدوار التي يضطلعن بها في التكيف مع التحولات البيئية.
واصلت شرفات أفيلال اهتمامها بالملفات البيئية والمناخية، مع التركيز على إدماج مقاربة النوع الاجتماعي في السياسات المناخية، وتوسيع مشاركة النساء في صياغة القرارات على المستويات التشريعية والحكومية والترابية. ويعكس هذا التوجه اهتمامها بتعزيز حضور المرأة في تدبير القضايا البيئية، وبناء قدرات الفاعلات للمساهمة في توجيه السياسات العمومية والتأثير في اختياراتها.
عودة تختبرها الملفات والنتائج
تضع العودة الحكومية شرفات أفيلال أمام مسؤولية متعددة الأبعاد. فملف الطاقة يطرح تحديات تسريع الانتقال الطاقي، وتنويع مصادر الإنتاج، وتحسين النجاعة الطاقية، وتحقيق التوازن بين الاستثمارات ومتطلبات الاستدامة. أما المعادن فتستدعي تطوير أساليب الاستغلال، وتعزيز الرقابة البيئية، وضمان تدبير مسؤول للموارد، مع مراعاة حقوق المجتمعات المحلية والحد من الآثار على الماء والتربة والتنوع البيولوجي.
وتبقى التنمية المستدامة الإطار الذي ينبغي أن يجمع هذه الرهانات ضمن رؤية منسجمة، تحول الاعتبارات البيئية إلى عنصر أساسي في التخطيط الاقتصادي والاستثمار العمومي والخاص، وتربط الأهداف المعلنة بمؤشرات واضحة للإنجاز والتقييم.
وتتطلب هذه المسؤولية أيضا الانفتاح على الجامعة ومراكز البحث والخبراء والهيئات المهنية والمجتمع المدني، والاستفادة من المعرفة العلمية في إعداد السياسات وتتبع آثارها. فالتحديات البيئية الراهنة تتغير بسرعة، ولا تكفي مواجهتها بالآليات التقليدية وحدها، بل تحتاج إلى قرارات تستند إلى البيانات، وتستوعب التحولات المناخية، وتوازن بين الحاجيات الآنية والمصالح بعيدة المدى.
وتمنح تجربة أفيلال السابقة في تدبير الماء، واشتغالها اللاحق على العدالة المناخية، نقطة انطلاق يمكن البناء عليها في هذه المهمة. غير أن الرصيد السابق يظل مدخلا إلى المسؤولية الجديدة، فيما سيقاس النجاح بقدرة الوزارة على ترجمة التوجهات إلى برامج قابلة للتنفيذ، وتحقيق نتائج ملموسة في مجالات الطاقة والمعادن وحماية البيئة.
إن عودة شرفات أفيلال إلى الحكومة تفتح صفحة جديدة في مسارها المهني، وتعيد إلى الواجهة كفاءة نسائية راكمت تجربة في الإدارة العمومية، وظلت حاضرة في النقاش البيئي بعد مغادرتها المنصب الوزاري. وهي عودة تستحق التقدير من زاوية الخبرة والاستمرارية والإصرار، كما تستحق المتابعة والتقييم الموضوعي على أساس ما ستقدمه من حلول وما ستحققه من نتائج.
فالرهان اليوم هو توظيف المعرفة والخبرة والقدرة على المتابعة في خدمة قضايا تمس حاضر المغرب ومستقبله، من الماء والطاقة إلى الثروات المعدنية والحق في بيئة سليمة. وتلك هي المساحة التي يمكن أن تثبت فيها شرفات أفيلال قيمة عودتها، وتمنح تجربتها الجديدة معناها العملي.
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!