من رصد البحر إلى الذكاء البحري: التكنولوجيا ترسم مستقبل حماية البيئة في سلطنة عمان

محمد التفراوتيمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
من رصد البحر إلى الذكاء البحري: التكنولوجيا ترسم مستقبل حماية البيئة في سلطنة عمان

آفاق بيئية: محمد التفراوتي

في إطار أسبوع عمان للمناخ بمدينة مسقط، برزت حلول التكنولوجيا البحرية كأحد المسارات العملية لتعزيز حماية النظم البيئية الساحلية والبحرية، من خلال تطوير أدوات أكثر دقة في الرصد وجمع البيانات وتحليلها، وربطها بالقرارات المرتبطة بالمشروعات والموارد الطبيعية.

ومن بين التجارب التي تستحق التوقف عندها شركة iLab Marine، التي تأسست في سلطنة عمان عام 2018 وتتخذ من مسقط مقرا لها، وتقدم حلولا متخصصة في مجال ما تسميه «الذكاء البحري» (Ocean Intelligence)، عبر الجمع بين الاستشارات البيئية، والطائرات المسيرة البحرية، وتحليل البيانات، والفحوصات المخبرية للكائنات البحرية.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في منطقة ترتبط فيها التنمية الاقتصادية ارتباطا وثيقا بالبيئة البحرية. فالموانئ، والمشروعات الساحلية، ومحطات تحلية المياه، والاستزراع المائي، ومشروعات النفط والغاز، تحتاج جميعها إلى بيانات بيئية دقيقة تساعد على فهم آثار الأنشطة البشرية ومتابعتها مع مرور الوقت. وتشمل خدمات الشركة في هذا المجال تقييم الأثر البيئي، ودراسات خط الأساس البيئي، وتقييم الكربون الأزرق، ودراسات التنوع البيولوجي.

البيانات في قلب القرار البيئي

ويتمثل أحد أبرز التحولات التي تعكسها تجربة iLab Marine في الانتقال من حملات الرصد المنفصلة إلى منظومة أكثر تكاملا لجمع البيانات البيئية وإدارتها.

وتغطي عمليات الرصد جودة المياه والتربة والهواء والضوضاء، إلى جانب النظم البيئية البحرية والبرية والشعاب المرجانية والنباتات والحيوانات. كما تشمل أعمالها تقييمات التنوع البيولوجي ومتابعة الشعاب المرجانية، وهي مجالات تكتسب أهمية متزايدة مع ارتفاع الضغوط الواقعة على النظم الساحلية.

وتقدم التكنولوجيا البحرية بعدا إضافيا لهذه المنظومة. فبدلا من الاعتماد الكامل على عمليات التفتيش اليدوية تحت الماء، تستخدم الشركة طائرات مسيرة بحرية تحت الماء (ROVs) وطائرات مسيرة سطحية (USVs)، إلى جانب أجهزة السونار، لتنفيذ عمليات التفتيش وجمع البيانات. وتشمل التطبيقات فحص المنشآت المغمورة، وتقييم سلامة الأصول، والمسح الصوتي، ورسم خرائط قاع البحر، والقياسات الباثيمترية، والتصوير الفوتوغرامتري ثلاثي الأبعاد.

هذه الأدوات تفتح مجالا واسعا أمام تحسين المعرفة بالمجال البحري. فيمكن أن توفر صورة أكثر دقة لقاع البحر، أو بيانات متكررة حول حالة الشعاب المرجانية، أو رصد مستمر لجودة المياه، أساسا أقوى لتقييم المخاطر البيئية واتخاذ الإجراءات المناسبة.

من الكربون الأزرق إلى التنوع البيولوجي

يحضر البعد المناخي كذلك من خلال تقييم الكربون الأزرق، وهو مجال يرتبط بقدرة النظم البيئية الساحلية والبحرية على تخزين الكربون. وتدرج iLab Marine تقييم الكربون الأزرق ضمن خدمات المسوحات البيئية، إلى جانب تقييم التنوع البيولوجي وتقييمات الأثر البيئي وتقارير الاستدامة والحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية (ESG).

وتبرز أهمية هذا النوع من البيانات في بناء صورة أكثر شمولية عن قيمة النظم البيئية البحرية، خاصة أن حماية البحر تحتاج إلى مؤشرات علمية تسمح بقياس التغيرات وتحديد الضغوط ومتابعة النتائج.

ويكتمل هذا الجانب من خلال المختبر البحري الذي يوفر تحليلات لعينات من الكائنات البحرية، تشمل الشعاب المرجانية والعوالق والكائنات القاعية والأسماك، إلى جانب تحليل الكائنات الدقيقة، وتحديد الأنواع، وتحليل الحمض النووي البيئي (eDNA).

التكنولوجيا لخدمة السلامة والكفاءة

و يتجاوز توظيف التكنولوجيا في هذه التجربة مسألة جمع المعلومات البيئية، ليصل إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالعمليات البحرية نفسها. فتستطيع الروبوتات البحرية الوصول إلى مواقع ومنشآت تحت الماء لتنفيذ عمليات التفتيش وجمع البيانات، فيما تتيح تقنيات الاستشعار والمراقبة عن بعد متابعة بعض المؤشرات البيئية بصورة أكثر انتظاما. وتوفر الشركة أيضا معدات للمسوحات البحرية، وعوامات بيئية، وخدمات معايرة أجهزة الاستشعار، وحلولا للمراقبة عن بعد وتطوير أجهزة استشعار مخصصة.

وفي هذا الاتجاه، تقدم iLab Marine نفسها بوصفها مزودا للتكنولوجيا المستقلة وحلول البيانات المدعومة بالذكاء الاصطناعي لإدارة البيانات البيئية، مع توجه نحو استبدال بعض عمليات الرصد البطيئة واليدوية والمحفوفة بالمخاطر بسير عمل رقمي في الوقت الفعلي.

وهذه النقلة تحمل دلالة مهمة في العمل المناخي: جودة القرار ترتبط بجودة البيانات، وسرعة الاستجابة ترتبط بسرعة الوصول إلى المعلومة.

البحر العماني كمختبر للتكنولوجيا

و تمنح الطبيعة الجغرافية والاقتصادية لسلطنة عمان أهمية خاصة لهذه الحلول. فالساحل العماني الممتد والأنشطة المرتبطة بالموانئ والطاقة وتحلية المياه والاستزراع المائي والمشروعات الساحلية تفرض الحاجة إلى مراقبة مستمرة للبيئة البحرية.

وتشير تجربة iLab Marine ، إلى تنامي منظومة محلية تجمع بين الخبرة البيئية والتكنولوجيا البحرية وتحليل العينات والبيانات. و للمؤسسة امتداد إقليمي في عدد من دول المنطقة، مع حضور وشبكة شركاء في أسواق متعددة.

و في خضم النقاشات التي احتضنها أسبوع عمان للمناخ، تكتسب مثل هذه التجارب أهمية تتجاوز الجانب التقني. فالمناخ يتغير، والضغوط على السواحل والبحار تتزايد، بينما تحتاج الحكومات والمؤسسات والمشروعات إلى معلومات أكثر دقة لاتخاذ قرارات تستند إلى الأدلة.

وبذلك يصبح الذكاء البحري جزءا من البنية الجديدة للعمل البيئي: أجهزة تستكشف ما تحت سطح الماء، وطائرات مسيرة تجمع البيانات، ومختبرات تحلل الكائنات البحرية، ومستشعرات تراقب المتغيرات، ومنصات رقمية تحول البيانات إلى معلومات قابلة للاستخدام.

وتتعلق المسألة في جوهرها تتعلق ببناء معرفة أفضل بالبحر. فكلما تحسنت القدرة على قياس حالة النظم البحرية وفهم تغيراتها، أصبح التخطيط لحمايتها وإدارة مواردها أكثر استنادا إلى الأدلة.

ومن مسقط، حيث التقت خلال أسبوع عمان للمناخ رؤى المناخ والطاقة والمياه والاستدامة، تقدم التكنولوجيا البحرية أحد النماذج العملية التي يمكن أن تربط المعرفة العلمية بالفعل الميداني، وتمنح حماية المحيطات والسواحل أدوات جديدة في مواجهة تحديات المرحلة المقبلة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!