ممرات الطيور المهاجرة: المغرب يعزز حضوره في شبكة عالمية من نيروبي

محمد التفراوتيمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
ممرات الطيور المهاجرة: المغرب يعزز حضوره في شبكة عالمية من نيروبي

آفاق بيئية: محمد التفراوتي

في السماء، ترسم الطيور المهاجرة واحدة من أقدم خرائط التواصل بين أوروبا وإفريقيا. تعبر البحر المتوسط، تمر فوق مضيق جبل طارق، وتتوقف في مناطق رطبة وغابات وسواحل وواحات، قبل أن تواصل رحلتها نحو مناطق التكاثر أو الشتاء.
خلف هذا المشهد الطبيعي توجد شبكة واسعة من الممرات والمحطات التي تحتاج إليها الطيور خلال رحلاتها الموسمية. كل محطة تؤدي وظيفة في هذه الرحلة الطويلة: مكان للراحة، ومصدر للغذاء، وفضاء لاستعادة الطاقة، وموطن مؤقت يحدد قدرة الطائر على مواصلة الطريق.
ويحتل المغرب موقعا استثنائيا داخل هذه الشبكة، بحكم موقعه الجغرافي بين القارتين، وتنوع موائله الطبيعية، وامتلاكه مناطق رطبة وسواحل وغابات ومجالات جبلية وصحراوية تستقبل أعدادا مهمة من الطيور المهاجرة والمقيمة.
في نيروبي، يتخذ هذا الموقع المغربي بعدا دوليا جديدا.
فقد وقعت جمعية مجموعة البحث من أجل حماية الطيور بالمغرب (GREPOM/BirdLife Maroc)، اليوم 11 شتنبر 2026، مذكرة تفاهم للانضمام إلى التحالف العالمي لممرات هجرة الطيور، وذلك على هامش المؤتمر العالمي للممرات ومسارات هجرة الطيور.
ويمنح هذا الالتزام للمغرب فرصة لتعزيز حضوره داخل شبكة دولية تجمع الفاعلين في مجال حماية الممرات التي تعتمد عليها الطيور خلال تنقلها بين القارات.
المغرب في قلب طريق جوي بين قارتين
تبدأ أهمية المغرب من موقعه. فمضيق جبل طارق يشكل إحدى أبرز نقاط العبور بين أوروبا وإفريقيا، بينما توفر الأراضي المغربية مجموعة واسعة من الموائل التي تحتاج إليها الطيور خلال رحلاتها الموسمية.
وتتوزع هذه الموائل بين المناطق الرطبة والبحيرات والسبخات والمصبات والمناطق الساحلية والغابات والجبال والمجالات شبه الصحراوية. وكل واحد من هذه النظم البيئية يؤدي وظيفة محددة داخل دورة حياة أنواع مختلفة من الطيور.
وتمنح هذه الخصوصية المغرب موقعا مهما في منظومة الهجرة عبر الأطلسي الشرقي، كما تجعل حماية موائله جزءا من جهود أوسع تمتد خارج حدوده.
وقد راكمت جمعية مجموعة البحث من أجل حماية الطيور بالمغرب (GREPOM/BirdLife Maroc) خلال سنوات من العمل الميداني والعلمي معرفة واسعة بالطيور المغربية، وبمواقع وجودها، وحركتها، والتهديدات التي تواجهها. وساهمت برامج المراقبة والبحث في تطوير قاعدة معرفية حول الطيور المهاجرة والمقيمة، وتعزيز حضور المعرفة المغربية في شبكات البحث والتعاون الدولية.

حين يصبح الممر موطنا عابرا للحدود

تمنح الطيور المهاجرة مفهوما مختلفا للموطن. فالطائر الذي يصل إلى المغرب قادما من أوروبا يحتاج إلى سلسلة من المواقع الآمنة والغنية بالغذاء على امتداد رحلته. وقد يقضي فيها ساعات أو أياما قبل استئناف التحليق. وتصبح سلامة هذه المواقع مرتبطة مباشرة بسلامة الرحلة كلها.
لهذا يتجه العمل الحديث في مجال حماية الطيور نحو مقاربة تقوم على حماية الممر بأكمله، بما يشمله من موائل ومواقع توقف ومناطق تغذية ومناطق عبور.
وتبرز البنيات التحتية للطاقة ضمن الملفات التي تستدعي اهتماما خاصا، خصوصا خطوط الكهرباء التي يمكن أن تشكل مخاطر للصعق أو الاصطدام.
وقد اشتغلت جمعية مجموعة البحث من أجل حماية الطيور بالمغرب (GREPOM/BirdLife Maroc) على هذه القضية من خلال مشاريع تستهدف تحديد النقاط الحساسة، وتطوير شبكة للمراقبة، وتعزيز المعرفة بمواقع نفوق الطيور المرتبطة بالبنيات التحتية.
وتكشف هذه التجربة قيمة الجمع بين البحث العلمي والعمل الميداني، وبين المعطيات التي يقدمها الباحثون والمراقبون والمجتمعات المحلية.

من حماية الطائر إلى حماية الطريق

تقدم تجربة المغرب في هذا المجال درسا مهما في مفهوم الحماية. فالطيور المهاجرة تتحرك داخل فضاء واسع يتجاوز الحدود السياسية. والمخاطر التي تواجهها قد تتغير من محطة إلى أخرى، بينما تبقى الرحلة واحدة.
قد يجد الطائر في منطقة ما الغذاء والمأوى، ثم يواجه في محطة أخرى خطا كهربائيا أو فقدان موطنه أو تدهور منطقة رطبة كانت تمثل محطة أساسية في رحلته. ولهذا فإن حماية الممرات تعني بناء رؤية بيئية تتعامل مع الرحلة باعتبارها وحدة متكاملة.
وتزداد قيمة هذه الرؤية مع التغيرات التي تعرفها النظم البيئية والمناخ. فتغير درجات الحرارة ومواعيد التكاثر وتوفر الغذاء، إلى جانب الضغط المتزايد على الأراضي والمناطق الرطبة، كلها عوامل تؤثر في حركة الطيور وفي المواقع التي تعتمد عليها.

المعرفة المغربية في خدمة التعاون الدولي

يملك المغرب اليوم رصيدا مهما من المعرفة المرتبطة بالطيور. وقد ساهمت جمعية مجموعة البحث من أجل حماية الطيور بالمغرب (GREPOM/BirdLife Maroc)، إلى جانب الباحثين والمؤسسات والشركاء، في تطوير برامج الرصد والبحث والتوثيق، وفي تعزيز ثقافة مراقبة الطيور والاهتمام بموائلها.
كما شكلت منصات علمية ومشاريع متخصصة فضاءات لتبادل البيانات والمعارف حول الطيور في المغرب وشمال إفريقيا.
وتكتسب هذه الخبرة قيمة أكبر عندما تدخل في شبكة دولية قادرة على ربط الملاحظات المحلية بالصورة الأوسع لمسارات الهجرة.
فالمعلومة التي يجمعها مراقب مغربي في منطقة رطبة يمكن أن تكون ذات قيمة لباحث يتابع النوع نفسه في جنوب أوروبا أو غرب إفريقيا.
وهكذا تتحول المراقبة المحلية إلى قطعة من خريطة علمية عابرة للقارات.

من نيروبي إلى المغرب

توقيع مذكرة التفاهم في نيروبي يضع جمعية مجموعة البحث من أجل حماية الطيور بالمغرب (GREPOM/BirdLife Maroc) أمام مرحلة جديدة من العمل، عنوانها توسيع الشراكات، وتعزيز البحث العلمي، وتبادل الخبرات، ودعم حماية الموائل التي تشكل محطات أساسية في رحلة الطيور.
وتحضر الوكالة الوطنية للمياه والغابات، والباحثون، والجمعيات، والمجتمعات المحلية ضمن هذه المعادلة باعتبارهم أطرافا قادرة على تحويل المعرفة إلى إجراءات ميدانية.
وتبقى قيمة التحالف العالمي في قدرته على جمع هذه الجهود ضمن رؤية واحدة، تجعل الممرات المهاجرة جزءا من أجندة حماية الطبيعة على المستوى الدولي.
في السماء، تواصل الطيور رحلتها وفق مسارات عمرها آلاف السنين.
أما على الأرض، فالمهمة تقع على عاتق الإنسان: أن يحافظ على المحطات التي تحتاج إليها هذه الرحلة، وأن يصون الموائل التي تمنح الطيور القدرة على مواصلة التحليق بين قارتين.
ومن نيروبي، يضيف المغرب محطة جديدة إلى هذا المسار، عبر تعزيز حضوره في الجهود العالمية لحماية أحد أجمل أشكال التواصل الطبيعي بين إفريقيا وأوروبا.

لحسن شيلاس: موقع المغرب يمنحه دورا محوريا في حماية ممرات الطيور المهاجرة

يرى السيد لحسن شيلاس، رئيس جمعية مجموعة البحث من أجل حماية الطيور بالمغرب (GREPOM/BirdLife Maroc)، أن توقيع مذكرة التفاهم في نيروبي يشكل محطة مهمة في مسار حماية الطيور بالمغرب، ويفتح أمام المملكة مجالا أوسع للمساهمة في الجهود الدولية الخاصة بالممرات المهاجرة.
ويؤكد أن موقع المغرب بين أوروبا وإفريقيا يمنحه مسؤولية خاصة، إلى جانب فرصة المساهمة في بناء تعاون علمي وميداني يمتد عبر القارات.

حوار مع السيد لحسن شيلاس، رئيس جمعية مجموعة البحث من أجل حماية الطيور بالمغرب (GREPOM/BirdLife Maroc)

سؤال: ماذا يعني بالنسبة إلى جمعية مجموعة البحث من أجل حماية الطيور بالمغرب (GREPOM/BirdLife Maroc) الانضمام إلى التحالف العالمي لممرات هجرة الطيور؟
لحسن شيلاس: هذا الانضمام يمثل خطوة مهمة بالنسبة إلى جمعية GREPOM، لأنه يعزز حضور الجمعية داخل شبكة دولية تهتم بحماية الممرات التي تعتمد عليها الطيور المهاجرة.
المغرب يوجد في موقع استراتيجي بين أوروبا وإفريقيا، والطيور التي تعبر هذا المجال تحتاج إلى موائل آمنة ومحطات للتغذية والراحة. لذلك فإن التعاون بين البلدان والمؤسسات والجمعيات يصبح أساسيا لحماية هذه الرحلات.
نحن نطمح إلى تطوير هذا التعاون، وتبادل المعارف والخبرات، والمساهمة في المشاريع المشتركة المرتبطة بالممرات المهاجرة.
سؤال: ما الذي يمنح المغرب هذه الأهمية داخل شبكة الهجرة العالمية؟
لحسن شيلاس: موقع المغرب وتنوع موائله يمنحانه أهمية كبيرة. لدينا مناطق رطبة، وسواحل، وغابات، ومناطق جبلية، ومجالات شبه صحراوية، وكل هذه البيئات تستقبل أنواع مختلفة من الطيور خلال مراحل متعددة من دورة حياتها.
كما أن المغرب راكم خبرة مهمة في مجال مراقبة الطيور والبحث العلمي، ولدينا باحثون ومراقبون وجمعيات يعملون على تطوير المعرفة بهذا المجال.
هذه الخبرة يمكن أن تكون قاعدة لتوسيع التعاون الدولي وتعزيز مساهمة المغرب في الجهود العالمية.
سؤال: ما القيمة العلمية التي يمكن أن يضيفها التحالف للعمل في المغرب؟
لحسن شيلاس: التعاون الدولي يتيح تبادل البيانات والخبرات، وتطوير برامج بحث مشتركة، والاستفادة من تجارب البلدان التي توجد على امتداد الممرات نفسها.
كما نريد أن تحظى نتائج الأبحاث التي تنجز في المغرب بحضور أكبر في المحافل العلمية الدولية، وأن تصبح المعارف التي نراكمها ميدانيا جزءا من المعرفة المشتركة حول الطيور المهاجرة.
سؤال: ماذا تعني حماية ممرات الطيور بالنسبة إلى حماية التنوع البيولوجي؟
لحسن شيلاس: الطيور مؤشر مهم على حالة الأنظمة البيئية. عندما نحافظ على منطقة رطبة أو غابة أو موقع ساحلي، فإننا نحافظ على موطن تستفيد منه الطيور وكائنات أخرى.
ولهذا فإن حماية الطيور تقودنا إلى حماية الموائل والتنوع البيولوجي بصورة أوسع.
سؤال: كيف تنظرون إلى التعاون مع الوكالة الوطنية للمياه والغابات؟
لحسن شيلاس: الوكالة الوطنية للمياه والغابات تضطلع بدور أساسي في المحافظة على الحياة البرية والتنوع البيولوجي وإدارة عدد من المجالات الطبيعية.
ونحن نثمن الجهود التي تبذلها الوكالة في إطار تنزيل استراتيجية “غابات المغرب”، ونتطلع إلى مواصلة تطوير التعاون بين مختلف الفاعلين، لأن حماية الممرات تحتاج إلى تكامل الأدوار بين المؤسسات العمومية والباحثين والجمعيات والمجتمعات المحلية.
سؤال: ما هي الأولويات التي ترونها اليوم بالنسبة إلى الطيور المهاجرة في المغرب؟
لحسن شيلاس: نحتاج إلى مواصلة تطوير البحث العلمي والمراقبة الميدانية، وتعزيز حماية المناطق المهمة للطيور، وتحسين المعرفة بالمخاطر التي تواجهها خلال الهجرة.
كما أن التوعية وإشراك المجتمعات المحلية عنصران أساسيان، إلى جانب توسيع التعاون بين المؤسسات العلمية والجمعيات والقطاعات المعنية.
الطائر المهاجر يحتاج إلى طريق آمن، وهذا يعني أن حماية الممر جزء أساسي من حماية النوع.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!