المؤتمر الرابع عشر حول تغير المناخ والتنمية في أفريقيا: من التعهدات المناخية إلى اختبار التنفيذ والحوكمة العالمية

محمد التفراوتيمنذ 44 دقيقةآخر تحديث :
المؤتمر الرابع عشر حول تغير المناخ والتنمية في أفريقيا: من التعهدات المناخية إلى اختبار التنفيذ والحوكمة العالمية

آفاق بيئية: محمد التفراوتي

دخلت أفريقيا خلال السنوات الأخيرة مرحلة جديدة في تعاملها مع تغير المناخ. فقد أصبحت الظواهر المناخية المتطرفة تضغط في الوقت نفسه على الزراعة والمياه والصحة والبنية التحتية والاقتصادات المحلية، بينما ظلت مساهمة القارة في الانبعاثات العالمية لغازات الدفيئة أقل من 4 في المائة. وتضع هذه المفارقة أفريقيا في قلب معادلة عالمية تتقاطع فيها العدالة المناخية مع التنمية والتمويل والطاقة والتجارة والسيادة على الموارد الطبيعية.

في هذا السياق، انعقدت الدورة الرابعة عشرة للمؤتمر حول تغير المناخ والتنمية في أفريقيا (CCDA-XIV) في أديس أبابا من 7 إلى 9 سبتمبر 2026، تحت شعار دال: «من التعهدات إلى التنفيذ: خارطة طريق بليم – أنطاليا – أديس أبابا».

وقد جاء المؤتمر في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة للدبلوماسية المناخية الأفريقية، بعد المحادثات الأفريقية السابعة حول المناخ (ACT7)، ودورة الهيئات الفرعية لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (SB64)، وقبيل مؤتمر الأطراف الحادي والثلاثين (COP31) في أنطاليا بتركيا، وفي أفق مؤتمر الأطراف الثاني والثلاثين COP32 الذي تستعد أديس أبابا لاحتضانه سنة 2027.

غير أن أهمية الدورة الرابعة عشرة للمؤتمر حول تغير المناخ والتنمية في أفريقيا (CCDA-XIV) تجاوزت التحضير لمؤتمرين دوليين. فقد حاول المؤتمر إعادة تعريف موقع أفريقيا داخل منظومة الحوكمة المناخية العالمية. من الدفاع عن الأولويات الأفريقية إلى امتلاك القدرة على التأثير في القواعد والمؤسسات والمعايير وآليات التنفيذ التي تحدد مستقبل العمل المناخي العالمي. وهذا التحول في مفهوم القيادة الأفريقية يمثل، في حد ذاته، إحدى أهم الرسائل السياسية للمؤتمر.

أفريقيا أمام سؤال التنفيذ

قالت القارة ما يكفي عن العدالة المناخية. وقدمت مواقف تفاوضية متكررة حول التكيف والتمويل والخسائر والأضرار ونقل التكنولوجيا والإنصاف والمسؤوليات المشتركة والمتباينة. أما التحدي الذي فرض نفسه في أديس أبابا فكان أكثر ارتباطا بالواقع: كيف تتحول هذه المواقف والالتزامات والخطط الوطنية إلى استثمارات وسياسات ومشاريع يشعر المواطن الأفريقي بنتائجها؟

هذه النقطة حضرت بقوة في افتتاح المؤتمر. فقد أشار الأمين التنفيذي للجنة الاقتصادية لأفريقيا، كلافر غاتيتي، إلى أن أفريقيا تحتاج إلى نحو 277 مليار دولار سنويا حتى 2030 لتنفيذ مساهماتها المحددة وطنيا، بينما تغطي التدفقات المناخية الحالية نحو 11 في المائة فقط من هذه الاحتياجات.

وهنا تتضح الفجوة التي حاول المؤتمر (CCDA-XIV) وضعها في صلب النقاش. الفجوة بين التعهد والتمويل، وبين الخطة والتنفيذ، وبين الالتزام الدولي والأثر المحلي.

فالعمل المناخي، وفق هذا المنظور، يقاس بقدرة المزارع على مواجهة الجفاف، وبحماية المجتمعات من الصدمات المناخية، وبوصول الأسر والمقاولات إلى كهرباء موثوقة، وبقدرة الاقتصادات الأفريقية على خلق القيمة وفرص العمل من مواردها الطبيعية.

وهذا التحول من لغة التعهدات إلى لغة النتائج يمنح شعار المؤتمر ثقله الحقيقي.

التمويل المناخي: المشكلة تتعلق أيضا بشروط المال

ظل التمويل المناخي في قلب الأولويات الأفريقية، غير أن النقاش في أديس أبابا اتجه إلى ما هو أعمق من المطالبة بزيادة حجم الموارد.

السؤال أصبح يتعلق أيضا بتكلفة التمويل، وشروط الحصول عليه، وطبيعة الأدوات المالية، وقدرتها على دعم التنمية من دون تعميق أعباء الديون.

وقد شدد الخطاب الرسمي للمؤتمر على أهمية المنح والتمويل الميسر، إلى جانب تعبئة رأس المال الخاص، باعتبارها مكونات ضرورية لتسريع التنفيذ.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة للدول الأفريقية التي تواجه في الوقت نفسه احتياجات ضخمة في المياه والطاقة والنقل والصحة والزراعة والمدن والبنية التحتية، مع محدودية الحيز المالي.

ومن هنا فإن الإصلاح الحقيقي للتمويل المناخي يحتاج إلى الانتقال من منطق إعلان الأرقام إلى بناء منظومات مالية تسمح للدول الأفريقية بالوصول إلى الموارد بشروط أكثر ملاءمة، وتقلل مخاطر الاستثمار، وتدعم المشاريع المحلية والإقليمية القابلة للتوسع.

الطاقة: المناخ بوابة للتنمية

أعاد المؤتمر وضع قضية الطاقة في موقع مركزي من النقاش المناخي الأفريقي. فأكثر من 600 مليون أفريقي ما زالوا يفتقرون إلى الكهرباء، في وقت تمتلك فيه القارة إمكانات هائلة في الطاقة الشمسية والرياح والطاقة الكهرومائية وغيرها من مصادر الطاقة المتجددة. وهنا تبرز معادلة أفريقية خاصة. أي أن الانتقال الطاقي لا يرتبط فقط بخفض الانبعاثات، وإنما أيضا بتوسيع الوصول إلى الطاقة، ودعم التصنيع، وتحسين ظروف العيش، وخلق الوظائف.

وتحمل هذه المقاربة أهمية استراتيجية للمغرب أيضا، الذي وضع خلال السنوات الماضية الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر في صلب تحوله الطاقي والاقتصادي، ويرتبط في الوقت نفسه بشبكات الطاقة والتجارة والاستثمار الأوروبية والأفريقية.

وتفتح هذه التحولات أمام المغرب فرصة لتعزيز موقعه كحلقة وصل بين أوروبا وأفريقيا والمتوسط، خاصة في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر وسلاسل القيمة الصناعية والتكنولوجيات النظيفة.

المعادن الحيوية: هل تتحول الثروة الأفريقية إلى قيمة أفريقية؟

ربما كان ملف المعادن الحيوية أحد أكثر الملفات ارتباطا بالتحولات الجارية في الاقتصاد العالمي. فالانتقال إلى السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة المتجددة والشبكات الذكية والتكنولوجيات منخفضة الكربون يرفع الطلب على مجموعة واسعة من المعادن التي تمتلك أفريقيا احتياطيات مهمة منها.

لكن السؤال الجوهري الذي برز في سياق المؤتمر (CCDA-XIV) يتجاوز حجم الموارد. أين تتشكل القيمة الاقتصادية لهذه الثروة؟

إذا ظلت القارة تصدر المواد الخام، فإن الجزء الأكبر من القيمة المضافة والتكنولوجيا وفرص العمل سيستمر في التشكل خارجها. أما بناء سلاسل قيمة إقليمية، وتطوير عمليات المعالجة والتصنيع، ونقل التكنولوجيا، وتأهيل الموارد البشرية، فيمكن أن يحول المعادن الحيوية إلى رافعة للتنمية الصناعية الأفريقية. ولهذا ربط المؤتمر بين المناخ والطاقة والمعادن والتجارة والتصنيع. فهذه الملفات لم تعد منفصلة داخل الاقتصاد العالمي الجديد. ومن هذه الزاوية، تصبح منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA) أداة استراتيجية لربط الموارد والأسواق وسلاسل الإنتاج داخل القارة، وهو ما أكد عليه الخطاب الرسمي للمؤتمر باعتباره مدخلا لتحويل الثروات الأفريقية إلى طاقة وصناعة ووظائف.

العلم والبيانات: من المعرفة إلى القرار

لا يمكن بناء سياسة مناخية فعالة من دون علم وبيانات.

وقد برز في أجندة المؤتمر  (CCDA-XIV) الاهتمام بخدمات المعلومات المناخية، والإنذار المبكر، ورصد الأرض، والبحث العلمي، والبيانات، باعتبارها أدوات أساسية لفهم المخاطر وتوجيه الاستثمارات وتحسين التخطيط.

وهذه المسألة شديدة الأهمية بالنسبة للقارة التي تختلف فيها المخاطر المناخية بين المناطق الجافة والساحلية والمدارية والحضرية. كما أن امتلاك البيانات يمنح أفريقيا أداة إضافية في المفاوضات الدولية. فالدولة أو القارة التي تمتلك المعرفة العلمية والقدرة على إنتاج السيناريوهات وتقييم المخاطر وقياس الخسائر تستطيع الدفاع عن أولوياتها بأدلة أكثر قوة. ومن هنا يصبح الاستثمار في الجامعات ومراكز البحث والمراصد المناخية والمنظومات الرقمية جزءا من الاستثمار في السيادة المناخية.

التكيف: من الاستجابة إلى بناء الصمود

تحتل قضايا التكيف موقعا محوريا في الأجندة الأفريقية، بالنظر إلى حجم المخاطر التي تواجه المجتمعات والاقتصادات. الجفاف، والفيضانات، وارتفاع الحرارة، وتدهور الأراضي، والمخاطر الساحلية، وضغوط المياه، كلها قضايا تتطلب سياسات طويلة الأمد.

وقد أظهر المؤتمر أن التكيف يحتاج إلى الانتقال من المشاريع المتفرقة إلى منظومات وطنية وإقليمية تربط التخطيط والتمويل والبيانات والبنية التحتية والمجتمعات المحلية.  وعليه يمكن لأفريقيا أن تنتقل من موقع المتلقي للخبرة إلى موقع منتج للمعرفة. فالتجارب الأفريقية في إدارة الأراضي الجافة والمياه والزراعة التقليدية وحماية النظم البيئية وإدارة المخاطر تمثل رصيدا معرفيا يمكن أن يقدم قيمة حقيقية للنقاش العالمي حول التكيف.

و تحمل هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، الذي يواجه ضغوطا متزايدة على موارده المائية وزراعته ومناطقه الجافة وسواحله.

المغرب والمتوسط داخل المعادلة الأفريقية

يمنح الموقع الجغرافي للمغرب وضعا خاصا في هذه التحولات. فالمملكة المغربية تقع في ملتقى ثلاث دوائر استراتيجية: أفريقيا، والمتوسط، وأوروبا. وهذه الخصوصية تجعل قضايا المناخ بالنسبة للمغرب مرتبطة في الوقت نفسه بالأمن المائي والغذائي والطاقي، وبالعلاقات الاقتصادية مع أوروبا وأفريقيا. وتتقاطع التحديات التي تواجه المغرب، خصوصا ندرة المياه والجفاف والضغط على المناطق الساحلية، مع تحديات واسعة في حوض المتوسط والقارة الأفريقية.

ومن هذه الزاوية، فإن المشاركة المغربية في بلورة الأجندة المناخية الأفريقية يمكن أن تستند إلى مجموعة من الخبرات المرتبطة بالطاقة المتجددة، وتحلية المياه، وإدارة المياه، والزراعة المتكيفة مع الجفاف، والاقتصاد الأزرق، وحماية النظم البيئية.

كما يمكن للمغرب أن يلعب دورا في بناء الجسور بين الأولويات الأفريقية والأجندة المتوسطية، خصوصا في ملفات المياه والطاقة والغذاء والمناخ والهجرة والتنمية الساحلية. و تبرز أهمية النظر إلى المتوسط باعتباره فضاء مشتركا للمخاطر والحلول، وليس مجرد حدود جغرافية بين شمال وجنوب.

أفريقيا تريد التأثير في قواعد اللعبة

ويرتبط التحول الأبرز في المؤتم  (CCDA-XIV) بمفهوم الوكالة الأفريقية (African Agency).

فوثائق المؤتمر الرسمية تؤكد أن القيادة المناخية لا تختصر في الدفاع عن المصالح الأفريقية داخل المفاوضات، وإنما تتطلب قدرة على تحديد المشكلات، وإنتاج الحلول، وبناء التحالفات، والتأثير في القواعد والمؤسسات والهياكل التي تنظم العمل المناخي العالمي.

هذه رؤية أكثر طموحا.

فأفريقيا تريد أن تنتقل من السؤال: «ماذا سيقدم لنا العالم؟» إلى سؤال آخر أكثر استراتيجية: «ما الذي تستطيع أفريقيا أن تقترحه وتبنيه وتفرض حضوره في الاقتصاد العالمي الجديد؟»

وهذا التحول يرتبط بالطاقة والمعادن والتجارة والتكنولوجيا والتمويل والبيانات والصناعة. كما يرتبط بالقدرة على بناء موقف أفريقي منسق، وتحويل هذا الموقف إلى تحالفات سياسية واقتصادية قادرة على التأثير في المفاوضات الدولية.

وتتمثل أحد أهم الأدوار العملية للمؤتمر في إعداد الأرضية الأفريقية للمشاركة في مؤتمر الأطراف الحادي والثلاثين COP31 في أنطاليا. وقد أكدت اللجنة الاقتصادية لأفريقيا أن النقاشات ستغذي رسائل أديس أبابا للعمل المناخي، التي يفترض أن تتضمن مقترحات أفريقية عملية تحمل إلى قمة المناخCOP31، مع وضع الأسس للمسار المؤدي إلى قمة COP32 في أديس أبابا.

وهذه النقطة تمنح المؤتمر (CCDA-XIV) أهمية تتجاوز كونه مؤتمرا تشاوريا. فالقيمة الحقيقية للمخرجات ستظهر في قدرتها على الانتقال إلى أجندة تفاوضية أفريقية واضحة، وعلى التأثير في النقاشات المتعلقة بالتمويل والتكيف والطاقة والتكنولوجيا والتجارة والتصنيع والعدالة المناخية. وسيكون الاختبار في أن تتحول الرسائل إلى مواقف تفاوضية، ثم إلى تحالفات، ثم إلى قرارات وآليات تمويل وتنفيذ.

أديس أبابا تمهد لقمة المناخ COP32

تحمل استضافة أديس أبابا المرتقبة لمؤتمر الأطراف COP32 في 2027 بعدا استراتيجيا إضافيا.وقد خصص المؤتمر  (CCDA-XIV) جزءا من رؤيته للتفكير في الدور الذي يمكن أن تضطلع به إثيوبيا خلال رئاسة قمة COP32، مع التمييز بين الدور التفاوضي الأفريقي المشترك والدور الذي تتطلبه رئاسة مؤتمر الأطراف من قدرة على الوساطة وبناء التوافقات.وهذا التمييز مهم.

فنجاح قمة COP32 لن تقاس بكونها مؤتمرا تستضيفه دولة أفريقية فقط، وإنما بقدرته على إنتاج نتائج ذات قيمة للنظام المناخي العالمي، وفي الوقت نفسه إعطاء الأولويات الأفريقية وزنا أكبر داخل هذا النظام.

وتصبح بذلك الفترة بين القمتين COP31 وCOP32 فرصة لبناء أجندة أفريقية واضحة، مدعومة بالعلم والتمويل والمقترحات العملية والتحالفات السياسية.

المخرج الحقيقي يبدأ بعد المؤتمر

وتمتلك أفريقيا منذ سنوات مجموعة كبيرة من الاستراتيجيات والإعلانات والمواقف والالتزامات. وقد راكمت القارة خبرة تفاوضية مهمة في مؤتمرات المناخ.

لكن المشكلة الأساسية تكمن في المسافة بين القرار والتنفيذ. ولهذا فإن قيمة رسائل أديس أبابا ستتحدد بقدرتها على الإجابة عن أسئلة عملية: من سينفذ؟ من سيمول؟ متى؟ وبأي أدوات؟ وكيف ستقاس النتائج؟ وما الآليات التي ستضمن المساءلة؟

هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كان شعار «من التعهدات إلى التنفيذ» قد تحول إلى مسار جديد، أم ظل عنوانا جذابا لمؤتمر آخر. فالقرارات المناخية تحتاج إلى ميزانيات، والمؤسسات تحتاج إلى قدرات، والمشاريع تحتاج إلى تمويل، والمجتمعات تحتاج إلى حماية فعلية، والقطاع الخاص يحتاج إلى بيئة استثمارية واضحة. إن التنفيذ يصبح في جوهره قضية حكامة.

أفريقيا بين العدالة والفاعلية

أعطى المؤتمر (CCDA-XIV) إشارة واضحة إلى أن أفريقيا تريد الحفاظ على خطاب العدالة المناخية، مع توسيع مساحة الفعل والاقتراح. وهذه معادلة مهمة.

فالعدالة المناخية تظل أساسا للموقف الأفريقي بالنظر إلى ضعف مساهمة القارة في الانبعاثات مقارنة بحجم الأضرار التي تتحملها.

وفي الوقت نفسه، تحتاج أفريقيا إلى بناء قدرة أكبر على تعبئة مواردها، وتطوير أسواقها، والاستثمار في علمائها وشبابها، وتصنيع مواردها، وتوسيع التجارة البينية، وتطوير مؤسساتها المالية، وتحويل طاقتها المتجددة وثرواتها الطبيعية إلى قيمة اقتصادية واجتماعية. بهذا المعنى، لا تتعارض العدالة مع الفاعلية. وإنما تحتاج العدالة إلى أدوات اقتصادية وعلمية ومؤسسية تجعل المطالب أكثر تأثيرا.

الرسالة التي تتجاوز أديس أبابا

قد تكون الرسالة الأهم التي حملها المؤتمر (CCDA-XIV)  أن مستقبل القيادة المناخية الأفريقية سيقاس بقدرة القارة على إنتاج الحلول بقدر قدرتها على المطالبة بالدعم. وهذا يفتح أمام المغرب وبقية دول شمال أفريقيا مجالا واسعا للمساهمة في هذه الدينامية، خاصة من خلال بناء جسور أقوى بين أفريقيا والمتوسط وأوروبا، وتطوير التعاون في المياه والطاقة والغذاء والتكنولوجيا والاقتصاد الأزرق. كما يفتح المجال أمام الجامعات ومراكز البحث والمجتمع المدني والإعلام البيئي للاضطلاع بدور أكبر في إنتاج المعرفة ومراقبة تنفيذ الالتزامات وتحويل القضايا المناخية من ملفات تفاوضية إلى قضايا مرتبطة مباشرة بحياة الناس.

من بليم إلى أنطاليا ثم أديس أبابا

في النهاية، حمل مسار بليم،  أنطاليا، أديس أبابا معنى يتجاوز تسلسل المدن والمؤتمرات. إنه مسار يبحث عن إعادة صياغة العلاقة بين التعهد والتنفيذ، وبين المناخ والتنمية، وبين أفريقيا والنظام العالمي.

بدأ المسار من بليم مع البحث عن حلول عالمية، ويمر بأنطاليا في COP31 حيث ستختبر الدول قدرتها على ترجمة التزاماتها إلى تفاهمات جديدة، ثم يصل إلى أديس أبابا في قمة المناخ COP32 حيث ستكون أفريقيا أمام فرصة تاريخية لتقديم رؤية أوسع لمستقبل العمل المناخي العالمي. أما نجاح هذه الرؤية، فسيتوقف على ما سيحدث بعد انتهاء المؤتمرات.

هل ستصل الموارد إلى المزارعين؟ هل ستتحسن قدرة المدن والمجتمعات على مواجهة الفيضانات والجفاف  والحرارة؟ هل ستصل الكهرباء إلى مزيد من الأفارقة؟

هل ستتحول المعادن الأفريقية إلى صناعات أفريقية؟ هل ستتحول الطاقة المتجددة إلى محرك للتنمية؟ هل ستصبح البيانات والعلم جزءا فعليا من صناعة القرار؟ وهل تستطيع أفريقيا أن تنتقل من موقع الدفاع عن مصالحها إلى موقع المشاركة في صياغة قواعد الاقتصاد والمناخ العالمي؟

هذه هي الأسئلة التي ستمنح رسائل أديس أبابا للعمل المناخي قيمتها الحقيقية. وفي هذا المعنى، فإن الاختبار الحقيقي للـمؤتمر (CCDA-XI) يبدأ بعد إغلاق أبواب المؤتمر.

فالمؤتمر الناجح هو الذي يترك وراءه سياسات أكثر وضوحا، وتمويلا أكثر عدالة، ومؤسسات أكثر قدرة، واستثمارات أكثر ارتباطا بالواقع، ومجتمعات أكثر صمودا.

وعندما تنتقل أفريقيا من التعهدات إلى التنفيذ، ومن المطالب إلى المقترحات، ومن تصدير الموارد الخام إلى بناء القيمة، فإنها لن تكون فقط أكثر قدرة على مواجهة تغير المناخ؛ وإنما ستكون أيضا أكثر قدرة على التأثير في شكل الاقتصاد العالمي الذي يتشكل أمام أعيننا. وهنا تحديدا تكمن القيمة الاستراتيجية لمسار بليم، أنطاليا، أديس أبابا: أن تصبح أفريقيا شريكا في كتابة قواعد المستقبل المناخي، وأن يتحول صوتها من صوت قارة تواجه الأزمة إلى صوت قارة تشارك في صناعة الحلول وتحدد جزءا من اتجاهها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!