لحظة وصول… لحظة حياة

محمد التفراوتي16 أغسطس 2025آخر تحديث :
لحظة وصول… لحظة حياة

آفاق بيئية: المختار أبو إيمان

كانت شمس أكادير الذهبية تغوص ببطء في أحضان المحيط، كأنها تودع النهار بحنو خفي، تاركة خلفها شريطا من نور منصهر يتراقص على زجاج المطار. وقفت عند رصيف الوصول ببدلتي الرسمية، أرقب وجوه القادمين بقلب يخفق على إيقاع مختلف. اليوم لم أكن مجرد مدير يؤدي واجبه، بل كنت ابنا يترقب بلهفة قدوم أمه على متن الطائرة القادمة من الرباط.

تنفست بعمق ذلك المزيج المألوف من الهواء الحار ورائحة الكيروسين، لكنهما تحولا هذه المرة إلى عبق انتظار. حتى دوي المحركات وهمسات عمال المناولة، التي طالما أثقلت أذني، بدت اليوم لحنا يواكب نبضات قلبي المتسارعة.وفجأة… رأيتها.على كرسيها المتحرك، يدفعها أحد العمال بحرص، تحمل في حقيبتها الصغيرة كل ذكريات العمر. أمي… بجلستها المفعمة بالكرامة، وكأنها تدرك أن عيني ستلتقطانها بين الجميع. اندفعت نحوها كما كنت أندفع طفلا بين أزقة حي تواركة، حين كانت تلوح لي من شرفة منزلنا القديم.قالت بصوتها الدافئ، الذي يحمل بحرا من المشاعر: “ها قد وصلت إلى عالم ابني المدير!” وضغطت على يدي بحركتها الخاصة التي تقول فيها “أعلم كم اشتقت إليك” دون حاجة إلى كلمات.حين انحنيت لأحتضنها، امتزج عطرها المكون من بخور العود الدفين بين ثنايا ملابسها مع رائحة عطرها المفضل “الغيف دوغ”، فعاد بي الزمن إلى أمسيات الرباط الدافئة، حيث كانت تعد الشاي على أنغام أذان المغرب.

في طريقنا إلى المنزل، وأنا أقود عبر شوارع أكادير التي صارت تعرفني كما أعرفها، أشارت أمي إلى أشجار النخيل الممتدة على جانبي الطريق وقالت: “انظر يا بني، حتى النخيل يبدو أكثر بهجة اليوم.” ابتسمت وأنا أسمعها تنطق اسمي “المختار” بتلك النبرة التي لا تخطئها أذني، نبرة الفخر والحب.

وعند مائدة العشاء، وقد اجتمع أخي الأكبر وزوجته وأطفاله الذين قدموا في إجازتهم السنوية من الرباط، جلست أمي الحبيبة وسطنا، توزع الحب والطعام بيديها الكريمتين كما فعلت طوال حياتها. ضحكات أبناء أخي تتسابق نحوها، ودفء حضورها يملأ المكان.

أغمضت عيني في صمت، أشكر الرحمن على هذه النعمة. أعلم أن أخي سيعود إلى الرباط بعد أيام، وأن أمي ستسافر بعده بالطائرة لأن صحتها لم تعد تحتمل مشقة الطريق البري. لكن هذه الأيام القليلة التي جمعتنا تحت سقف واحد في أكادير ستظل جوهرة ثمينة في خزائن ذاكرتي.

فالأم هي الوطن الحقيقي، وكل لحظة في رحابها هي زيارة إلى فردوس مفقود.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!