من الجرد الكربوني إلى التحول البيئي: الشركة الجهوية متعددة الخدمات سوس-ماسة تترجم التزامات المناخ إلى ممارسات مؤسساتية

محمد التفراوتيمنذ ساعتينآخر تحديث :
من الجرد الكربوني إلى التحول البيئي: الشركة الجهوية متعددة الخدمات سوس-ماسة تترجم التزامات المناخ إلى ممارسات مؤسساتية

آفاق بيئية: محمد التفراوتي

أصبحت الحكامة البيئية إحدى الركائز الأساسية لتدبير المرافق العمومية، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم على مستوى المناخ والطاقة والموارد الطبيعية. ومن هذا المنطلق، تكتسب الحصيلة الكربونية التي أنجزتها الشركة الجهوية متعددة الخدمات سوس-ماسة أهمية استراتيجية، إذ تعكس رؤية مؤسساتية تجعل من المعرفة العلمية والقياس الدقيق والشفافية والتحسين المستمر أسسا لاتخاذ القرار، وتؤكد انخراط الشركة في مسار تنموي يدمج البعد البيئي في صلب الحكامة والتدبير المسؤول.
وتتجاوز هذه المبادرة إعداد جرد لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، لتشكل أداة استراتيجية تساعد على فهم الأثر البيئي لمختلف الأنشطة، وتوفير قاعدة علمية لتوجيه الاستثمارات، وترشيد استهلاك الطاقة والموارد، وتعزيز النجاعة التشغيلية، بما ينسجم مع متطلبات التنمية المستدامة والانتقال نحو اقتصاد منخفض الكربون.
ويأتي هذا الإنجاز في سياق دولي يشهد سباقا متسارعا نحو إزالة الكربون، بعد أن رسخت اتفاقية باريس للمناخ وأهداف التنمية المستدامة قناعة عالمية بأن الانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون يمثل ركيزة أساسية لمواجهة التغير المناخي. كما تتجه المؤسسات العمومية والخاصة عبر العالم إلى إدراج مؤشرات الأداء البيئي ضمن معايير التقييم والشفافية، باعتبارها مؤشرا على جودة الحكامة ونجاعة التدبير.
وعلى المستوى الوطني، ينسجم هذا التوجه مع الرؤية الاستراتيجية للمملكة المغربية في مجال الانتقال الطاقي، والاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة، والالتزامات المناخية التي جعلت من خفض الانبعاثات وتعزيز النجاعة الطاقية محاور أساسية في مسار التنمية. ويعكس أيضا قدرة المؤسسات العمومية الجهوية على تحويل هذه التوجهات إلى إجراءات عملية ومشاريع قابلة للقياس والتقييم.
أما على المستوى الجهوي، فإن جهة سوس-ماسة تواجه تحديات متزايدة ترتبط بالإجهاد المائي، وتزايد الطلب على الماء والطاقة، وتأثيرات التغير المناخي على المنظومات البيئية والأنشطة الاقتصادية. وفي هذا السياق، تكتسب الحصيلة الكربونية بعدا استراتيجيا، لأنها توفر قاعدة علمية تساعد على تطوير سياسات أكثر كفاءة في تدبير الموارد الطبيعية، وتعزيز قدرة البنيات التحتية على التكيف مع التحولات المناخية.
ويبرز هذا المشروع أيضا وعيا مؤسساتيا متقدما بأن حماية البيئة ترتبط ارتباطا وثيقا بجودة الخدمات العمومية. فالماء والكهرباء والتطهير السائل تمثل خدمات حيوية للمواطن، كما تشكل في الوقت نفسه قطاعات ذات أثر مباشر على استهلاك الطاقة وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وهو ما يجعل تحسين أدائها البيئي استثمارا في استدامة الموارد وجودة الحياة.
وتعزز الشركة هذا التوجه من خلال اعتماد منهجية علمية دقيقة تشمل مختلف مصادر الانبعاثات المباشرة وغير المباشرة وفق معايير ISO 14064، مع إخضاع النتائج لعملية تدقيق مستقلة تضمن الشفافية وقابلية التتبع وموثوقية البيانات. ويعكس هذا الاختيار ترسيخ ثقافة مؤسساتية تجعل من القياس والتقييم والتحسين المستمر أدوات أساسية في تدبير الأداء البيئي.
كما أن القيمة الحقيقية للحصيلة الكربونية تتجسد في قدرتها على توجيه العمل المستقبلي، حيث أفضت إلى إعداد خارطة طريق لإزالة الكربون ترتكز على ترشيد استهلاك الطاقة، وتطوير الاعتماد على الطاقات المتجددة، وتحسين كفاءة المنشآت، وتعزيز الرقمنة، والرفع من النجاعة التشغيلية، إلى جانب إشراك الموارد البشرية والشركاء في ثقافة المسؤولية البيئية.
وتحمل هذه المبادرة دلالة أعمق تتعلق بتطور مفهوم المرفق العمومي في المغرب، حيث أصبحت الحكامة البيئية جزءا من الحكامة الإدارية والمالية، وأصبح الأداء المناخي أحد المؤشرات التي تعكس جودة التدبير وفعالية المؤسسة في مواجهة التحديات المستقبلية. فإدارة الموارد الطبيعية بكفاءة، والحد من الانبعاثات، والاستثمار في الحلول المستدامة، تمثل اليوم عناصر أساسية في بناء مؤسسات أكثر مرونة وقدرة على مواكبة التحولات العالمية.
ويفتح هذا المشروع آفاقا جديدة أمام الشركة الجهوية متعددة الخدمات سوس-ماسة لترسيخ مكانتها ضمن المؤسسات العمومية الرائدة في مجال التدبير البيئي، ويؤكد أن الانتقال نحو اقتصاد منخفض الكربون يبدأ من مبادرات مؤسساتية تعتمد العلم، وتستند إلى الحكامة الرشيدة، وتترجم الالتزامات الدولية والوطنية إلى ممارسات عملية تنعكس آثارها على البيئة والمجتمع والاقتصاد.
وتفتح الحصيلة الكربونية آفاقا لترسيخ ثقافة مؤسساتية يرتكز فيها التخطيط والاستثمار واتخاذ القرار على الأداء البيئي، بما يعزز ثقة المواطنين، ويدعم مسار التنمية المستدامة، ويجسد المسؤولية المشتركة تجاه المناخ والأجيال القادمة.

الحصيلة الكربونية تعكس رؤية مؤسساتية تجعل الأداء البيئي جزءاً من جودة الخدمة العمومية

في سياق هذا التحول المؤسسي، وتجسيدا لالتزام الشركة الجهوية متعددة الخدمات سوس-ماسة بإدماج البعد البيئي في حكامة المرفق العمومي، أنجزت الشركة أول حصيلة كربونية تغطي مختلف أنشطتها في قطاعات الكهرباء والماء الصالح للشرب والتطهير السائل. ويعكس هذا المشروع رؤية استراتيجية تقوم على القياس العلمي، والشفافية، والنجاعة الطاقية، والانسجام مع التوجهات الوطنية والدولية في مجال العمل المناخي. ولتسليط الضوء على أبعاد هذه المبادرة، ورهاناتها، وآفاقها المستقبلية، أجرينا هذا الحوار مع السيد محمد أمرزاك المدير العام للشركة الجهوية متعددة الخدمات سوس-ماسة.

سؤال: ما الذي تمثله الحصيلة الكربونية لسنة 2025 بالنسبة للشركة الجهوية متعددة الخدمات سوس-ماسة؟
المدير العام:
تمثل الحصيلة الكربونية خطوة استراتيجية في مسار تطوير حكامة الشركة، وتجسد إرادتنا في إدماج الاعتبارات البيئية والمناخية في مختلف مستويات التدبير واتخاذ القرار. فقياس انبعاثات غازات الاحتباس الحراري يوفر قاعدة علمية دقيقة لفهم أثر أنشطتنا، ويساعد على توجيه الاستثمارات نحو مشاريع تحقق مزيدا من النجاعة الطاقية والاستدامة.
كما تعكس هذه المبادرة وعيا متزايدا بأن جودة المرفق العمومي ترتبط أيضا بقدرته على المحافظة على الموارد الطبيعية، وخفض الانبعاثات، وتقديم خدمات تستجيب لتطلعات التنمية المستدامة.
سؤال: ما الذي دفع الشركة إلى إعطاء البعد البيئي هذه المكانة في استراتيجيتها؟
المدير العام:
التحولات المناخية المتسارعة تفرض على جميع المؤسسات، وخاصة المرافق العمومية، تطوير أساليب اشتغالها بما ينسجم مع متطلبات المرحلة. وقطاعات الماء والكهرباء والتطهير السائل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالطاقة والموارد الطبيعية، الأمر الذي يجعل إدماج البعد البيئي خياراً استراتيجيا يعزز كفاءة التدبير ويضمن استدامة الخدمات.
ونعتبر أن الاستثمار في البيئة يمثل في الوقت نفسه استثمارا في جودة الحياة، وفي أمن الموارد، وفي قدرة المؤسسة على مواجهة التحديات المستقبلية.

سؤال: إلى أي حد ينسجم هذا المشروع مع التوجهات الدولية والوطنية في مجال المناخ؟
المدير العام:
حرصنا على أن يعتمد هذا المشروع أفضل المرجعيات الدولية، سواء من خلال احتساب الانبعاثات وفق معايير ISO 14064 أو عبر إخضاع النتائج للتدقيق والتحقق وفق منهجية دقيقة تضمن الموثوقية والشفافية.
كما ينسجم المشروع مع التزامات المملكة المغربية في مجال العمل المناخي، والانتقال الطاقي، والاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة، ويترجم هذه التوجهات إلى إجراءات عملية على المستوى الجهوي، بما يعزز مساهمة الشركة في تحقيق الأهداف الوطنية المتعلقة بخفض الانبعاثات وتعزيز الاقتصاد منخفض الكربون.

سؤال: هل يشكل هذا الجرد الكربوني محطة تقنية أم رؤية متكاملة لإدارة المؤسسة؟
المدير العام:
الحصيلة الكربونية تمثل أداة استراتيجية للتخطيط واتخاذ القرار، أكثر من كونها عملية تقنية. فهي تمكننا من تحديد مصادر الانبعاثات بدقة، وترتيب الأولويات، وتقييم أثر المشاريع، وقياس نتائج برامج النجاعة الطاقية بصورة موضوعية.
وتوفر كذلك مؤشرات تساعد على تطوير السياسات الداخلية، وتحسين تدبير الموارد، وتعزيز ثقافة الأداء البيئي داخل المؤسسة، بما يرسخ مبادئ الحكامة الرشيدة.

سؤال: ما أبرز الإجراءات التي ستعتمدها الشركة في إطار خارطة الطريق الخاصة بإزالة الكربون؟
المدير العام:
ترتكز خارطة الطريق على مجموعة من المحاور المتكاملة، تشمل تحسين كفاءة استهلاك الطاقة، وتوسيع الاعتماد على الطاقات المتجددة، وتطوير البنيات التحتية، والرفع من النجاعة التشغيلية، إلى جانب اعتماد حلول رقمية حديثة لتتبع الأداء البيئي.
كما نولي أهمية كبيرة لتكوين الموارد البشرية، وتعزيز ثقافة المسؤولية البيئية، وإشراك مختلف الشركاء في هذا المسار، لأن نجاح الانتقال البيئي يقوم على تعبئة جماعية تتجاوز حدود المؤسسة.

سؤال: جهة سوس-ماسة تواجه تحديات بيئية متزايدة، خاصة في ما يتعلق بالماء. كيف ينعكس ذلك على توجهات الشركة؟
المدير العام:
خصوصية جهة سوس-ماسة تمنح هذا المشروع بعدا إضافيا، بالنظر إلى التحديات المرتبطة بالإجهاد المائي، وارتفاع الطلب على الخدمات الأساسية، وتأثيرات التغير المناخي.
ومن هذا المنطلق، تعمل الشركة على تطوير حلول تعزز كفاءة استغلال الموارد، وتحد من استهلاك الطاقة، وتواكب الجهود المبذولة لحماية المنظومات البيئية وضمان استدامة الموارد المائية، انسجاما مع الرؤية التنموية للجهة.

سؤال: كيف تنظرون إلى دور الشفافية في إنجاح هذا المسار؟
المدير العام:
تشكل الشفافية أحد المرتكزات الأساسية للحكامة البيئية. ولذلك حرصنا على أن تستند الحصيلة الكربونية إلى بيانات قابلة للتتبع والتحقق، وأن تخضع لمراجعة دقيقة وفق المعايير الدولية.
هذه المقاربة تعزز الثقة مع مختلف الشركاء، وتوفر مؤشرات موضوعية لتقييم الأداء، كما تساعد على تطوير خطط التحسين بصورة مستمرة، وهو ما ينسجم مع أفضل الممارسات المعتمدة عالميا.

سؤال: تعمل الشركة، بالتوازي مع إنجاز الحصيلة الكربونية، على تنفيذ مشروع استراتيجي لتوسعة محطة معالجة المياه العادمة. إلى أي حد يجسد هذا المشروع توجهكم نحو الانتقال البيئي والاقتصاد الدائري، وما أثره في تعزيز الأمن المائي وتقليص البصمة الكربونية؟
المدير العام:
يعد مشروع توسعة محطة معالجة المياه العادمة أحد المشاريع الاستراتيجية التي تجسد التزام الشركة بالانتقال البيئي والاقتصاد الدائري. فالمحطة الحالية تبلغ طاقتها الاستيعابية ما يعادل 2.123 مليون نسمة، بطاقة معالجة متوسطة تصل إلى 78 ألف متر مكعب يوميا، فيما ستضيف المحطة الجديدة قدرة تعادل 1.1 مليون نسمة، بطاقة معالجة تبلغ 66 ألف متر مكعب يوميا.
وبفضل هذا المشروع سترتفع القدرة الإجمالية للمعالجة إلى 144 ألف متر مكعب يوميا، بما يواكب النمو العمراني والديمغرافي، ويحسن خدمات التطهير السائل، ويعزز حماية الموارد المائية والأنظمة البيئية.
ومن أبرز مكاسب المشروع رفع إنتاج المياه المعالجة الموجهة لإعادة الاستعمال من 30 ألف متر مكعب يوميا إلى 66 ألف متر مكعب يوميا، الأمر الذي يقلص الضغط على الموارد المائية التقليدية، ويوفر موردا مائيا بديلا لسقي المساحات الخضراء وغيرها من الاستعمالات الملائمة، في انسجام مع مبادئ الاقتصاد الدائري.
كما يشكل المشروع رافعة مهمة لتقليص البصمة الكربونية لقطاع التطهير السائل، من خلال الحد من استنزاف الموارد المائية التقليدية، وتقليص الطاقة اللازمة لتعبئة المياه ونقلها، وتحسين كفاءة المعالجة، وتهيئة الظروف لإدماج حلول النجاعة الطاقية والطاقات المتجددة مستقبلا، بما يعزز مساهمة الشركة في تحقيق أهداف المغرب المتعلقة بخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري والتكيف مع التغيرات المناخية.
ويبلغ الغلاف المالي الإجمالي لهذا المشروع حوالي 905 ملايين درهم، ومن المرتقب دخوله حيز الخدمة بعد استكمال أشغال التوسعة خلال سنة 2026، ليشكل استثمارا استراتيجيا يجمع بين تعزيز الأمن المائي، وحماية البيئة، والرفع من جودة الخدمات، ودعم التحول نحو تنمية أكثر استدامة ومرونة في جهة سوس-ماسة.

سؤال: ما الرسالة التي تودون توجيهها في ختام هذا الحوار؟
المدير العام:
يشهد العالم اليوم تحولا عميقا في مفهوم التنمية، حيث أصبحت حماية البيئة، وترشيد الموارد، والعمل المناخي عناصر أساسية في بناء المستقبل. والشركة الجهوية متعددة الخدمات سوس-ماسة تنخرط في هذه الدينامية بروح المسؤولية والابتكار، انطلاقا من قناعة راسخة بأن المرفق العمومي يؤدي دورا محوريا في تحقيق التنمية المستدامة.
ونطمح إلى أن يشكل هذا المشروع لبنة إضافية في مسار بناء مؤسسة أكثر كفاءة ومرونة واستدامة، تسهم في تحقيق أهداف المغرب المناخية، وتعزز مكانة جهة سوس-ماسة كنموذج في الحكامة البيئية، بما يخدم المواطن ويحفظ حقوق الأجيال القادمة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!