طيور المتوسط في مرمى القتل والاتجار غير المشروع.. أرقام قديمة وإنذار متجدد

محمد التفراوتيمنذ ساعتينآخر تحديث :
طيور المتوسط في مرمى القتل والاتجار غير المشروع.. أرقام قديمة وإنذار متجدد

آفاق بيئية: محمد التفراوتي

حذرت ثلاث منظمات بيئية، هي مؤسسة تور دو فالا (Tour du Valat)، ومؤسسة يوروناتور (EuroNatur)، ومنظمة بيردلايف الدولية (BirdLife International)، من استمرار القتل والأسر غير القانونيين للطيور المهاجرة على امتداد حوض البحر الأبيض المتوسط، داعية الحكومات إلى تسريع التدابير الكفيلة بخفض هذه الممارسات بنسبة لا تقل عن 50 في المائة بحلول عام 2030. وجاء هذا التحذير في بيان صحفي مشترك استند إلى تقييمات حديثة لمدى تقدم الدول في تنفيذ التزاماتها، وإلى أعمال رصد ميداني للتهديدات التي تواجه الطيور في المنطقة.

ووفق الأرقام التي أوردها البيان، يتراوح عدد الطيور المهاجرة التي تُقتل أو تُؤسر بصورة غير قانونية في منطقة المتوسط بين 11 و36 مليون طائر سنويا. كما أشار إلى أن 83 في المائة من أصل 46 دولة شملها التقييم لم تنفذ التدابير اللازمة للسير على الطريق الصحيح نحو تحقيق هدف خفض هذه الممارسات بحلول نهاية العقد.

تضع هذه الأرقام قضية حماية الطيور في صلب النقاش حول مصداقية الالتزامات البيئية الدولية، لكنها تقتضي قراءة متأنية قبل التعامل معها باعتبارها مؤشرا جديدا على حجم الخسائر. فالفارق كبير بين تقدير عدد الطيور التي تُقتل سنويا، وقياس مدى تقدم الحكومات في مكافحة هذه الممارسات، كما أن استمرار تداول رقم بعينه لسنوات يطرح سؤالا آخر حول قدرة برامج الرصد على تحديد اتجاهات الظاهرة: هل تتراجع الخسائر فعلا، أم أن أدوات القياس لم تتطور بالقدر الكافي لإظهار التغيرات؟

من دراسة 2016 إلى تقييم الالتزامات في 2025

تكشف العودة إلى الأدبيات العلمية أن تقدير 11 إلى 36 مليون طائر سنويا ليس رقما جديدا. فقد نشر فريق من الباحثين، ضمنهم مختصون مرتبطون بمنظمة بيردلايف الدولية، دراسة في مجلة Bird Conservation International عام 2016، قدرت العدد السنوي للطيور التي تقتل أو تؤخذ من البرية بصورة غير قانونية في منطقة المتوسط ضمن النطاق نفسه.

واعتمدت الدراسة على جمع مصادر مختلفة من البيانات والاستعانة بتقديرات الخبراء لتقييم الوضع في 26 دولة وإقليما، مع الإقرار بمحدودية البيانات الكمية المتاحة بشأن الأنواع المتضررة والبلدان المعنية. وأشارت إلى أن عددا كبيرا من أنواع الطيور الموجودة بانتظام في المنطقة يتعرض للقتل أو الأسر غير القانونيين.

وتبرز أهمية هذه المقارنة في أنها تمنع الخلط بين تجدد التحذير وتجدد القياس. فالبيان الأخير يعيد التذكير بحجم المشكلة، لكنه لا يقدم، في المعطيات المتاحة فيه، تقديرا إقليميا جديدا يتيح الجزم بأن عدد الطيور المقتولة ارتفع أو انخفض مقارنة بعام 2016. ولذلك لا يمكن اعتبار استمرار تداول النطاق العددي نفسه دليلا مستقلا على استقرار الظاهرة، مثلما لا يصح تقديمه باعتباره إثباتا على تدهورها.

وفي المقابل، أتاح تقرير «The Killing 3.0»، الذي أعدته بيردلايف الدولية ويوروناتور، مقاربة مختلفة تركز على مدى تنفيذ الحكومات التزاماتها، من خلال مقارنة التطورات بين فترتي 2015–2019 و2020–2024. وخلص التقرير المنشور عام 2025 إلى أن 38 دولة من أصل 46 لم تكن تسير على الطريق الصحيح لتحقيق هدف خفض القتل والأسر والاتجار غير القانوني بالطيور بنسبة 50 في المائة بحلول عام 2030. واستند التقييم إلى استبيانات وطنية وآراء خبراء ومنظمات معنية، مع فحص محاور تشمل الإرادة السياسية والتشريع والمراقبة وإنفاذ القانون والمتابعة القضائية والتوعية والوقاية.

وتتضح، بناء على ذلك، القيمة الأساسية للمعطيات الجديدة: فهي لا تقدم بالضرورة حصيلة محدثة لعدد الضحايا، بقدر ما تكشف الفجوة بين التعهدات السياسية والقدرة الفعلية على تنفيذها. فبعد مرور نصف المدة المحددة تقريبا لتحقيق هدف روما، لا تزال غالبية الدول التي شملها التقييم بعيدة عن المسار المطلوب.

ماذا تعني نسبة 83 في المائة؟

يستحق الرقم الذي تصدر التحذير قراءة دقيقة. فنسبة 83 في المائة تتعلق بالدول التي لا تسير على الطريق الصحيح لتحقيق الالتزام الدولي، ولا تعني أن هذه النسبة من الطيور تقتل أو تؤسر بصورة غير قانونية. ويكتسي هذا التمييز أهمية في الإعلام البيئي، لأن نقل الأرقام من دون شرح نطاقها قد يؤدي إلى استنتاجات مضللة، حتى عندما يكون الهدف منها تنبيه الرأي العام إلى خطورة المشكلة.

ويكشف تقييم التقدم أن مكافحة هذه الممارسات لا تتوقف عند وجود نصوص قانونية تحظرها، بل ترتبط بقدرة المؤسسات على رصد المخالفات وضبطها ومتابعة مرتكبيها، وبوجود تمويل مستمر لبرامج المراقبة، فضلا عن التعاون بين الدول التي تمر عبرها الطيور خلال رحلات الهجرة.

فالطائر المهاجر يعبر الحدود الوطنية في رحلته بين مناطق التكاثر ومناطق الشتاء، بينما تتوزع مسؤولية حمايته بين تشريعات ومؤسسات وميزانيات متفاوتة. وقد تتخذ دولة تدابير مهمة لحماية موائل الطيور أو تنظيم صيدها، لكن هذه الجهود قد تفقد جزءا من أثرها إذا تعرضت الطيور نفسها للأسر أو القتل في منطقة أخرى من مسار الهجرة.

وتبرز هذه المشكلة بوضوح في منطقة المتوسط، التي تشكل معبرا رئيسيا لأنواع عديدة من الطيور بين أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط. لذلك تحتاج حماية هذه الأنواع إلى تنسيق يتجاوز حدود كل دولة، وإلى تبادل المعلومات بشأن مواقع الصيد والأسر غير القانونيين، وشبكات الاتجار، والأنواع الأكثر تعرضا للخطر.

الحسون الأوروبي.. من الطيران الحر إلى الأقفاص

يسلط البيان الضوء على الحسون الأوروبي، المعروف علميا باسم Carduelis carduelis، وهو طائر يرتبط في بعض مناطق شمال إفريقيا بالاتجار في الطيور المغردة وتربيتها داخل الأقفاص. وتتعرض هذه الأنواع للأسر بسبب ألوانها وأصواتها، وقد تنتقل الطيور بين مناطق مختلفة ضمن تجارة عابرة للحدود.

وتكشف هذه الحالة جانبا من تعقيدات الظاهرة، إذ لا يرتبط الضغط على الطيور بالصيد وحده، بل يشمل التقاطها حية من البرية، ونقلها وبيعها والاحتفاظ بها. وبذلك قد تتحول بعض الطيور إلى سلعة تجارية، بينما تبقى كلفة استنزاف الجماعات البرية موزعة على النظم البيئية التي تعتمد على استمرارها.

وتحتاج مواجهة هذه التجارة إلى معالجة حلقاتها المختلفة، بدءا من أماكن الأسر، مرورا بالنقل والبيع، وصولا إلى الأسواق التي تولد الطلب. فتكثيف المراقبة في موقع واحد لن يحقق النتائج المرجوة إذا ظلت قنوات التوزيع نشطة، وإذا لم تُفعّل القوانين ضد الاتجار غير المشروع بصورة متناسقة.

ويثير هذا الملف سؤالا خاصا بالنسبة إلى المغرب، الذي يقع ضمن المجال المتوسطي ومسارات هجرة الطيور بين أوروبا وإفريقيا. غير أن البيان المشترك، في معطياته المتاحة، لا يقدم تقديرا وطنيا مستقلا لعدد الطيور التي تقتل أو تؤسر بصورة غير قانونية في المغرب، ولا يتيح ترتيب المملكة مقارنة ببقية الدول. ومن ثم، فإن أي تقييم دقيق للوضع الوطني يحتاج إلى بيانات محلية موثقة بشأن الأنواع المستهدفة، ومواقع الأسر، وحجم التجارة، ومحاضر المخالفات والمتابعات القضائية.

ما الذي تكشفه الأرقام وما الذي تتركه دون جواب؟

تدعو المنظمات الثلاث إلى سد الثغرات القانونية والتنفيذية، وتوفير تمويل مستدام للمراقبة والتوعية، وتعزيز التعاون بين السلطات والمجتمعات المحلية والصيادين والمنظمات المعنية بالحفاظ على الطبيعة. كما تشدد على أهمية خطط العمل الوطنية والتنسيق على امتداد مسارات الهجرة.

وتبدو هذه التوصيات منطقية في ضوء الفجوة التي كشفها تقرير The Killing 3.0، لكنها تفتح بدورها باب المساءلة. ما الإجراءات التي نفذتها كل دولة منذ اعتماد خطة روما؟ وما حجم الموارد التي خصصتها؟ وكم مخالفة جرى ضبطها، وكم ملفا وصل إلى القضاء، وما العقوبات التي نفذت؟ والأهم، هل توجد بيانات متسلسلة تسمح بقياس التغير في عدد الطيور المتضررة بين خط الأساس لعام 2020 والسنوات اللاحقة؟

لا يقدم البيان الصحفي وحده إجابات مفصلة عن هذه الأسئلة، ولا يتيح تقييم أداء كل دولة على حدة. كما أن الأرقام الإقليمية الواسعة، رغم أهميتها في إبراز حجم التحدي، لا تعوض الحاجة إلى بيانات وطنية قابلة للمقارنة، وإلى نشر منهجيات الرصد ومؤشرات التقدم بصورة دورية.

وتزداد أهمية هذه المساءلة مع اقتراب عام 2030، وهو الموعد الذي حددته خطة روما الاستراتيجية لخفض نطاق القتل والأسر والاتجار غير القانوني بالطيور بنسبة 50 في المائة مقارنة بخط الأساس لعام 2020. وقد اعتمدت الخطة إطارا إقليميا يهدف إلى إنهاء هذه الممارسات، لكن التقييمات المنشورة تشير إلى أن بلوغ الهدف يتطلب تحولا ملموسا في التنفيذ، لا الاكتفاء بإعادة تأكيد الالتزام به.

وتكتسب الدعوة إلى التحرك أهمية إضافية في ضوء التوقيت الذي صدر فيه البيان، يوم 10 أكتوبر 2026، بالتزامن مع الاحتفاء العالمي بالطيور المهاجرة. ويمنح هذا التوقيت القضية فرصة لاستعادة الاهتمام العام، لكنه يضع أيضا على عاتق الجهات المعنية مسؤولية تحويل التحذيرات الموسمية إلى متابعة مستمرة، تتجاوز المناسبات الإعلامية نحو نشر النتائج ومحاسبة الجهات المقصرة.

فالمشكلة لم تعد في غياب المعرفة بحجم التهديد وحده، إذ إن تقديرات الخسائر تعود إلى سنوات، والالتزامات الدولية قائمة منذ عام 2019. ويكمن الاختبار الفعلي في قدرة الدول على إثبات أن التدابير المتخذة تقلص القتل والأسر والاتجار، وأنها تمتلك الموارد والآليات اللازمة لمتابعة النتائج وتصحيح الاختلالات.

وبين تقدير يتراوح بين 11 و36 مليون طائر سنويا، وتقييم يشير إلى أن 38 دولة لا تسير على الطريق الصحيح لتحقيق التزاماتها، تبرز الحاجة إلى الانتقال من التحذير إلى المساءلة. فنجاح حماية الطيور المهاجرة لن يُقاس بعدد البيانات التي تدعو إلى إنقاذها، وإنما بمدى انخفاض الخسائر على امتداد مسارات هجرتها، وبقدرة الحكومات على تقديم أدلة واضحة على التقدم قبل حلول الموعد المحدد في عام 2030.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!