روما على موعد مع مستقبل المتوسط: هل تنجح هيئة (GFCM) في تحويل تعافي المخزونات إلى استدامة طويلة الأمد؟

محمد التفراوتيمنذ 22 دقيقةآخر تحديث :
روما على موعد مع مستقبل المتوسط: هل تنجح هيئة (GFCM) في تحويل تعافي المخزونات إلى استدامة طويلة الأمد؟

آفاق بيئبة: محمد التفراوتي

تتجه أنظار قطاع الصيد البحري في حوض المتوسط والبحر الأسود إلى روما نهاية أكتوبر، حيث تستضيف منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) الدورة التاسعة والأربعين للهيئة العامة لمصايد أسماك البحر  المتوسط (GFCM)، بالتزامن مع الدورة السادسة عشرة للجنة الإدارة والمالية. ومن المقرر أن تنعقد الاجتماعات من 26 إلى 30 أكتوبر 2026 بمقر المنظمة في روما.

قد يبدو الموعد في ظاهره محطة مؤسساتية دورية، غير أن أهمية الدورة المقبلة تتجاوز روزنامة الاجتماعات السنوية. فالهيئة تدخل هذه الدورة وهي أمام معادلة أكثر تعقيدا. نتائج علمية تشير إلى تحسن حقيقي في عدد من المؤشرات، مقابل استمرار استغلال جزء كبير من الأرصدة بمستويات تتطلب مزيدا من التدخل، إلى جانب تغير الظروف البيئية والمناخية والاجتماعية التي تتحرك داخلها مصايد المنطقة.

وتكمن أهمية الهيئة العامة في كونها المنصة الإقليمية التي تعتمد فيها الدول الأعضاء قرارات إدارة وحماية الموارد البحرية الحية، استنادا إلى المشورة العلمية، وتشمل هذه القرارات خطط الإدارة متعددة السنوات، وتدابير تنظيم جهد الصيد أو المصيد، والمناطق المقيدة للصيد، وإجراءات المراقبة والامتثال، فضلا عن القرارات المرتبطة بتربية الأحياء المائية.

من 87 في المائة إلى 52 في المائة… تحسن مهم، لكنه ليس نهاية الطريق

وكشف تقرير حالة مصايد البحر المتوسط والبحر الأسود لعام 2025 عن أحد أهم المعطيات التي تسبق دورة روما، والمتمثل في انخفاض نسبة الأرصدة التي تعاني من فرط الاستغلال من 87 في المائة قبل نحو عقد إلى 52 في المائة في أحدث تقييم، كما تراجعت ضغوط الصيد بنحو 50 في المائة خلال الفترة 2013-2023، في حين ارتفعت الكتلة الحيوية للأصناف التجارية التي شملها التقييم بنسبة 25 في المائة. وشمل التحليل 120 رصيدا سمكيا، بمساهمة أكثر من 700 خبير إقليمي.

وتعد هذه الأرقام مهمة لأنها تشير إلى أن الإدارة القائمة على العلم قادرة على إحداث تغيير في اتجاهات استنزاف الموارد. لكن الرقم الآخر لا يقل أهمية. 52 في المائة من الأرصدة التي شملها التقييم ظلت تعاني من فرط الاستغلال. ولذلك فإن قراءة المؤشرات الإيجابية باعتبارها نهاية للأزمة ستكون سابقة لأوانها.

المطلوب في المرحلة المقبلة هو تحويل التحسن من مسار قابل للانتكاس إلى اتجاه مستدام، خصوصا أن بعض الأنواع والمناطق لا تزال تواجه ضغوطا مرتفعة، بينما تفرض التغيرات المناخية وتبدل توزيع الأنواع تحديات جديدة على أنظمة الإدارة التي بني جزء كبير منها على بيانات وأنماط بيئية سابقة.

العلم يدخل أكثر فأكثر إلى قلب القرار

ومن أبرز التحولات التي تستحق التوقف عندها أن الهيئة توسع مقاربتها لإدارة المصايد، لتشمل إلى جانب تحديد مقدار ما يمكن صيده بناء قرارات تستند إلى أفضل معرفة علمية متاحة وتستجيب للتغيرات المتسارعة في البيئة البحرية والمناخ.

وفي شهر غشت الماضي، نظمت الهيئة دورة تدريبية شارك فيها مسؤولون ومديرو مصايد من 17 دولة متوسطية ومنطقة البحر الأسود، ركزت على الانتقال من تقييم الأرصدة السمكية إلى صياغة المشورة العلمية ثم ترجمتها إلى قرارات إدارة قابلة للتطبيق. وشملت الدورة نماذج تقييم الأرصدة، ونقاط المرجعية، ومصادر البيانات، وعدم اليقين، واستراتيجيات الحصاد، وقواعد التحكم، إضافة إلى تقييم استراتيجيات الإدارة والأهداف الاجتماعية والاقتصادية.

وستكون هذه النقطة بالذات حاسمة في السنوات المقبلة. فالإدارة الحديثة للمصايد لا تستطيع التعامل مع البحر باعتباره مخزونا ثابتا من الأسماك يمكن تقسيمه بين الدول. إنها تتعامل مع منظومة ديناميكية تتأثر بدرجة حرارة المياه، وتغير الموائل، وتوفر الغذاء، والهجرة والتوزيع الجغرافي للأنواع، فضلا عن تغير أنماط الصيد والأسواق. وبذلك يصبح الاستثمار في البيانات والبحث العلمي جزءا من الاستثمار في مستقبل الصياد نفسه.

البحر الأسود يدخل مرحلة جديدة من الحوكمة العلمية

وتحمل دورة 2026 أيضا بعدا مؤسساتيا لافتا بالنسبة للبحر الأسود. فقد أنشأت الهيئة خلال دورتها الثامنة والأربعين لجنة استشارية علمية خاصة بالبحر الأسود، قبل أن تعقد هذه اللجنة دورتها الأولى في طربزون (Trabzon) بتركيا في يوليوز 2026.

وتعكس هذه الخطوة توجها نحو تعزيز المعرفة العلمية الخاصة بالبحر الأسود داخل منظومة الهيئة، بدل التعامل مع المنطقة من خلال مقاربات عامة. وقد سبق ذلك عقد مجموعة إقليمية لتقييم الأرصدة في بلغاريا، تضمنت أيضا جلسة حول المصايد وتغير المناخ.

إن بناء قدرة علمية أكثر تخصصا سيكون ضروريا، لأن التغيرات البيئية لا تتوزع بالتساوي بين أحواض المتوسط والبحر الأسود، كما أن الأنواع المستهدفة، وأنماط الصيد، والضغوط الاقتصادية والمؤسساتية تختلف من منطقة إلى أخرى.

من الأنواع ذات الأولوية إلى إدارة أكثر دقة

وفي 25 سبتمبر، أي قبل نحو شهر من انعقاد الدورة، نشرت الهيئة (GFCM) مادة خاصة حول مفهوم “الأنواع ذات الأولوية”، مؤكدة أن الإدارة المستدامة تحتاج إلى تحديد الأنواع والمخزونات التي تتطلب تدخلا مركزا، ضمن مقاربة تراعي الخصائص المختلفة للمناطق الفرعية الخمس التي تغطيها الهيئة.

وهذا التطور مهم من الناحية العملية. فالبحر المتوسط ليس وحدة بيئية متجانسة، والضغوط التي تواجه مخزونات معينة في البحر الأسود ليست هي نفسها في غرب المتوسط أو شرق المتوسط أو البحر الأدرياتيكي.

لذلك فإن نجاح الإدارة الإقليمية يعتمد بدرجة متزايدة على قدرتها على الجمع بين الإطار المشترك والقرارات الموجهة جغرافيا ونوعيا.

المغرب… أهمية البعد الغربي للمتوسط

بالنسبة إلى المغرب، تكتسب هذه الدينامية أهمية خاصة. فالمملكة المغربية جزء من منظومة إقليمية تتداخل فيها المصايد المغربية مع قضايا إدارة المخزونات المشتركة، والمراقبة والامتثال، وحماية الموائل البحرية، والبحث العلمي، فضلا عن التحولات التي يعرفها الصيد في غرب المتوسط.

وقد شهدت سنة 2026 تحركا مؤسساتيا وعلميا متواصلا داخل المنطقة الغربية، بما في ذلك اجتماعات اللجنة الفرعية لغرب المتوسط في مالقة خلال شهر ماي، إلى جانب عمل لجان وفرق علمية متخصصة في تقييم المخزونات.

وتزداد أهمية هذا المسار مع ارتفاع الحاجة إلى ربط القرارات الإقليمية بالمعرفة المتوفرة لدى المؤسسات الوطنية للبحث العلمي والمراقبة والمهنيين.

الحصص وحدها لا تصنع الاستدامة

من السهل اختزال اجتماعات الهيئة في سؤال: كم يمكن للدول أن تصطاد؟

لكن التجربة المتراكمة خلال السنوات الماضية تظهر أن إدارة المصايد أكثر تعقيدا من تحديد كميات الصيد. فقد اعتمدت الهيئة منذ 2013 إحدى عشرة خطة لإدارة المصايد، وأقامت 11 منطقة مقيدة للصيد، وأطلقت 18 برنامجا بحثيا ودراسة تجريبية لدعم القرار.

وفي الدورة الثامنة والأربعين لعام 2025، اعتمدت الهيئة 12 قرارا، شملت تدابير مرتبطة بخطط إدارة متعددة السنوات، وأنظمة طويلة الأجل للصيد، وحدود المصيد لبعض الأنواع، وتدابير جهد الصيد، وقضايا الامتثال، إلى جانب قرارات تخص تربية الأحياء المائية.

وهذا يعني أن النقاش الحقيقي في روما لن يكون حول “الحصص” بمعناها الضيق، وإنما حول منظومة كاملة. كمية الصيد، مدة الصيد، الأدوات المستعملة، المناطق المسموح بها، حماية مناطق التكاثر، مراقبة النشاط، الالتزام بالقواعد، وجودة البيانات التي يبنى عليها القرار.

الامتثال… الحلقة التي تحدد قيمة القرار

يمكن أن يكون القرار العلمي دقيقا، وخطة الإدارة متقدمة، لكن أثرهما يبقى محدودا إذا لم يتحولا إلى ممارسة فعلية في البحر. وهنا يبرز عمل لجنة الامتثال التابعة للهيئة، التي عقدت دورتها التاسعة عشرة في روما خلال سبتمبر 2026. كما تواصل الهيئة تطوير إجراءات المراقبة والسيطرة والتعاون لمواجهة الصيد غير القانوني وغير المبلغ عنه وغير المنظم.

ومن اللافت أن الهيئة تتجه إلى تعزيز المراقبة من نقطة الإنزال والموانئ، كما يظهر من تجربة المكاتب المخصصة للمراقبة في مصر، في محاولة لتحسين جودة البيانات التي تدخل إلى منظومة إدارة المصايد.

فالبيانات التي لا تصل من البحر إلى النظام الإحصائي لا يمكن أن تتحول إلى معرفة، والمعرفة الناقصة قد تقود إلى قرار ناقص.

الصيد وتغير المناخ… معادلة جديدة

هناك عامل آخر سيزداد حضوره في إدارة مصايد المتوسط والبحر الأسود. هو تغير المناخ.

وقد يعيد ارتفاع درجات حرارة البحر، وتغير توزيع الأنواع، وتبدل مواسم التكاثر والهجرة، رسم الخريطة السمكية نفسها. ويفرض هذا التحول على الإدارة الإقليمية الانتقال تدريجيا من خطط تستند إلى المعطيات التاريخية إلى أنظمة أكثر قدرة على التكيف.

وتشير أعمال الهيئة (GFCM) خلال 2026 إلى إدخال تغير المناخ بصورة أوضح في تقييم الأرصدة والإدارة، بما في ذلك اجتماع مجموعة تقييم الأرصدة في البحر الأسود الذي تضمن جلسة خاصة بالمصايد وتغير المناخ.

المسألة هنا ليست بيئية فقط. إنها اقتصادية واجتماعية أيضا، لأن تغير توزيع الموارد قد ينعكس على مناطق الصيد، وتكاليف الرحلات، ودخل الصيادين، والأسواق، وحتى العلاقات بين الأساطيل والدول التي تتقاسم الأحواض البحرية.

تربية الأحياء المائية في قلب المعادلة

وفي الوقت نفسه، لا يمكن قراءة مستقبل الغذاء البحري في المنطقة من خلال الصيد الطبيعي وحده.

فوفقا لتقرير 2025، أصبحت تربية الأحياء المائية البحرية والمياه الشروب تمثل أكثر من 45 في المائة من إنتاج الأغذية المائية في المنطقة، وبلغ إنتاجها نحو 940 ألف طن سنة 2023. وفي المقابل، يظل المطلوب ضمان نمو هذا القطاع بطريقة مسؤولة بيئيا.

وقد شهدت الدورة السابقة للهيئة اعتماد مبادئ توجيهية بشأن برامج الرصد البيئي المنسقة للأقفاص البحرية، إضافة إلى قرار بشأن المناطق المخصصة للاستعادة في سياق تربية الأحياء المائية.

وبذلك يتسع مفهوم الأمن الغذائي الأزرق ليشمل مسارين متوازيين. استعادة قدرة البحر على إنتاج الموارد الطبيعية، وتطوير تربية الأحياء المائية ضمن حدود بيئية واضحة.

ماذا تنتظر المنطقة من روما؟

وستختبر الدورة التاسعة والأربعون قدرة قراراتها على الاستجابة لثلاثة تحديات مترابطة، وهي قدرة تتجاوز عدد الوثائق التي ستعتمدها.

.الأول هو استكمال مسار خفض ضغط الصيد مع الحفاظ على سبل عيش المجتمعات الساحلية. والثاني هو تحويل المعرفة العلمية إلى قرارات أكثر قدرة على التكيف مع تغير المناخ والتحولات المتسارعة في النظم البحرية. أما الثالث فهو رفع مستوى الامتثال والمراقبة حتى لا تبقى التدابير الإقليمية منفصلة عن الواقع اليومي في البحر والموانئ.

لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن التحسن ممكن. فانخفاض نسبة الأرصدة التي تعاني من فرط الاستغلال من 87 إلى 52 في المائة يمثل تحولا مهما، لكنه يكشف في الوقت نفسه حجم الطريق المتبقي.

والتحدي أمام دورة روما هو الانتقال من مرحلة إثبات أن الإدارة العلمية تحدث فرقا إلى مرحلة ترسيخ هذا التحسن على المدى الطويل.

فالبحر المتوسط لا يحتاج إلى قرارات أكثر فقط، وإنما إلى قرارات أدق، وبيانات أفضل، ورقابة أقوى، وتعاون إقليمي قادر على مواكبة بحر يتغير بسرعة.

وفي هذا المعنى، ستكون دورة أكتوبر اختبارا جديدا لقدرة دول المتوسط والبحر الأسود على إدارة مورد مشترك بمنطق يتجاوز الحدود الوطنية، ويضع استدامة النظام البحري ومستقبل المجتمعات الساحلية في صلب القرار.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!