آفاق بيئية: العربي متوكل*
يشكل القانون رقم 113.13 المتعلق بالترحال الرعوي وتهيئة وتدبير المجالات الرعوية والغابوية ذات الطابع الرعوي محطة مهمة في مسار تنظيم الرعي المتنقل بالمغرب، إذ جاء في سياق يتسم بتزايد الضغط على الموارد الطبيعية وتفاقم آثار التغيرات المناخية، وما يرافق ذلك من تداخل بين استعمالات المجال وارتفاع وتيرة النزاعات المرتبطة باستغلال المراعي. ويهدف هذا الإطار القانوني إلى إرساء قواعد لتنظيم تنقل القطعان، والحفاظ على التوازنات البيئية، وتعزيز آليات تدبير الخلافات بين مختلف المتدخلين، غير أن تنزيل مقتضياته على أرض الواقع ما يزال يواجه تحديات تستدعي مواصلة التقييم والتطوير.
غير أن تحقيق الأهداف التي جاء بها القانون يظل مرتبطا بتوفير الشروط الميدانية اللازمة لتطبيقه، إذ يصعب إلزام الرعاة باحترام المجالات الرعوية المحددة قانونا في غياب برامج كافية لتأهيل هذه المجالات وتزويدها بالبنيات الأساسية، بما في ذلك تحسين الغطاء النباتي، وإحداث نقاط الماء، وتنمية الموارد العلفية، وهي عناصر تشكل أساس استدامة النشاط الرعوي والحد من الضغط على المجالات المجاورة.
ورغم أن القانون يقوم على مبدأ تدبير المجالات الرعوية بشكل منظم، فإن العديد من هذه المجالات تعاني من تراجع الغطاء النباتي وتدهور قدرتها الإنتاجية نتيجة توالي سنوات الجفاف والتغيرات المناخية، في ظل محدودية برامج إعادة التأهيل وضعف البنيات الأساسية المرتبطة بالرعي. ويؤدي هذا الوضع في كثير من الأحيان إلى اضطرار الرعاة إلى البحث عن الكلأ خارج المجالات المخصصة، بما يزيد من احتمالات الاحتكاك مع الأراضي الفلاحية والممتلكات الخاصة.

وتزداد هذه التحديات تعقيدا في ظل التغيرات المناخية التي تشهدها المملكة، حيث أدى توالي سنوات الجفاف وتراجع الموارد المائية إلى تقليص القدرة الإنتاجية للعديد من المراعي الطبيعية، وارتفاع الضغط على النظم البيئية الهشة. وفي هذا السياق، يصبح تدبير الترحال الرعوي جزءا من سياسة أشمل للتكيف مع التغيرات المناخية، قوامها الحفاظ على الموارد الطبيعية، وتعزيز صمود المجالات الرعوية، وتحقيق توازن بين المتطلبات البيئية والاقتصادية والاجتماعية. كما يطرح الترحال الرعوي بطبيعته تحديات مرتبطة بالتنقل بين الأقاليم واختلاف أنماط تدبير الأراضي واستغلالها، وهو ما يجعل التنسيق بين مختلف الفاعلين الترابيين والإدارات المعنية عاملا أساسيا لضمان حسن تطبيق القانون. كما تبرز الحاجة إلى إرساء آليات مؤسساتية للتنسيق بين الأقاليم والجماعات الترابية، بما يسمح بتدبير مسارات الترحال وفق رؤية موحدة، تحد من تداخل الاختصاصات، وتعزز الوقاية من النزاعات قبل تفاقمها. ويظل اعتماد خرائط دقيقة للمسارات الرعوية، والاستفادة من الوسائل الرقمية الحديثة في تتبع حركة القطعان، من بين الأدوات التي يمكن أن تسهم في تحسين حكامة هذا النشاط.
وتبقى حماية المحاصيل الزراعية والأشجار المثمرة من أكثر القضايا حساسية في المناطق التي تعرف مرور القطعان، إذ إن وقوع أضرار بالمزروعات قد يؤدي إلى توترات اجتماعية إذا لم تتم معالجتها بسرعة وفعالية. ورغم أن القانون يتضمن مقتضيات لتدبير النزاعات والتعويض عن الأضرار، فإن فعالية هذه الآليات تظل رهينة بسرعة الإجراءات ووضوح المسؤوليات، إلى جانب تعزيز الوساطة المحلية وآليات التسوية الودية بما يحفظ السلم الاجتماعي ويحد من تفاقم الخلافات. وفي هذا السياق، يظل تطوير آليات جبر الضرر وتسريع صرف التعويضات للمتضررين أحد المداخل الأساسية لتعزيز الثقة في القانون، بما يضمن حماية حقوق مختلف الأطراف ويحد من أسباب الاحتقان داخل المجالات الرعوية.
ولا يمكن أن يحقق القانون أهدافه بمعزل عن رؤية تنموية شاملة تجعل من تأهيل المراعي واستعادة الغطاء النباتي أولوية، مع إشراك الرعاة والساكنة المحلية والجماعات الترابية في تدبير هذه المجالات وفق مقاربة تشاركية. كما أن توظيف الرقمنة في تدبير المسارات الرعوية، إلى جانب تعزيز آليات الوساطة وتطوير منظومة التعويض، من شأنه أن يسهم في ترسيخ حكامة أكثر نجاعة، وتحقيق توازن بين متطلبات التنمية والحفاظ على الموارد الطبيعية.
وفي يمثل القانون رقم 113.13 إطارا قانونيا مهما لتنظيم الترحال الرعوي، غير أن نجاحه يظل مرتبطا بمدى قدرته على مواكبة التحولات البيئية والمجالية، وبترجمة مقتضياته إلى إجراءات عملية توازن بين المحافظة على الموارد الطبيعية، وضمان استدامة النشاط الرعوي، وحماية حقوق الساكنة المحلية، بما يرسخ تنمية مجالية أكثر انسجاما وعدالة.
*العربي متوكل: باحث في القانون العام ( القوانين البيئية والتنمية المستدامة)

























