الطريقة الصحيحة لتنظيم الذكاء الاصطناعي

محمد التفراوتيمنذ 41 دقيقةآخر تحديث :
الطريقة الصحيحة لتنظيم الذكاء الاصطناعي

آفاق بيئية: جابرييلا راموس؛ إميليا ستويمنوفا دوه

باريس—يمثل قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتكليف وزير الخزانة سكوت بيسنت بالمسؤولية عن تنفيذ أمره التنفيذي الأخير بشأن الإشراف على الذكاء الاصطناعي تحولا كبيرا في نهج الولايات المتحدة في التعامل مع حوكمة التكنولوجيا. كان من غير المرجح أن يأتي مثل هذا التغيير من صناعة الذكاء الاصطناعي أو الهيئات التنظيمية القطاعية، حيث لا يزال كلاهما متمسكا بالرواية المألوفة التي تقول إن التنظيم يخنق الإبداع، وإن الأولوية السياسية القصوى هي التغلب على الصين من خلال تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدما في العالم ــ بما في ذلك، في نهاية المطاف، الذكاء الفائق.

ورغم أن بيسنت قد يشاطر الإدارة عزمها على التغلب على الصين، فإن وضع وزارة الخزانة في قلب عملية الإشراف على الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة يضفي منظورا مؤسسيا يستحق الترحيب. من منظور الأمن القومي، والأمن السيبراني، والاستقرار المالي، والبنية الأساسية الـحَرِجة، يتطلب الذكاء الاصطناعي فلسفة تنظيمية مختلفة تماما عن النهج القائم على عدم التدخل والسوق الحرة الذي ميز سياسة ترمب في مجال الذكاء الاصطناعي حتى الآن.

يُعَد اقتراح بيسنت الأخير المؤشر الأوضح على هذا التحول. وفقا لشركة بلومبرج، قد تنشئ إدارة ترمب قريبا وكالة على غرار هيئة تنظيم الصناعة المالية (FINRA)، وهي منظمة ذاتية التنظيم تمولها الصناعة وتشرف على الوسطاء والتجار في إطار عمل يصرح به الكونجرس وتشرف عليه لجنة الأوراق المالية والبورصات.

النبأ السار هنا هو أن إدارة أميركية، لأول مرة، تدرس بجدية إنشاء هيئة مخصصة لحماية المصلحة العامة من خلال تقييم نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة قبل طرحها. المشكلة هي أن الوكالة المقترحة مصممة على غرار هيئة تنظيم الصناعة المالية، التي تديرها وتموّلها الصناعة ذاتها التي تتولى تنظيمها. لذا، فليس من المستغرب أن نرى ديميس هاسابيس، الرئيس التنفيذي لشركة Google DeepMind، يدافع لفترة طويلة عن هذا النهج.

ولكن بصرف النظر عن تضارب المصالح الواضح، فإن هذا النموذج يعاني من عيب أكثر جوهرية: فهو غير مصمم للكشف عن المخاطر الجهازية. انكشفت نقطة الضعف هذه أثناء الأزمة المالية العالمية عام 2008، التي تُـقَدَّر تكلفتها التي تكبدها الاقتصاد الأميركي بنحو 22 تريليون دولار، والتي دفعت الإدارة إلى اللجوء إلى إصلاحات دود-فرانك، بما في ذلك إنشاء مجلس مراقبة الاستقرار المالي.

إن النموذج على غرار هيئة تنظيم الصناعة المالية غير مناسب للإشراف على الذكاء الاصطناعي. بدلا من ذلك، ينبغي للحكومات أن تعمل على بناء خبراتها الخاصة في مجال الذكاء الاصطناعي، بالاعتماد على آليات الإشراف العام التي أُدخِلَت بعد ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي. كان أحد هذه الإجراءات الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، والذي يُـلزِم مطوري نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة بمشاركة نتائج اختبارات السلامة التي يجرونها مع الحكومة الفيدرالية قبل طرح النماذج. في العام ذاته، أطلق رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك قمة سلامة الذكاء الاصطناعي، وأصدر تكليفاته بإعداد التقرير الدولي الأول لسلامة الذكاء الاصطناعي، ومهد الطريق لإنشاء معاهد سلامة الذكاء الاصطناعي.

عقب الكشف عن نموذج Mythos من شركة Anthropic ــ وهو أقوى نموذج رائد حتى الآن ــ أصدر ترمب أمره التنفيذي الخاص. لكن هذا الأمر قاصر، لأنه يترك التقييم قبل الإصدار طوعيا. وهذا يخلق اختلالا عميقا في التوازن: فأنظمة الذكاء الاصطناعي التي تزداد قوة يوما بعد يوم تتطلب مؤسسات عامة مستقلة تتمتع بالقدر اللازم من الخبرة والسلطة للإشراف عليها، في حين لا يوفر الأمر التنفيذي الذي أصدره ترمب أيا منهما.

يتجلى هذا التباين ذاته بوضوح في الطريقة التي تتعامل بها الحكومات مع مخاطر الذكاء الاصطناعي. فهي تميل إلى التعامل مع الذكاء الاصطناعي في المقام الأول باعتباره تحديا للأمن القومي، بينما تخصص موارد أقل كثيرا لمعالجة تأثيراته على تشغيل العمالة، والرعاية الصحية، والتعليم، وجوانب أخرى من الحياة اليومية. وحتى قانون الذكاء الاصطناعي الصادر عن الاتحاد الأوروبي، برغم أنه يشترط إجراء تقييمات لهذه المخاطر المجتمعية، يركز بشكل أكبر على الأمن السيبراني.

من الاستثناءات البارزة هنا الاعتراف المتزايد بالمخاطر التي يشكلها الذكاء الاصطناعي على الأطفال عبر الإنترنت، وهو ما أدى إلى اتخاذ إجراءات تشريعية وقضائية في كثير من البلدان، بما في ذلك الولايات المتحدة. لكن عواقبه المجتمعية الأوسع نطاقا ــ مثل أثره على النمو المعرفي، وفرص النساء الاقتصادية، والخصوصية ــ لم تدفع بعد إلى استجابة استراتيجية متماسكة.

هذه الأولويات المنحرفة من الممكن إرجاعها إلى تأطير تطوير الذكاء الاصطناعي باعتباره سباقا جيوسياسيا. لكن الريادة التكنولوجية لا تعني شيئا يُذكَر إذا جاءت على حساب صحة العمال، والمرونة الاجتماعية، وقدرة الناس على عيش حياة مُـثمِرة. فالبلد الذي يطور نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر كفاءة في العالم، بينما يترك قوته العاملة تفتقر إلى المهارات ويسمح بتلويث الخطاب العام بالمعلومات المضللة، لم يفز بأي شيء يستحق الفوز.

لا يتعارض التصدي لهذه التحديات المجتمعية مع القدرة التنافسية. بل على العكس، فهي أمر ضروري لكل من القدرة التنافسية والأمن القومي. وفي نهاية المطاف، ما يحدد النجاح في عصر الذكاء الاصطناعي ليس فقط قدرات النماذج الرائدة التي تتمتع بها دولة ما، بل أيضا قوة المؤسسات التي تحمي رفاهة مواطنيها: المدارس والجامعات، والرعاية الصحية والاجتماعية، والقضاء المستقل.

بيد أن هذه هي على وجه التحديد المؤسسات التي تكافح لمواكبة التغير التكنولوجي. ففي مجالي التعليم وأسواق العمل، وجدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن فوائد الذكاء الاصطناعي تتوزع بشكل غير متكافئ، بما يعزز أوجه التفاوت القائمة: فالطلاب الذين يتمتعون بمزايا بالفعل هم وضع أفضل يسمح لهم بالاستفادة من التعلم المدعوم بالذكاء الاصطناعي، في حين يتكيف العمال المهرة بسهولة أكبر مقارنة بأولئك الذين يمتلكون مؤهلات أقل.

ومن الممكن ملاحظة اتجاهات مماثلة في الرعاية الصحية، والرعاية الاجتماعية، ونظام العدالة. ومع تفويض عملية اتخاذ القرار إلى الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، يصبح من الصعب الطعن في الأخطاء، خاصة بين أولئك الأقل قدرة على القيام بذلك. وقد وَثَّـقَت قاعدة بيانات هلوسات الذكاء الاصطناعي التي يديرها داميان شارلوتان من كلية HEC باريس (مدرسة الدراسات العليا التجارية في باريس) أكثر من 1800 حالة في مختلف أنحاء العالم، حيث رصد القضاة مواد ملفقة أنشأها الذكاء الاصطناعي، غالبا ما جرى تقديمها من قبل أطراف في دعاوى قضائية يمثلون أنفسهم بأنفسهم لعدم قدرتهم على تحمل تكاليف الاستعانة بمحامٍ.

والتأثيرات على نزاهة القضاء بعيدة المدى. تعتمد المحاكم على القدرة على التثبت من الحقائق والأدلة، لكن الذكاء الاصطناعي يجعل هذه المهمة أكثر صعوبة، حيث يقع العبء بشكل غير متناسب على عاتق أولئك الذين يواجهون بالفعل وضعا غير مواتٍ. في شهر يوليو/تموز، على سبيل المثال، ألغت المحكمة العليا في الهند حكمين صادرين عن محكمتين استند كل منهما إلى سوابق قضائية غير موجودة، محذرة من أن الاعتماد على سوابق قضائية غير متحقق منها مُـختَلَقة بواسطة الذكاء الاصطناعي “يقوض سيادة القانون”.

من المؤكد أن كثيرا من التأثيرات المجتمعية التي يخلفها الذكاء الاصطناعي لا يمكن تقييمها قبل نشره بذات الطريقة التي تُقيَّم بها مخاطر الأمن السيبراني. لكن هذا سبب إضافي لضرورة الرقابة العامة المستمرة.

بدلا من إنشاء وكالة أخرى تديرها الصناعة، ما تحتاج إليه الولايات المتحدة والدول الأخرى هو ما يعادل مجلس مراقبة الاستقرار المالي في مجال الذكاء الاصطناعي: هيئة تنظيمية مكلفة بتحديد المخاطر الجهازية التي تهدد التعليم، والصحة، وأسواق العمل، والسلطة القضائية. لقد أنشأنا بالفعل مثل هذه الهيئات لحماية الاستقرار المالي والأمن القومي. وقد حان الوقت لإنشاء هيئات مماثلة لحماية المؤسسات التي يعتمد عليها المجتمع.

* جابرييلا راموس الرئيسة الـمُشارِكة لفريق العمل المعني بفجوات التفاوت والإفصاح المالي المرتبط بالشؤون الاجتماعية، شغلت سابقا منصب المدير العام المساعد لقسم العلوم الاجتماعية والإنسانية في منظمة اليونيسكو، حيث أشرفت على صياغة “التوصية بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي”، ومنصب رئيس ديوان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) وكانت مستشارة لدى مجموعة العشرين، ومجموعة السبع، ومنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا ومنطقة المحيط الهادئ. إميليا ستويمنوفا دوه أستاذة الهندسة الكهربائية الـمُشارِكة في جامعة ليوبليانا، هي عضو مجلس إدارة مؤسسة Globethics، وعضو اللجنة العلمية المعنية بالذكاء الاصطناعي التابعة للاتحاد الأوروبي، ووزيرة التحول الرقمي في سلوفينيا سابقا.

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2026.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!