آفاق بيئية: محمد التفراوتي
تضع مجلة العلوم والحياة – Science & Vie في عددها الصادر لشهر أكتوبر 2026 قضية التقاط ثاني أكسيد الكربون في صدارة النقاش العلمي حول مستقبل المناخ، من خلال ملف واسع بعنوان «Capturer le CO₂: toutes les pistes, le verdict de la science»، أي: «التقاط ثاني أكسيد الكربون: كل المسارات وحكم العلم».
وتنطلق المجلة من حقيقة يصعب تجاهلها: أطلقت البشرية سنة 2025 نحو 42.2 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون نتيجة استخدام الوقود الأحفوري والصناعة وتغير استخدامات الأراضي. وبين عامي 2000 و2025 ارتفعت الانبعاثات العالمية بنحو 50 في المائة، فيما وصلت تركيزات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي إلى نحو 430 جزءا في المليون، أي أعلى بنحو 40 في المائة من مستويات ما قبل الثورة الصناعية.
وتكشف هذه الأرقام أن المشكلة المناخية لا تتعلق فقط بسرعة ارتفاع درجة الحرارة، وإنما أيضا بكمية الكربون التي تراكمت بالفعل في النظام المناخي.

الكربون الذي أطلقناه لا يختفي
يمتص ثاني أكسيد الكربون الأشعة تحت الحمراء التي تعيد الأرض إصدارها بعد تلقي الطاقة الشمسية، وهو ما يعزز تأثير الاحتباس الحراري. ومع استمرار حرق الفحم والنفط والغاز، تراكمت كميات ضخمة من هذا الغاز في الغلاف الجوي.
ويشير المقال العلمي إلى أن الغلاف الجوي يحتوي حاليا على نحو 3400 غيغاطن من ثاني أكسيد الكربون، فيما تضيف الأنشطة البشرية قرابة 40 غيغاطنا سنويا. ويبقى جزء مهم من هذه الانبعاثات في الغلاف الجوي، بينما تمتص النظم البيئية البرية والمحيطات جزءا آخر.
ويبرز هنا سؤال جوهري: إذا كانت البشرية قد بدأت تدرك أن خفض الانبعاثات وحده قد لا يكون كافيا، فكيف يمكن إزالة جزء من الكربون الموجود بالفعل في الغلاف الجوي؟
الطبيعة تدخل المعركة
تلفت مجلة «العلوم والحياة» الانتباه إلى أن الطبيعة نفسها تمتلك أنظمة هائلة لامتصاص الكربون وتخزينه.
تلتقط الغابات الكربون من خلال عملية التمثيل الضوئي، وتخزنه الأشجار والنباتات والتربة.
وتؤدي الغابات والمستنقعات العضوية والمانغروف دورا مهما في احتجاز الكربون وتخزينه، إذ تحتفظ هذه الأراضي الرطبة بكميات كبيرة من المواد العضوية والكربون. لكن هذا المخزون الطبيعي يظل معرضا للفقدان، إذ يمكن للحرائق أو تجفيف الأراضي الرطبة أن يطلقا الكربون المخزن فيها إلى الغلاف الجوي.
وتختزن المحيطات بدورها كميات هائلة من الكربون، من خلال ذوبان ثاني أكسيد الكربون في مياه البحر والعمليات البيولوجية المرتبطة بالكائنات البحرية.
لكن الطبيعة تحمل مفارقة مهمة. المخزون الطبيعي للكربون قابل للانقلاب إلى مصدر للانبعاثات.
فالغابة يمكن أن تحترق، والتربة يمكن أن تفقد الكربون المخزن فيها، وقد تعيد الأنظمة البحرية جزءا من الكربون إلى الغلاف الجوي. ولذلك تطرح استعادة النظم البيئية كحل مناخي، لكنها تحتاج إلى حماية طويلة الأمد حتى يبقى الكربون محتجزا.
من المانغروف إلى «المكنسة» العملاقة
تنتقل المجلة بعد ذلك إلى عالم التكنولوجيا.
يطور الباحثون تقنيات لالتقاط ثاني أكسيد الكربون مباشرة من الهواء، فيما يعرف بـ Direct Air Capture، أو الالتقاط المباشر من الهواء. وتقوم الفكرة على تمرير الهواء عبر مواد قادرة على احتجاز CO₂، ثم فصل الغاز وتخزينه أو استخدامه. لكن حجم المشكلة يكشف ضخامة التحدي.
فالإنسان يضيف سنويا عشرات الغيغاطن من ثاني أكسيد الكربون، بينما ما تزال قدرات التقاط الكربون التكنولوجية العالمية محدودة جدا مقارنة بهذا الرقم. كما تحتاج هذه التقنيات إلى الطاقة والمياه والمواد والبنية التحتية، ويجب احتساب الانبعاثات الناتجة عن تشغيلها نفسها.
وتصبح المسألة أكثر تعقيدا عندما نطرح السؤال الأهم: ماذا سيحدث للكربون بعد التقاطه؟
فالتقاط ثاني أكسيد الكاربون CO₂ لا يعني تلقائيا التخلص منه. المطلوب تخزينه لفترات طويلة للغاية، وإلا فقد يعود إلى الغلاف الجوي.
المحيط… حوض هائل أم مختبر مناخي؟
تطرح المجلة أيضا أفكارا تستهدف المحيط، سواء من خلال تعزيز العمليات البيولوجية، أو زراعة الطحالب، أو تغيير بعض العمليات الكيميائية بهدف زيادة قدرة البحر على امتصاص الكربون.
لكن هذه المقاربات تفتح بدورها أسئلة بيئية صعبة.
فالمحيط نظام بالغ التعقيد، وأي تدخل واسع النطاق فيه قد يؤدي إلى تأثيرات غير متوقعة على النظم البحرية. كما أن زيادة امتصاص ثاني أكسيد الكربون لا تعني تلقائيا ضمان تخزينه لآلاف السنين. وهنا يصبح الأثر البيئي للتقنية جزءا من معادلة الحل.
10 غيغاطن… الرقم الذي يغير المعادلة
تستند المجلة إلى تقديرات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) لتوضيح سبب الاهتمام المتزايد بإزالة ثاني أكسيد الكربون. فحتى مع خفض استهلاك الطاقة، وتطوير مصادر منخفضة الكربون، وتحسين عزل المباني، وتغيير أنماط النقل والغذاء، ستظل بعض الانبعاثات صعبة الإزالة، خصوصا في قطاعات مثل الزراعة والطيران وصناعة الإسمنت وبعض العمليات الصناعية.
وتشير السيناريوهات التي تستعرضها المجلة إلى احتمال بقاء ما يصل إلى 10 غيغاطن من ثاني أكسيد الكربون سنويا كـ«انبعاثات متبقية» في بعض المسارات المناخية.
وهذا الرقم يفسر لماذا تتحدث الأوساط العلمية عن الإزالات الكربونية أو الانبعاثات السلبية.
وتنقل المجلة عن كولين رو، المندوبة العامة للجمعية الفرنسية للانبعاثات السلبية (AFEN)، تأكيدها أن الأولوية المطلقة تظل خفض الانبعاثات، مع الحاجة في الوقت نفسه إلى الإزالات الكربونية.
لا توجد وصفة سحرية
تقدم المادة في النهاية صورة أكثر تعقيدا من مجرد البحث عن «تكنولوجيا لإنقاذ المناخ».
فكل تقنية لها كلفتها وشروطها وحدودها: الأرض، المياه، الطاقة، المواد الخام، التأثيرات البيئية، الكلفة الاقتصادية، والأهم مدة تخزين الكربون واستقراره.
وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية التي تستشهد بها المجلة إلى الحاجة إلى التقاط نحو 1.6 غيغاطن من CO₂ سنويا بحلول 2030 من خلال الحلول التكنولوجية في أحد سيناريوهات تحقيق الحياد الكربوني، لترتفع الحاجة إلى نحو 7.6 غيغاطن سنويا ابتداء من 2050، إلى جانب الإزالات الطبيعية.
وهكذا يبدو مستقبل إزالة الكربون أقرب إلى محفظة من الحلول منه إلى تقنية واحدة قادرة على حل المشكلة.
المعركة الحقيقية تبدأ قبل التقاط الكربون
يضع المقال العلمي بمجلة «العلوم والحياة» قضية التقاط الكربون في مكانها الصحيح، كأداة مكملة لخفض الانبعاثات، وليست بديلا عنه.
فكل طن من CO₂ لا يدخل الغلاف الجوي أصلا أسهل وأقل كلفة من محاولة التقاطه بعد انتشاره في الهواء. وكل غابة محفوظة، وكل مانغروف مستعاد، وكل تربة تتم حمايتها، يمكن أن تؤدي وظيفة مناخية مهمة، شرط ألا تتحول هذه النظم إلى مخازن مؤقتة سرعان ما تطلق ما احتجزته.
ويبدو التحدي الأكبر في السنوات المقبلة مزدوجا. هو تقليل الصنبور الذي يضخ الكربون، وتنظيف جزء من الكربون الذي تراكم بالفعل.
وبين الطبيعة والهندسة، وبين الغابات والمحيطات والمفاعلات والمراوح العملاقة التي تسحب الهواء، ستحدد الكفاءة البيئية، وكلفة الطاقة، واستدامة التخزين، وحجم المخاطر أي التقنيات تستطيع الانتقال من المختبر والمشاريع التجريبية إلى نطاق عالمي.
والسؤال الذي تتركه المجلة مفتوحا ربما يتجاوز قدرة الإنسان على التقاط الكربو. هل يستطيع العالم أن يوسع عمليات الإزالة بالسرعة نفسها التي راكم بها الكربون في الغلاف الجوي؟
لأن الساعة المناخية لا تنتظر اكتمال التكنولوجيا.




































