مقال علمي يفتح نقاشا حول أثر الموت في البيئة، ويعيد عادات إسلامية قديمة من منظور بيئي
آفاق بيئية: محمد التفراوتي
يأتي الإنسان إلى الأرض خفيفا، ثم يمضي منها خفيفا. بين الميلاد والرحيل رحلة طويلة يركض خلالها في البراري، ويشق الطرقات، ويبني المدن، ويستهلك الموارد، ويترك وراءه آثارا لا تحصى. وعند نهاية الرحلة، تتوقف الحركة، ويسكن الجسد، وتأتي ساعة الفراق التي يعود فيها الإنسان إلى التراب.
لكن ماذا يحدث بعد ذلك للجسد؟
السؤال يبدو مرتبطا بالموت وحده، غير أن علوم البيئة بدأت تضعه في دائرة أخرى: دائرة الموارد والطاقة والانبعاثات والمواد الكيميائية واستخدام الأرض. فطريقة التعامل مع الجسد بعد الوفاة أصبحت في عدد من المجتمعات جزءا من النقاش حول الأثر البيئي للحياة الإنسانية.
في عددها الأخير، تفتح مجلة Science الفرنسية هذا الملف الحساس من خلال مقال للصحفية Ceri Perkins، المتخصصة في تغطية الطبيعة والعلوم والبيئة، تحت عنوان لافت: «الموت الأخضر». المقال ينطلق من سؤال قد يبدو صادما في بساطته: هل يمكن أن يكون الرحيل عن هذا العالم أقل ضررا بالبيئة؟
السؤال يستحق التوقف، خصوصا من زاوية المجتمعات الإسلامية التي ما تزال تحافظ في معظمها على تقليد دفن يقوم على وضع الجسد مباشرة في التراب، مع كفن بسيط، ومن دون عمليات تحنيط صناعية أو مواد كيميائية أو صناديق معدنية أو طقوس تجارية معقدة.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل: ما تقدمه بعض الابتكارات الغربية اليوم باعتباره اتجاها جديدا نحو «الموت الأخضر» يحمل في جوانب منه ملامح ممارسة إنسانية قديمة ما زالت حاضرة في الدفن الإسلامي.
صناعة الموت واستهلاك الموارد
تكشف المادة المنشورة في مجلة علوم (Science) عن جانب قليل الحضور في النقاش البيئي: صناعة الموت نفسها تستهلك الموارد.
في الولايات المتحدة، تشير الأرقام التي يستند إليها المقال إلى أن حرق جثمان واحد يستهلك طاقة تقارن، وفق التقديرات الواردة، برحلة بالسيارة لمسافة تقارب 800 كيلومتر. كما تطلق محارق الجثامين مئات آلاف الأطنان من ثاني أكسيد الكربون سنويا، فيما يمكن أن يؤدي حرق حشوات الأسنان المحتوية على الأملغم إلى إطلاق الزئبق في الغلاف الجوي.
أما الدفن التقليدي في النموذج الأمريكي، فيرتبط بدوره بكميات كبيرة من المواد. فالمقال يورد أرقاما سنوية تقدر بآلاف الأطنان من النحاس والبرونز، ونحو 100 ألف طن من الفولاذ، و1.5 مليون طن من الخرسانة المسلحة، إضافة إلى أكثر من 70 ألف متر مكعب من الخشب.
الأرقام لا تعني أن كل مجتمع يتعامل مع الموت بالطريقة نفسها. فهذه الممارسات تختلف جذريا بين البلدان والثقافات والأديان. غير أن الصورة العامة تثير سؤالا بيئيا واضحا: هل يحتاج الموت فعلا إلى كل هذه المواد والطاقة؟
المشكلة تتعمق أكثر مع ممارسة التحنيط المنتشرة خصوصا في الولايات المتحدة وبعض البلدان الغربية. فاستبدال دم الجسد بسوائل حافظة تحتوي على الفورمالديهايد يضيف إلى دورة الموت مواد كيميائية ذات مخاطر صحية وبيئية معروفة.
وبذلك يتحول الجسد، في بعض نماذج صناعة الجنائز الحديثة، إلى جزء من سلسلة استهلاك تبدأ بالتجهيز وتنتهي بالتوابيت والقبور والرخام والصيانة الدائمة للمقابر.
الدفن الإسلامي: بساطة تسبق المصطلح
في المقابل، يقدم الدفن الإسلامي نموذجا شديد البساطة في جوهره. غسل الجسد، تكفينه، الصلاة عليه، ثم دفنه في التراب. لا يحتاج هذا المسار في أصله إلى تحنيط كيميائي، ولا إلى تابوت معدني، ولا إلى خرسانة تحيط بالجسد، ولا إلى تجهيزات هدفها المحافظة على مظهره لعشرات الساعات أو الأيام. والجسد، بعد دفنه، يدخل في دورة التحلل الطبيعي التي عرفتها الأرض منذ ظهور الحياة.
هذه البساطة ليست ابتكارا بيئيا حديثا، ولم تنشأ أصلا من حسابات الكربون أو البصمة البيئية. جذورها دينية وإنسانية وثقافية، وتقوم على احترام حرمة الميت والإسراع بدفنه، وعلى إعادة الإنسان إلى أصله الترابي.
ومن منظور بيئي معاصر، تحمل هذه الممارسة خصائص تستحق الدراسة.
فكلما انخفض استعمال المواد الصناعية، تراجعت الطاقة المرتبطة بإنتاجها ونقلها. وكلما غابت المواد الكيميائية الحافظة، انخفض احتمال تسربها إلى التربة والمياه. وكلما كان القبر أكثر بساطة، تراجعت الحاجة إلى الخرسانة والمعادن والأخشاب المصنعة.
وهذا هو أحد أكثر جوانب النقاش إثارة: قد يجد الخطاب البيئي الحديث نفسه أمام ممارسة دينية قديمة تحقق، بصورة طبيعية، عددا من المبادئ التي يبحث عنها اليوم أنصار الدفن المستدام.
من «الدفن الطبيعي» إلى العودة إلى الأصل
تصف الصحفية Ceri Perkins في مقالها اتجاها متناميا في بريطانيا والولايات المتحدة وأوروبا يسمى الدفن الطبيعي.
في هذا النموذج، يلف الجسد في كفن من القطن أو يوضع في صندوق مصنوع من مواد قابلة للتحلل مثل الصفصاف، من دون تحنيط كيميائي أو مستحضرات صناعية. ويدفن الجسد في تربة تسمح للكائنات الدقيقة والفطريات بالمشاركة في تفكيك أنسجته وإعادة عناصره إلى النظام البيئي. الفكرة تبدو حديثة، لكنها في جوهرها عودة إلى صورة قديمة للدفن.
وهنا تحديدا يفرض الدفن الإسلامي نفسه على النقاش البيئي، ليس باعتباره «تقنية خضراء»، فهذا اختزال غير دقيق، وإنما باعتباره نظاما دينيا وثقافيا يقوم في جزء مهم منه على تقليل التدخل الصناعي في الجسد بعد الموت.
المقارنة تحتاج إلى قدر من الحذر أيضا. فالمقبرة الإسلامية التقليدية ليست بالضرورة مقبرة طبيعية بالمعنى الحديث. استخدام الخرسانة، والرخام، والمواد غير القابلة للتحلل، ونقل الموتى لمسافات طويلة، واستهلاك المياه والطاقة في بعض الممارسات الجنائزية، كلها عوامل يمكن أن ترفع الأثر البيئي.
لذلك فالمسألة لا تتعلق بالدين في حد ذاته، وإنما بالمسافة التي تفصل الممارسة اليومية عن المبادئ الأصلية للدفن.
حين تدخل التجارة إلى لحظة الوداع
أكثر ما يلفت في المقال هو النقد الضمني لصناعة الجنائز الحديثة.
فكلما زادت مراحل تجهيز الجسد، ظهرت خدمات ومنتجات جديدة: التحنيط، التوابيت الفاخرة، المعادن، الرخام، الزخارف، الزهور، القبور المشيدة، وصيانة المقابر.
الموت، في هذه الحالة، يدخل في اقتصاد له سوقه ومورده ومستهلكوه. أما الدفن البسيط، فيحتاج إلى موارد أقل بكثير.
وهنا لا ينبغي تحويل النقاش إلى اتهام شامل لصناعة الجنائز أو للعاملين فيها. فالأسرة في لحظة الفقد تبحث غالبا عن أفضل ما تعتقد أنه يليق بالراحل، وقد تكون بعض الاختيارات مرتبطة بعادات اجتماعية راسخة أكثر من ارتباطها بالرغبة في الاستهلاك.
لكن البيئة تفرض سؤالا جديدا: هل كل ما نعتبره ضروريا في الجنازة ضروري فعلا؟
من النار إلى الماء… ثم إلى التربة
تستعرض المجلة بدائل أخرى ظهرت في الغرب.
هناك التحويل إلى سماد بشري، حيث يوضع الجسد في بيئة مضبوطة من المواد النباتية والرطوبة والأكسجين والحرارة، وتتكفل الكائنات الدقيقة بعملية التحلل خلال أسابيع. وهناك التحلل المائي القلوي أو ما يعرف بالأكوماشن، حيث يستخدم الماء ومحلول قلوي وحرارة وضغط لتفكيك الأنسجة، مع الاحتفاظ بالعظام التي تعالج لاحقا بطريقة شبيهة بما يحدث في حرق الجثامين.
تقدم هذه التقنيات نفسها بوصفها خيارات أقل استهلاكا للطاقة وأقل إنتاجا للانبعاثات من الحرق التقليدي. لكنها في الوقت نفسه تفتح أسئلة دينية وأخلاقية وثقافية عميقة. هل يمكن اختزال علاقة الإنسان بجسده بعد الموت في حسابات الطاقة والكربون؟ هل كل طريقة أقل انبعاثا تصبح بالضرورة مقبولة اجتماعيا؟ وهل يمكن أن نضع الكفاءة البيئية فوق الاعتبارات الدينية والثقافية التي تحدد معنى الموت وحرمة الجسد؟ الجواب يحتاج إلى احترام تعدد المرجعيات. البيئة معيار مهم، لكنها ليست المعيار الوحيد في مسألة شديدة الارتباط بالكرامة والمعتقد والهوية.
المسلمون أمام سؤال بيئي أيضا
قد يبدو الحديث عن «الموت الأخضر» بعيدا عن المجتمعات الإسلامية، لكنه في الحقيقة يفتح أمامها بابا للنقاش.
فالمطلوب ليس البحث عن طريقة جديدة للموت، وإنما مراجعة بعض العادات التي رافقت الدفن مع مرور الزمن.
هل نحتاج إلى الإسراف في الرخام؟ هل تحتاج المقابر إلى كميات كبيرة من الخرسانة؟ هل ينبغي أن تتحول المقابر إلى فضاءات تستهلك كميات متزايدة من الماء؟
هل يمكن اعتماد مساحات خضراء مدروسة، وأنواع نباتية محلية قليلة الاحتياجات المائية، بدل الحدائق التي تستنزف الموارد؟ وهل يمكن الحد من مسافات نقل الموتى، خصوصا في المدن الكبرى، عندما لا تكون هناك ضرورة لذلك؟ هذه الأسئلة لا تمس جوهر الشعيرة، وإنما تتعلق بالممارسات المحيطة بها.
ومن هذه الزاوية، يمكن للبيئة أن تدفع المجتمعات الإسلامية إلى العودة إلى مبدأ البساطة، لا إلى استيراد نماذج جنائزية جديدة.
الجسد في نهاية الرحلة
ثمة شيء شديد الرمزية في أن يصبح الجسد، بعد سنوات من الاستهلاك والإنتاج والسفر والعمل، جزءا من دورة طبيعية لا تحتاج إلى الكثير.
الإنسان الذي عاش فوق الأرض يعود إلى الأرض.
المادة العضوية التي شكلت جسده تعود إلى عناصرها.
والماء الذي كان جزءا من حياته يعود إلى الدورة المائية.
والعناصر المعدنية تدخل مجددا في دورة الطبيعة.
هذه هي فلسفة الموت الأخضر في أبسط صورها: تقليل المسافة بين الموت والطبيعة.
غير أن الطريق إلى ذلك لا يمر بالضرورة عبر تقنيات جديدة ومعقدة. أحيانا قد يبدأ من سؤال أبسط: ماذا لو جعلنا الدفن أكثر بساطة؟
قد تكون الإجابة موجودة منذ قرون، في كفن بسيط، وقبر من تراب، ودعاء قصير، ثم ترك الطبيعة تقوم بدورتها.
وهنا تكمن المفارقة التي يثيرها مقال الصحفية Ceri Perkins. بينما يبحث جزء من العالم اليوم عن تقنيات حديثة لإعادة الجسد إلى الطبيعة بأقل كلفة بيئية، ما تزال تقاليد إسلامية واسعة تحتفظ بممارسة جوهرها قائم على الفكرة نفسها.
الموت لا يحتاج إلى أن يكون أخضر بالضرورة. ربما يحتاج فقط إلى أن يكون أقل ابتعادا عن الطبيعة.



































