آفاق بيئية – محمد التفراوتي
كان مساء الأربعاء 12 غشت 2026 مختلفا عن باقي أمسيات الصيف في المغرب. فقبل أن تغيب الشمس بنحو ساعة ونصف، حسب موقع الرصد، بدأ قرصها يفقد شيئا فشيئا من استدارته، بينما كان القمر يتقدم في مساره ليحجب جزءا من ضوئها، في مشهد فلكي استثنائي شد أنظار المغاربة من شمال المملكة إلى جنوبها.
يعد المشهد ظاهرة فلكية، تحول فيها الكسوف الجزئي إلى لحظة تأمل في السماء، حيث تابع الناس تغير شكل الشمس وتدرج الحجب، في عرض كوني بديع جعل العيون معلقة بالأفق، واستحضر لدى كثيرين عظمة الخالق ودقة النظام الكوني وقدرته التي لا تحد.
في أكادير، حيث التقط ااباحث في علم الفلك للاستاذ إراهيم جبيل هذه الصور، كان المشهد أكثر شاعرية. فقد كانت السحب تمر من حين إلى آخر فتحجب الشمس جزئيا، ثم تنسحب لتكشف من جديد عن قرصها وقد بدأ القمر يحجب جزءا منه تدريجيا.
وعند حدود الساعة السابعة ودقيقة، بدأ المشهد يأخذ شكله اللافت، حين ظهر القمر وهو يتقدم أمام الشمس، ليبدأ مسلسل الحجب الذي سيبلغ ذروته قبل أن تقترب الشمس من الأفق الغربي.
كانت لحظات تستحق التأمل.
من قرص كامل إلى هلال مضيء
توثق الصور الملتقطة من مدينة أكادير مراحل مختلفة من الكسوف.

في الصورة الأولى، يظهر القمر وقد بدأ يحجب القرص الشمسي، حيث يبدو جزء من القمر متقدما على حافة الشمس من الأسفل في اتجاه اليمين، في بداية واضحة لعملية الحجب.

أما الصورة الثانية، فتظهر الشمس وقد أصبحت على هيئة هلال مضيء وسط سماء تداخلت فيها السحب، في مرحلة متقدمة من الكسوف، بينما أضفت الغيوم المحيطة بها على المشهد طابعا بصريا مميزا.

وفي الصورة الثالثة، نصل إلى اللحظات الأخيرة من الظاهرة في أكادير، قبيل غروب الشمس، حين بدا الجزء المضيء من القرص أكثر نحولا، فيما كانت الشمس تقترب من الأفق الغربي وهي ما تزال مكسوفة.
وهكذا لم يكن غروب الشمس في ذلك المساء غروبا عاديا. فقد غابت وهي تحمل معها آخر مشاهد كسوف جزئي تابعه المغاربة في سماء صيفية استثنائية.
كسوف شمل المملكة من شمالها إلى جنوبها
عرفت المملكة المغربية، يوم 12 غشت، كسوفا جزئيا للشمس بنسب متفاوتة حسب المناطق. وكانت الظاهرة أكثر وضوحا في شمال المملكة، بينما تراجعت نسبة الاحتجاب كلما اتجهنا جنوبا.
وسجلت طنجة أعلى نسبة احتجاب، بلغت نحو 91.97%، تلتها وجدة بـ 88.53%، والرباط بـ 82.53%، فيما بلغت النسبة حوالي 79.30% في أكادير و79.20% في مراكش، لتتراجع إلى نحو 69.80% في العيون و59.98% في الداخلة.
وفي الوقت الذي شاهد فيه المغاربة الكسوف جزئيا، مر مسار الكسوف الكلي خارج المملكة، عبر شمال المحيط الأطلسي وصولا إلى شمال إسبانيا وجزر البليار.
إبراهيم جبيل: صور أكادير توثق رحلة القمر أمام الشمس
وفي تعليقه على الظاهرة والصور التي وثقت مراحلها بمدينة أكادير، أوضح الباحث في علم الفلك الأستاذ إبراهيم جبيل أن الكسوف الجزئي يحدث عندما يقع القمر بين الأرض والشمس على استقامة واحدة، فيحجب جزءا من ضوء الشمس عن منطقة من سطح الأرض.
وأشار إلى أن ما ظهر في الصور من تغير تدريجي في شكل الشمس يعكس الحركة الظاهرية للقمر أمام القرص الشمسي، إذ بدأ الحجب بجزء محدود من القرص، ثم اتسع تدريجيا، قبل أن يتراجع مع مواصلة الأجرام السماوية حركتها.
وبخصوص صور أكادير، أوضح جبيل أن الصورة الأولى تمثل بداية مرحلة الحجب، حيث يظهر القمر وهو يلامس حافة القرص الشمسي، بينما توثق الصورة الثانية مرحلة متقدمة من الكسوف، حين أصبحت الشمس في هيئة هلال مضيء. أما الصورة الثالثة، فتكتسب، حسبه، خصوصية إضافية لأنها التقطت قبيل غروب الشمس، وهو ما جعل الشمس المكسوفة تبدو أكثر إثارة وهي تقترب من الأفق الغربي.
وأضاف أن وجود السحب في سماء أكادير، رغم أنه كان يحجب الشمس بين الفينة والأخرى، أضفى على المشهد طابعا بصريا مميزا، خصوصا في اللحظات التي كانت تنكشف فيها الشمس من جديد بين طبقات الغيوم.
حين يصبح الكسوف مناسبة للحديث عن علم الفلك في أكادير
غير أن هذا المشهد الجميل أعاد، في الوقت نفسه، طرح سؤال أعمق حول واقع ممارسة علم الفلك وهوايته في مدينة أكادير.
وفي هذا السياق، لفت الباحث إبراهيم جبيل إلى أن الفلكيين الهواة يواجهون عدة صعوبات، تبدأ من محدودية توفر التلسكوبات والمناظير الفلكية ومستلزماتها في المدينة، وهو ما يحد من انتشار هذه الهواية العلمية بين الشباب واليافعين.
ويرى جبيل أن الاهتمام بالهوايات العلمية النافعة يمكن أن يسهم في تطوير مهارات الشباب وتوسيع معارفهم، كما يوفر لهم مجالات إيجابية لاستثمار أوقاتهم واكتشاف ميولاتهم العلمية.
ويشكل غياب نظارات الكسوف المخصصة، حسب الباحث، مثالا واضحا على هذا الإشكال، خصوصا خلال الظواهر الفلكية التي تجذب اهتمام الجمهور، حيث يصبح توفر وسائل الرصد الآمنة جزءا أساسيا من نشر الثقافة الفلكية وتشجيع الناشئة على متابعة هذه الظواهر بطريقة علمية وسليمة.
ولا تتوقف الصعوبات عند المعدات، إذ يشير جبيل أيضا إلى غياب فضاءات متخصصة لممارسة هذه الهواية في أكادير، مثل مرصد فلكي أو قبة سماوية محاكاتية أو متحف مخصص لعلم الفلك.
ومن شأن مثل هذه الفضاءات، في نظره، أن تجعل علم الفلك أقرب إلى الجمهور، وأن توفر للأطفال واليافعين والشباب فرصة للتعلم والمشاهدة والتجربة، بدل أن تظل الظواهر الفلكية الكبرى مجرد أحداث عابرة يشاهدونها من خلال الصور ومقاطع الفيديو.
ماذا عن علماء الفلك في الحضارة المغربية؟
ويرتبط هذا النقاش، كما يؤكد جبيل، أيضا بالحاجة إلى تعريف الأجيال الجديدة بتاريخ إسهام الحضارة الإسلامية في علم الفلك، وبالأخص إسهامات العلماء الذين ازدهرت أعمالهم في الغرب الإسلامي.
ويعبر الباحث عن أسفه لأن الحديث عن تاريخ علم الفلك في الحضارة الإسلامية كثيرا ما يمر دون أن يحظى العلماء المغاربة بما يستحقونه من حضور وتعريف، رغم ما قدمه علماء الغرب الإسلامي من إسهامات في الرصد والحساب وصناعة الآلات الفلكية وتطوير المعرفة بالسماء وحركات الأجرام.
ومن هنا، فإن إنشاء متحف لعلم الفلك في الغرب الإسلامي في مدينة أكادير، أو فضاء علمي يعرف الناشئة بتاريخ هذا التراث، يمكن أن يكون أكثر من مجرد مشروع ثقافي. فقد يتحول إلى وسيلة لربط الأجيال الجديدة بتاريخها العلمي، وتشجيعها في الوقت نفسه على النظر إلى المستقبل والانخراط في العلوم الحديثة.
فالفلك فضلا عن كونه مراقبة للنجوم والكواكب، فهو بوابة إلى الرياضيات والفيزياء والهندسة والتكنولوجيا، وإلى فضول علمي يبدأ أحيانا من سؤال بسيط يطرحه طفل وهو ينظر إلى السماء.
لحظة كونية مرت من سماء المغرب
ما حدث في 12 غشت كان موعدا قصيرا بين الأرض والقمر والشمس، شاهده المغاربة في سماء واحدة، وإن اختلفت درجة الاحتجاب من مدينة إلى أخرى.
وفي أكادير، امتزج الكسوف بالسحب والأفق الأطلسي واقتراب الغروب، ليمنح المشاهد لوحة طبيعية نادرة. شمس تتوارى تدريجيا خلف القمر، ثم تواصل رحلتها نحو الأفق، وكأن السماء نفسها كانت تكتب فصلا قصيرا من حكاية كونية عمرها مليارات السنين.
ومع غروب الشمس، انتهى المشهد بهدوء كما بدأ… لكن الصور بقيت شاهدة على تلك اللحظات التي بدا فيها قرص الشمس مختلفا، وعلى مساء صيفي مغربي تحولت فيه السماء إلى مسرح مفتوح للتأمل في دقة الكون وجماله.
وربما كانت أجمل رسالة تركها هذا الكسوف هي أن السماء يمكن أن تكون أيضا مدرسة مفتوحة؛د. تحتاج فقط إلى من يوجه أعين الناشئة إليها، ويوفر لهم الأدوات والفضاءات والمعرفة التي تجعل من لحظة النظر إلى الشمس أو القمر بداية لشغف علمي قد يستمر مدى الحياة.
الصور: إبراهيم جبيل – أكادير / آفاق بيئية

































