ضيف الشرفة.. أرنب الطفولة يستيقظ من ذاكرة الوجع

محمد التفراوتيمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
ضيف الشرفة.. أرنب الطفولة يستيقظ من ذاكرة الوجع

مكناس: محمد التفراوتي

ألفت وقوف الحمام على مشارف نافذة غرفة نومي، فيما تنساب زقزقة الطيور في الأرجاء، فتمنح صباحاتي نكهة خاصة من الألفة والسكينة. غير أن صباحا مختلفا باغتني، حين وجدت حمامة زاجلة في شرفة المنزل، مطأطئة الرأس ومتوجسة، على غير عادتها وكأنها تستشعر خطرا في كل حركة أو اقتراب.

لم تكن الحمامة تقوى على الطيران. اقتربت منها بحذر، وتأملت جسدها الصغير، قبل أن أكتشف أن جناحها الأيسر مصاب بكسر يمنعها من التحليق. بدا لي أنها لم تعد تملك سوى الاستسلام لضعفها، والبحث عن ركن آمن يحميها مما يتهددها في الخارج.

أخبرت أفراد الأسرة أن ضيفا حل ببيتنا، وربما يطول مقامه بعض الوقت، وأوصيتهم بتوفير الطعام والماء له، وتجنب إزعاجه أو الاقتراب منه بما قد يزيد خوفه. وبعد استشارة مختص، اطمأننت إلى أن الشفاء ممكن، عقب تشخيص دقيق للإصابة وتحديد سبل العناية المناسبة.

علمت أن الحمامة تعرضت لاعتداء من صقر، فنجت بنفسها بصعوبة، ولجأت إلى شرفة منزلنا، المطلة على الشارع، طلبا للأمان. عندها أدركت أن هذه المساحة الصغيرة التي اعتدنا المرور بها من دون انتباه، تحولت بالنسبة إليها إلى ملاذ في مواجهة خطر لم تكن تملك وسيلة لمقاومته.

أوصيت بتقليل حركة أفراد الأسرة في الشرفة، حتى لا تشعر الحمامة بمزيد من التوجس. فقد كان يكفيني أن أراها تستقر في مكانها، وأن أطمئن إلى أنها تأكل وتشرب، وأن إصابتها لن تحرمها فرصة استعادة عافيتها.

لكن هذه الحمامة الضيفة أعادتني، على نحو مفاجئ، إلى زمن بعيد، إلى طفولتي الأولى، حين ارتبط وجداني بحيوان صغير احتل مكانة خاصة في قلبي: أرنب رمادي اللون، سريع الخطى، خفيف الحركة، يقفز هنا وهناك بشقاوة ودلال، وكأنه يملأ البيت حياة ومرحا.

كنت شديد التعلق به، أراقب حركاته وأداعب وبره الناعم، ولا يغيب عن ناظري إلا حين أذهب إلى مدرسة الحي، مدرسة ابن عاشر، بالدار الكبيرة، في حي المشور بمدينة مكناس. كان جزءا من يومي ورفيقا لخيالي الطفولي، أحيطه بعناية تفوق ما يمكن أن يتصوره الكبار من علاقة طفل بحيوان أليف.

وإلى اليوم، لم يغادر ذلك الأرنب ذاكرتي. فمن خلاله تعلمت، من دون دروس أو مواعظ، كيف تنشأ علاقة وجدانية بين الإنسان وكائن صغير لا يتحدث لغته، لكنه يبادله الألفة بطريقته الخاصة، ويستجيب لحنانه بحركاته ونظراته وحضوره الصامت.

غير أن طفولتي عرفت أيضا لحظة قاسية لم أستطع تجاوزها بسهولة.

ذات صباح، اكتشفت والدتي أن أرنبي قد عبث بأحد أغطية الأسرة، فقضمه ومزقه. خفت عليه من غضب والدي، فسارعت إلى التوسل إلى أمي، محاولا استمالة قلبها، ومخاطبا أرنبي ذي الأذنين الطويلتين، وكأنني أعاتبه وأستعطفه في الوقت نفسه، وأوصيه بألا يكرر مخالفاته لقواعد السلم الأسري!

كنت أتحدث إليه، فيرفع أذنيه إلى الأعلى، ويفتح عينيه اللامعتين، فأتوهم أنه يصغي إلي ويفهم كل ما أقوله. وكلما عاد إلى شقاوته، وجدت نفسي أستعطف والدتي كي تسامحه، وأبحث له عن عذر يجنبه العقاب.

لكن والدي لم يمهله هذه المرة. فقد وجد في تلك المخالفة مبررا لإنهاء وجوده في البيت، مستغلا غيابي أنا وأخي في المدرسة. استل سكينه وذبح الأرنب، ثم سلخه كما تسلخ الخراف.

وحين علمت بالخبر، لم أتمالك نفسي. أخذت أصرخ وأردد بحرقة: «الله، الله، الله!» وكأنني أستغيث وأحتج على ما حدث، عاجزا عن استيعاب أن رفيقي الصغير قد اختفى من حياتي بتلك القسوة، ومن دون أن أودعه أو ألمس وبره الناعم للمرة الأخيرة.

تواصل صياحي، وكانت عبارة «الله، الله، الله!» تتردد على لساني، محملة بوجع طفل لم يجد الكلمات التي تسع حزنه، ولم يفهم كيف انتهت حياة كائن أحبه إلى هذا الحد، بينما كان غائبا عن البيت، مطمئنا إلى أنه سيعود من المدرسة ليجده في انتظاره، يقفز هنا وهناك كما ألفه.

بلغ بي الانفعال مبلغا جعل والدتي تخجل أمام وقع انكساري، وربما شعر والدي أيضا بالحرج وهو يرى أثر فعلته في نفس طفل لم يكن يتوقع أن يكون فراق أرنب بهذه القسوة عليه. لم تكن صرخاتي مجرد احتجاج على فقدان حيوان أليف، بل كانت صرخة عفوية في وجه فقد لم أكن مستعدا له، واحتجاجا طفوليا على قرار لم أملك القدرة على تغييره.

لم أستطع يومها إنقاذ أرنبي، ولم تتح لي حتى فرصة وداعه. ومنذ تلك اللحظة، كلما وقعت عيناي على أرنب، تسلل إلي حزن قديم، وعادت صورة صديق طفولتي الذي غاب فجأة، من دون إنذار أو فرصة أخيرة للمداعبة.

ربما لهذا السبب تحديدا، أثار مشهد الحمامة الجريحة في شرفتي كل تلك المشاعر الراقدة في الذاكرة. لم أعد أرى أمامي مجرد طائر عاجز عن الطيران، بل رأيت كائنا ضعيفا استجار ببيتنا، ووضع ثقته في فضائنا الصغير، من دون أن يعرف عنا سوى أن هذا المكان قد يمنحه فرصة للنجاة.

وحين اقترح بعضهم، بشهية لا ترى في الحمامة سوى وجبة محتملة، أن تتحول ضيفتنا إلى طبق على المائدة، شعرت بأن مشاهد الطفولة كلها قد عادت دفعة واحدة. استحضرت أرنبي الرمادي، وشقاوته، وأذنيه المنتصبتين، ثم تلك النهاية التي حرمت فيها حتى من فرصة الوداع.

كيف يمكن أن أخون ضيفا لجأ إلى بيتنا طلبا للأمان؟ وكيف أستقبل كائنا جريحا، وأوفر له الطعام والماء، وأنتظر شفاءه، ثم أسمح بتحويل ضعفه إلى فرصة لإشباع شهية عابرة؟

لم يكن الأمر يتعلق بحمامة وحدها، ولا بذكرى أرنب مضى منذ سنوات طويلة. كان الأمر يتعلق بمعنى الضيافة، وبالحد الفاصل بين امتلاك القوة واستعمالها، وبين القدرة على إيذاء كائن أعزل والقدرة على حمايته.

فالحمامة التي تقيم اليوم في شرفتنا لا تعرف أن وراء هذا الاهتمام قصة طفل فقد أرنبه ذات يوم، ولا تدرك أن جناحها المكسور أعاد فتح جرح قديم. لكنها، بحضورها الصامت، منحتني فرصة أخرى لأفعل ما لم أستطع فعله في طفولتي: أن أحمي كائنا صغيرا من مصير قد يقرره الآخرون نيابة عنه.

لن أسمح بأن تتحول ضيافتها إلى خداع، ولا أن يصبح عجزها عن الطيران مبررا للاستيلاء على حياتها. ستبقى ضيفة حتى تستعيد عافيتها، وتسترد قدرتها على التحليق، وتغادر شرفتنا متى استطاعت، إلى السماء التي تنتمي إليها.

أما أنا، فسأظل أراقبها بقلق المحب، وأتمنى لها الشفاء، وأرجو أن يأتي صباح أراها فيه تحرك جناحيها، ثم تنطلق بعيدا، حرة كما ينبغي لكل طائر.

لعلها حين تغادر، لن تأخذ معها سوى أيام نقاهة قصيرة، لكنها ستترك في نفسي معنى أعمق: أن الرحمة التي نقدمها لكائن ضعيف ليست منة عليه، بل امتحان لما تبقى فينا من إنسانية.

فالضيف الذي يطرق بابك طلبا للأمان، لا يجوز أن يتحول إلى فريسة على مائدتك.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!