أزمة ديون الجنوب العالمي تحبط الطموح المناخي

محمد التفراوتي7 ديسمبر 2023آخر تحديث :
أزمة ديون الجنوب العالمي تحبط الطموح المناخي

آفاق بيئية : ماريا فرناندا إسبينوزا * ؛ ريشيكيش رام بهانداري* 

مدريد/بوسطن ــ سوف يكون مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ (مؤتمر الأطراف الثامن والعشرون COP28) هذا العام، المنعقد حاليا في دبي، حاسما في تفعيل صندوق الخسائر والأضرار الذي أُنشئ في مؤتمر الأطراف السابع والعشرين (COP27)، لأن الحكومات يجب أن تتفق على كيفية تشغيل الصندوق الجديد وتمويله. ولكن على ذات القدر من الأهمية يأتي “التقييم العالمي” الأول، الذي سيقيم التقدم الذي أحرزته البلدان نحو تحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ لعام 2015.

جاء التقرير الأولي بشأن “التقييم العالمي”، الذي صدر في أكتوبر/تشرين الأول، مخيبا للآمال، في حين وجد أحدث تقرير حول آفاق الطاقة العالمية والصادر عن وكالة الطاقة الدولية أن مستويات ثاني أكسيد الكربون العالمية لم تبلغ ذروتها بعد. وهذا يعني ضمنا أننا يجب أن نعمل على تسريع عملية التحول إلى الطاقة النظيفة وخفض الانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري الكوكبي على وجه السرعة إذا كنا راغبين في تحقيق أهدافنا المناخية. ولكن في حين أن هذا يتطلب دون أدنى شك سد فجوة تمويل العمل المناخي الهائلة، فيتعين على صناع السياسات أن يتغلبوا على ضائقة الديون السيادية الواسعة الانتشار.

تشير تقديرات مشروع تخفيف أعباء الديون من أجل التعافي الأخضر الشامل، التي استندت إلى بيانات مستمدة من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وصندوق النقد الدولي، إلى أن 69 دولة تحتاج إلى تخفيف فوري لأعباء الديون، منها 61 دولة مدينة بما لا يقل عن 812 مليار دولار من الديون التي يجب أن تُـعاد هيكلتها عبر جميع فئات الدائنين. علاوة على ذلك، أشارت حسابات دراسة صادرة عن صندوق النقد الدولي إلى أن سبع دول فقط، من أصل 29 دولة منخفضة الدخل قدمت تقديرات حول احتياجات التكيف، لديها حيز مالي كاف لتلبية هذه الاحتياجات وتحقيق أهداف خفض الانبعاثات، والمعروفة أيضا بمسمى المساهمات المحددة وطنيا. ومع توقع زيادة تكاليف خدمة الديون في عام 2024، فإن إنفاق عدد كبير من البلدان على أقساط الفائدة سيفوق إنفاقها على الصحة أو التعليم.

ما دامت أزمة الديون في الجنوب العالمي مستمرة، فلن تتمكن أسواق ناشئة واقتصادات نامية عديدة من الاستثمار في التنمية المنخفضة الكربون على نحو يراعي عدم التمييز بين الجنسين. وهذا بدوره من شأنه أن يجعل هذه البلدان أكثر عُرضة للصدمات المناخية وعدم الاستقرار المالي، كما قد يحول دون تحقيق هدف الحد من زيادة درجات الحرارة العالمية بسبب الانحباس الحراري الكوكبي بما لا يتجاوز 1.5 درجة مئوية، وهو الهدف الذي حدده اتفاق باريس للمناخ.

لمعالجة علاقة الارتباط بين الديون والمناخ في مؤتمر الأطراف الثامن والعشرين وما بعده، ينبغي لصناع السياسات التركيز على ثلاثة أهداف: عملية أكثر شمولا وكفاءة لإعادة هيكلة الديون؛ ومزيد من التمويل الميسر؛ وتوسيع حجم واختصاصات بنوك التنمية المتعددة الأطراف.

بادئ ذي بدء، يجب إصلاح الإطار المشترك لمجموعة العشرين لضمان تأهل جميع البلدان المعرضة لمخاطر المناخ، بما في ذلك البلدان المتوسطة الدخل، لمعالجة الديون. ورغم أن الإطار المشترك بدأ في توفير خطط تخفيف أعباء الديون، فإن صفقات إعادة هيكلة الديون الأخيرة كانت متواضعة في نطاقها وجاءت على حساب مفاوضات مطولة لم تُـفـض إلا إلى تفاقم المشكلة. يجب أن تضمن الصفقات في المستقبل اتخاذ تدابير تخفيف كبيرة تساعد على تمكين البلدان من دفع عجلة النمو الاقتصادي وتحقيق الأهداف المناخية، بدلا من مجرد إعادتها إلى مستويات التقشف السابقة أو مساعدتها على تجنب الأزمة التالية.

ثانيا، أصبحت الحاجة إلى المزيد من التمويل الميسر الآن أشد وضوحا من أي وقت مضى. في أكتوبر/تشرين الأول، في إطار الاجتماعات السنوية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي في مراكش، أشارت مديرة صندوق النقد الدولي الإدارية كريستالينا جورجييفا إلى أن أسعار الفائدة كانت في “حقبة الأعلى لفترة أطول“. ويأتي هذا في ذات الوقت حيث يتعين على البلدان التعجيل بنشر مصادر الطاقة المتجددة، التي تتسم بحساسية شديدة لتكلفة رأس المال. علاوة على ذلك، تبين أن التعرض للمخاطر المناخية يدفع تكلفة الديون إلى الارتفاع ويقيد القدرة على الوصول إلى التمويل.

لكن الحيز متاح لزيادة التمويل الـمُـيَـسَّـر. خلال الفترة من عام 2021 إلى عام 2022، شكلت الديون والمنح منخفضة التكلفة على مستوى المشاريع 11% فقط من إجمالي تمويل العمل المناخي، وفقا لمبادرة سياسة المناخ. وقد أشار البنك الدولي، كجزء من مبادرته بعنوان “خريطة طريق التطور”، إلى أنه يعتزم توسيع الإقراض الميسر إلى ما هو أبعد من البلدان الأكثر فقرا ليشمل تمويل الاستثمارات المناخية الضرورية. يتعين على بنوك التنمية المتعددة الأطراف الأخرى أن تحاكي هذا النهج، وينبغي للمساهمين فيها أن يضخوا مزيدا من رأس المال لتسهيل ذلك، حتى يتسنى للحكومات الوصول إلى التمويل الميسر الذي لا يزاحم أولويات أخرى.

علاوة على ذلك، يجب أن تصبح بنوك التنمية المتعددة الأطراف أكبر حجما وأفضل تجهيزا لتوفير التمويل المنخفض التكلفة والطويل الأجل الذي تحتاج إليه البلدان المعرضة للمخاطر المناخية. ورغم أن البنك الدولي اتخذ خطوة في هذا الاتجاه من خلال تنفيذ تدابير لتحسين ميزانيته العمومية على النحو الأمثل لزيادة حجم قروضه بنحو 50 مليار دولار على مدار السنوات العشر المقبلة، فإن هذا لا يكفي. ينبغي لبنوك التنمية المتعددة الأطراف الأخرى أن تعكف على وضع خطط ملموسة لزيادة رأس المال، وعند عرض هذه الخطط على مجالس إداراتها، يجب أن تحدد الخطوط العريضة للكيفية التي يساعد بها ضخ الأموال الجديدة في تمكينها من توفير التمويل المنخفض التكلفة للبلدان النامية والقيام برهانات أكثر جرأة على الاستثمارات التحويلية.

بالإضافة إلى زيادة قدرتها على الإقراض، يتعين على بنوك التنمية المتعددة الأطراف أن تعمل على إصلاح بنية الديون. على سبيل المثال، وضع البنك الدولي في المقدمة فقرة وقف سداد الديون في اتفاقيات الإقراض الجديدة والقائمة والتي تسمح لخمس وأربعين جزيرة صغيرة ودولة تواجه أحداثا تجعلها مؤهلة بتأجيل سداد أقساط الفوائد وأصل القرض. لكن القروض المقدمة إلى كل البلدان المقترضة يجب أن تتضمن مثل هذا الشرط. سيكون من مصلحة المساهمين في بنوك التنمية المتعددة الأطراف أيضا تحسين عملية إعادة هيكلة الديون: ذلك أن أزمة الديون الممتدة تعني ببساطة أن بنوك التنمية المتعددة الأطراف سوف تحتاج إلى توفير التمويل الميسر لفترة أطول، نظرا لارتباطه بمؤشرات الدين.

من المؤكد أن “التقييم العالمي” في مؤتمر الأطراف الثامن والعشرين سيجد أن العالم بعيد بدرجة كبيرة عن تحقيق أهداف اتفاق باريس. لا شك أن التحرك السريع ــ عبر تمويل العمل المناخي، وتنسيق السياسات العالمية، ونشر الطاقة المتجددة ــ مطلوب، لكن المستويات المرتفعة من الديون تحول دون تحقيق هذه الغاية. من الحقائق التي تنبئنا بالكثير أن مِـصر، الدولة التي استضافت مؤتمر الأطراف في العام الماضي، أشارت صراحة في مساهمتها المحددة وطنيا المنقحة إلى أن مدفوعات خدمة الديون كانت سببا في الحد من طموح البلاد في ما يتصل بالعمل المناخي.

يتعين على حكومات مجموعة العشرين والمؤسسات المالية الدولية أن تعترف بأن أعباء الديون الثقيلة قد تؤدي إلى تفاقم أزمة المناخ. وعلى الرغم من أهمية تعبئة الموارد المالية على نطاق غير مسبوق، إلا أن هذا الجهد لابد أن يستكمل بتدابير لمعالجة أعباء الديون السيادية الثقيلة. ويحدونا الأمل في أن يعمل “التقييم العالمي”، من خلال إرغام صناع السياسات على مواجهة التقدم العالمي البطيء إلى حد خطير نحو خفض الانبعاثات إلى الصفر في مؤتمر الأطراف الثامن والعشرين، على توليد الإرادة السياسية والثقة اللازمة في التصدي لمشكلتي ضائقة الديون والانحباس الحراري الكوكبي المتشابكتين.

ترجمة: إبراهيم محمد علي           

* ماريا فرناندا إسبينوزا رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة سابقا، تشغل حاليا منصب المدير التنفيذي لمنظمة GWL Voices، وهي الرئيسة الـمُـشارِكة لمشروع تخفيف الديون من أجل التعافي الأخضر الشامل. ريشيكيش رام بهانداري المدير المساعد لمبادرة الحوكمة الاقتصادية العالمية في مركز سياسات التنمية العالمية في جامعة بوسطن.

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2023.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!