من أجل حملة انتخابية ذات بصمة بيئية مسؤولة
السيدات والسادة الأمناء العامون والكتاب الأول ورؤساء الأحزاب السياسية،
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تستعد الأحزاب السياسية لعرض برامجها واختياراتها أمام المواطنين، وطرح تصوراتها لمستقبل البلاد وأولوياتها الاقتصادية والاجتماعية والتنموية.
وفي خضم هذا التنافس الديمقراطي، تظل البيئة في حاجة إلى موقع أكثر وضوحا داخل النقاش السياسي، باعتبارها قضية ترتبط مباشرة بالماء والغذاء والصحة والاقتصاد والطاقة والعدالة المجالية وفرص الشغل ومستقبل الأجيال القادمة.
من هنا تأتي هذه الرسالة المفتوحة، ليس للدعوة إلى تبني شعار بيئي إضافي داخل البرامج الانتخابية، وإنما إلى جعل البيئة جزءا من الممارسة السياسية نفسها، ومن سلوك الأحزاب خلال الحملة الانتخابية.
الحملة الانتخابية نفسها لها بصمة بيئية
كل حملة انتخابية تستهلك موارد وتنتج أثرا بيئيا: أوراق ومنشورات وملصقات، لافتات ومواد دعائية، تنقلات واجتماعات وإنارة واستهلاك للطاقة، فضلا عن النفايات التي يمكن أن تخلفها التجمعات والأنشطة الميدانية.
لذلك، فإن الحزب الذي يتحدث عن حماية البيئة مطالب بأن يجعل حملته الانتخابية منسجمة مع هذا الخطاب.
فهل يمكن أن نتصور حملات انتخابية تقلل استعمال الورق، وتحد من المواد الدعائية ذات الاستعمال الواحد، وتعتمد أكثر على الوسائط الرقمية، وتعمل على جمع مخلفات الملصقات واللافتات بعد انتهاء الحملة؟
وهل يمكن للأحزاب أن تعلن، بكل شفافية، عن البصمة البيئية لحملاتها الانتخابية، وأن تقدم للمواطنين تصورا واضحا لكيفية تقليصها؟
من الخطاب البيئي إلى الالتزام
المواطن اليوم في حاجة إلى معرفة ما الذي ستفعله الأحزاب فعليا في مواجهة ندرة المياه، وتدهور التنوع البيولوجي، والتلوث، وتغير المناخ، وتدهور التربة، والضغط المتزايد على السواحل والموارد البحرية.
لكن الأهم أن يرى المواطن هذه الالتزامات في الممارسة.
يمكن لكل حزب أن يضع لنفسه، خلال الحملة، مجموعة من المبادئ البيئية الواضحة:
تقليص استعمال الورق والمواد الدعائية غير الضرورية.
الحد من المواد البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد خلال الأنشطة والتجمعات.
اعتماد حلول لإعادة استعمال أو تدوير المواد الانتخابية.
ترشيد استهلاك الطاقة في المقرات واللقاءات.
تشجيع التنقل الجماعي وتقليص التنقلات غير الضرورية.
الحفاظ على نظافة الفضاءات التي تحتضن التجمعات والأنشطة الانتخابية.
تجنب الممارسات التي تؤدي إلى تشويه المجال العام بالملصقات والمنشورات.
اعتماد خطاب مسؤول حول المناخ والماء والموارد الطبيعية، بعيدا عن الوعود غير الواقعية أو الشعارات العامة.
نحو حملة انتخابية محايدة كربونيا؟
قد يكون من المفيد أن تفتح الأحزاب السياسية نقاشا جديدا حول إمكانية قياس وتعويض انبعاثات حملاتها الانتخابية، وصولا تدريجيا إلى مفهوم الحملة الانتخابية منخفضة الكربون أو المحايدة كربونيا.
المسألة ليست تقنية فقط، وإنما تحمل رسالة سياسية قوية: إذا كانت الأحزاب تطلب من المواطنين والمؤسسات والشركات خفض انبعاثاتها، فمن الطبيعي أن تبدأ من ممارساتها الخاصة. كما أن قياس البصمة الكربونية للحملة يمكن أن يتحول إلى مؤشر جديد للشفافية والمسؤولية السياسية والبيئية.
البيئة ليست ملفا قطاعيا
لقد تغيرت طبيعة التحديات البيئية. قضية الماء أصبحت قضية اقتصادية واجتماعية وأمنية. والمناخ أصبح يؤثر في الزراعة والسياحة والصناعة والصحة والبنية التحتية. والبحر والسواحل يرتبطان بالاقتصاد الأزرق والأمن الغذائي والتشغيل. أما فقدان التنوع البيولوجي فيؤثر في قدرة النظم الطبيعية على الاستمرار في تقديم خدماتها للمجتمع.
لذلك، فإن المقاربة البيئية ينبغي أن تكون حاضرة في مختلف السياسات العمومية، وفي المالية والاستثمار والتعمير والنقل والطاقة والفلاحة والصيد البحري والسياحة والتعليم والصحة.
إلى الأحزاب: اجعلوا البيئة معيارا في التنافس السياسي
إن التنافس الانتخابي فرصة لرفع مستوى النقاش العمومي حول مستقبل البلاد. ولهذا، فإن المطلوب هو أن تتحول البيئة من فقرة في نهاية البرنامج الانتخابي إلى معيار لقياس جودة الخيارات السياسية.
يمكن لكل حزب أن يجيب بوضوح عن أسئلة بسيطة لكنها جوهرية:
كيف سيحمي الموارد المائية؟
كيف سيقلل من البصمة الكربونية للاقتصاد؟
كيف سيواجه آثار تغير المناخ؟
كيف سيحمي السواحل والبحر والتنوع البيولوجي؟
كيف سيجعل الانتقال الطاقي أكثر عدالة؟
كيف سيخلق فرصا اقتصادية وشغلية من التحول الأخضر؟
وكيف سيضمن ألا تتحمل الفئات والمناطق الأكثر هشاشة الكلفة الأكبر للأزمات البيئية والمناخية؟
رسالة إلى قادة الأحزاب
إن تبني توجه بيئي واضح لا ينبغي أن يكون استجابة ظرفية لموضوع يحظى باهتمام الرأي العام، وإنما اختيارا سياسيا طويل الأمد.
والحملة الانتخابية نفسها يمكن أن تكون رسالة إلى المواطن. السياسة المسؤولة عن المستقبل تبدأ من طريقة ممارسة السياسة اليوم.
إن جعل الحملات الانتخابية أكثر احتراما للبيئة، وقياس بصمتها البيئية، وتقليص استهلاك الموارد، واعتماد ممارسات منخفضة الكربون، كلها خطوات بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل دلالة سياسية كبيرة.
فالمواطن الذي يرى حزبا يحافظ على نظافة الفضاء العام، ويقلل من الهدر، ويرشد استهلاك الموارد، ويقدم أرقاما وأهدافا بيئية قابلة للقياس، سيكون أمام ممارسة سياسية مختلفة؛ ممارسة تجعل الاستدامة سلوكا يوميا، وليس مجرد شعار انتخابي.
إنها دعوة إلى قادة الأحزاب السياسية لكي يجعلوا من الاستحقاق الانتخابي المقبل مناسبة لإطلاق تنافس سياسي جديد حول جودة المستقبل، وليس فقط حول عدد المقاعد.
ولعل أفضل بصمة يمكن أن تتركها الحملة الانتخابية هي ألا تترك وراءها بصمة بيئية ثقيلة.
البيئة ليست موضوعا انتخابيا عابرا. إنها سؤال المستقبل.
محمد التفراوتي
كاتب وناشط بيئي
























