من جدة… هل تنتقل المياه العربية من مرحلة البيانات إلى عصر التنفيذ؟

محمد التفراوتيمنذ 4 ساعاتآخر تحديث :
من جدة… هل تنتقل المياه العربية من مرحلة البيانات إلى عصر التنفيذ؟

المنتدى العربي السابع للمياه يفتح صفحة جديدة بين طموح الأمن المائي واختبار الإرادة السياسية

آفاق بيئية: محمد التفراوتي

بات الحديث عن أزمة المياه في العالم العربي توصيفا لواقع جيوسياسي وتنموي يفرض نفسه على مستقبل المنطقة بأكملها، كما أصبح تحذيرا علميا متكررا في المؤتمرات الدولية، يعكس حجم التحديات التي تواجه الأمن المائي العربي.

فمن المياه تتحدد قدرة الدول على تحقيق الأمن الغذائي، ومن إدارتها تتشكل معادلات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، بل وحتى طبيعة العلاقات بين الدول المتشاطئة.
وفي هذا السياق، جاء المنتدى العربي السابع للمياه، الذي احتضنته مدينة جدة السعودية تحت شعار “المياه العربية: تسريع وتيرة العمل من أجل مستقبل مائي آمن ومستدام”، ليحاول الانتقال بالنقاش من توصيف الأزمة إلى البحث عن أدوات عملية لمعالجتها. أربعة أيام من الجلسات الوزارية، والنقاشات العلمية، والمداولات التقنية، حملت رسائل متعددة، لكنها طرحت في الوقت نفسه سؤالا أكثر عمقا: هل دخلت المنطقة العربية بالفعل مرحلة جديدة في إدارة المياه، أم أننا ما زلنا ندور في دائرة التشخيص؟
منذ الجلسة الافتتاحية، وضع رئيس المجلس العربي للمياه الدكتور محمود أبو زيد الجميع أمام حقيقة يصعب تجاوزها. فالمنطقة العربية، كما أكد، تعد الأكثر ندرة مائية في العالم، إذ لا تمتلك سوى أقل من واحد في المائة من الموارد العذبة المتجددة عالميا، بينما يتزايد الضغط بفعل النمو السكاني، والتوسع العمراني، والتغيرات المناخية.
هذه الأرقام ليست مجرد بيانات إحصائية، بل تعكس اختلالا.هيكليا مرشحا للتفاقم. فالتوقعات التي أعلنها المنتدى تشير إلى احتمال انخفاض الموارد المائية المتجددة بنسبة تصل إلى 20 في المائة بحلول عام 2030، وهو ما يعني أن المنطقة العربية تدخل عقدا حاسما سيكون فيه الماء أحد أهم محددات التنمية والاستقرار.
لكن اللافت في المنتدى أن الخطاب العربي بدا أكثر واقعية مقارنة بالدورات السابقة. فلم يعد التركيز منصبا على زيادة الموارد الطبيعية، بقدر ما انتقل إلى كيفية إدارة الندرة نفسها، عبر تحلية المياه، وإعادة الاستخدام، والحلول القائمة على الطبيعة، والرقمنة، والحوكمة، والتمويل، والابتكار.
ويبدو أن التجربة السعودية حضرت بقوة كنموذج عملي لهذا التحول. فقد عرضت المملكة نتائج ملموسة، من بينها خفض استنزاف المياه الجوفية غير المتجددة من 21 مليار متر مكعب عام 2016 إلى نحو 11 مليار متر مكعب في 2025، بالتوازي مع رفع الطاقة الإنتاجية لتحلية المياه إلى 16 مليون متر مكعب يوميا. وهي مؤشرات تعكس انتقالا من إدارة الأزمة إلى الاستثمار في التكنولوجيا والسياسات العامة.
غير أن القيمة الحقيقية للمنتدى لم تكمن في استعراض التجارب الوطنية، بل في محاولة صياغة إطار عربي جماعي للعمل المشترك.
ولعل أبرز مخرجات المنتدى تمثلت في الإعلان عن إعداد أول خارطة طريق عربية للأمن المائي، بما تمثله من انتقال من المبادرات المنفردة إلى رؤية إقليمية تسعى إلى تنسيق السياسات، وتطوير التمويل، وتعزيز الحوكمة، وتشجيع الابتكار، وربط المياه بالطاقة والغذاء والبيئة ضمن مقاربة متكاملة.
كما حمل “إعلان جدة الوزاري” بعدا مؤسساتيا جديدا، من خلال إقرار نظام عربي موحد للإنذار المبكر بالجفاف والفيضانات، والتوسع في استخدام المياه المعالجة والمياه المحلاة، وتشجيع التوأمة بين المؤسسات، وإطلاق مشروعات مشتركة لترشيد الاستهلاك.
غير أن أكثر المبادرات إثارة للاهتمام كانت الإعلان عن التوجه نحو إنشاء كيان مؤسسي إقليمي للتحكيم في المنازعات المائية، وهي خطوة تعكس إدراكا متزايدا بأن المياه أصبحت قضية قانونية واستراتيجية تتطلب آليات عربية متخصصة، بعيدا عن الاكتفاء بالمسارات التقليدية.
فالمنطقة العربية تضم عددا كبيرا من الأحواض والأنهار والمياه الجوفية المشتركة، بينما لا تزال كثير من العلاقات المائية محكومة باعتبارات سياسية أكثر من اعتمادها على قواعد قانونية مستقرة.
ومن هنا جاءت الدعوة التي أطلقها الدكتور محمود أبو زيد للانتقال من مفهوم “تقاسم المياه” إلى مفهوم “تقاسم المنافع”، باعتباره تحولا في فلسفة إدارة الموارد المشتركة، يقوم على التعاون الاقتصادي والاستثماري بدل الصراع حول الكميات.
كما أعاد المنتدى الاعتبار لما يمكن تسميته بـ”دبلوماسية المياه”، من خلال الدعوة إلى دمجها في السياسات الخارجية والاستراتيجيات المناخية وخطط التنمية، بما يجعل التعاون المائي أحد أدوات بناء الثقة والاستقرار الإقليمي.
ورغم هذا الزخم، فإن القراءة النقدية تفرض التوقف عند عدد من الملاحظات.
فالمنتديات العربية نجحت خلال السنوات الأخيرة في إنتاج وثائق مهمة، لكن الفجوة بين الوثيقة والتنفيذ ما تزال واسعة. إذ لا تزال العديد من الاستراتيجيات العربية السابقة تنتظر آليات تنفيذ واضحة، ومؤشرات قياس، وتمويلا مستداما، ومؤسسات متابعة قادرة على تحويل الالتزامات السياسية إلى نتائج ملموسة.
كما أن المنتدى ركز بصورة كبيرة على الحلول التقنية، مثل التحلية والرقمنة والذكاء الاصطناعي، وهي حلول ضرورية بلا شك، لكنها لن تكون كافية إذا لم ترافقها إصلاحات مؤسساتية وتشريعية، وإدارة رشيدة للطلب، وسياسات أكثر عدالة في توزيع المياه، وتعزيز ثقافة ترشيد الاستهلاك.
ويظل التمويل هو الحلقة الأكثر تعقيدا، فالمشروعات المائية الكبرى تتطلب استثمارات ضخمة، بينما تواجه دول عربية عديدة تحديات اقتصادية تجعل تنفيذ هذه البرامج رهينا بالشراكات الإقليمية والدولية.
وفي المقابل، حمل المنتدى رسائل إيجابية تتجاوز الجانب الفني، من خلال الحضور الواسع لأكثر من خمسة آلاف مشارك من نحو ثمانين دولة، ومشاركة عشرين وزيرا، ومئات الخبراء والباحثين، وهو ما يعكس أن قضية المياه أصبحت محورا عالميا للحوار، وليست شأنا قطاعيا محدودا.
كما أن تخصيص جائزة المجلس العربي للمياه للابتكار، التي شهدت مشاركة أكثر من ستين باحثا وخبيرا، يؤكد أن الاستثمار في المعرفة والبحث العلمي بات جزءا من معادلة الأمن المائي، وأن الحلول المستقبلية ستولد في المختبرات كما تولد في غرف صنع القرار.
وفي كلمته الختامية، بدا الدكتور محمود أبو زيد وكأنه يلخص جوهر المنتدى عندما أكد أن اختتام أعماله لا يمثل نهاية، بل بداية مرحلة جديدة، داعيا إلى تحويل الحوار إلى سياسات، والسياسات إلى برامج، والبرامج إلى تحسينات ملموسة في حياة الناس.
وهنا تكمن الرسالة الأهم التي خرج بها المنتدى العربي السابع للمياه.
فالمنطقة العربية لم تعد بحاجة إلى مزيد من تشخيص الأزمة؛ فهي تعرف جيدا حجم ندرتها المائية، وتدرك تأثيرات تغير المناخ، وتفهم تعقيدات المياه العابرة للحدود. ما تحتاجه اليوم هو بناء مؤسسات قادرة على التنفيذ، وتمويل مستدام، وتعاون يتجاوز الاعتبارات السياسية الضيقة، وإرادة جماعية تجعل من الأمن المائي مشروعا عربيا طويل الأمد.
لقد نجحت جدة في جمع الرؤية العربية حول مستقبل المياه، لكن نجاح المنتدى الحقيقي لن يقاس بعدد الجلسات أو الوثائق الصادرة، وإنما باليوم الذي تتحول فيه خارطة الطريق العربية، وإعلان جدة، وآليات الإنذار المبكر، ومؤسسة التحكيم المائي، إلى واقع يلمسه المواطن العربي في أمنه المائي والغذائي، وفي قدرة دوله على تحويل الندرة إلى فرصة، والأزمة إلى مشروع تنموي مشترك.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!