“تيراميد” والرهان المجتمعي: الطاقات المتجددة في خدمة العدالة المناخية والتنمية الشاملة

محمد التفراوتي60 minutes agoLast Update :
“تيراميد” والرهان المجتمعي: الطاقات المتجددة في خدمة العدالة المناخية والتنمية الشاملة

الطاقات المتجددة كرافعة للعدالة المناخية والتنمية الشاملة

آفاق بيئية: محمد التفراوتي 

يشهد النقاش حول الانتقال الطاقي في منطقة المتوسط تحولا نوعيا، تجاوز دوائر القرار السياسي والتقني، ليتجه تدريجيا نحو الفضاء المجتمعي، باعتباره شرطا أساسيا لنجاح هذا التحول واستدامته. ففي الوقت الذي تتسارع فيه المبادرات الكبرى، مثل مشروع “تيراميد” (TeraMed)، لإعادة تشكيل المنظومة الطاقية على المستوى الإقليمي، يطرح سؤال مركزي نفسه بإلحاح: إلى أي حد يمكن لهذا التحول أن يكون شاملا وعادلا، وقادرا على إدماج مختلف الفئات الاجتماعية في مساره ومكاسبه؟

إن الانتقال نحو الطاقات المتجددة، رغم ما يحمله من وعود بيئية واقتصادية، قد يتحول إلى مسار غير متوازن إذا لم تدمج فيه الأبعاد الاجتماعية بشكل واضح. فالتجارب الدولية أظهرت أن التحولات الطاقية الكبرى قد تؤدي، في بعض الحالات، إلى إعادة إنتاج الفوارق بدل تقليصها، خاصة عندما تتركز الاستثمارات في مشاريع كبرى لا تنعكس آثارها بشكل مباشر على المجتمعات المحلية. وفي هذا السياق، تبرز أهمية إعادة التفكير في مفهوم الطاقة ذاته، ليس فقط كمورد اقتصادي، بل كحق أساسي يرتبط بالكرامة الإنسانية والتنمية المتوازنة.
ومن هذا المنطلق، يصبح الانتقال الطاقي مشروعا مجتمعيا بامتياز، يتطلب إشراك المواطنين ليس فقط كمستهلكين، بل كفاعلين في إنتاج الطاقة واتخاذ القرار المرتبط بها. وهذا التحول في المقاربة يفتح المجال أمام نماذج جديدة، مثل الطاقات اللامركزية، والتعاونيات الطاقية، والمبادرات المحلية التي تتيح للمجتمعات الاستفادة المباشرة من الموارد المتجددة. كما يعزز هذا التوجه من قدرة الأنظمة الطاقية على التكيف مع الخصوصيات المحلية، ويقلل من هشاشتها أمام الأزمات.
غير أن تحقيق هذا التحول يظل رهينا بمدى قدرة السياسات العمومية على مواكبته، من خلال توفير أطر تنظيمية وتشريعية تدعم المبادرات المحلية، وتضمن توزيعا عادلا للتكاليف والمنافع. فمسألة التسعير، على سبيل المثال، تكتسي أهمية خاصة، حيث يتعين تحقيق توازن دقيق بين استدامة الأنظمة الطاقية وحماية الفئات الهشة من أي أعباء إضافية. كما أن الاستثمار في الكفاءة الطاقية، خاصة في القطاعات السكنية والنقل، يمكن أن يشكل مدخلا عمليا لتحقيق هذا التوازن، من خلال تقليص الاستهلاك وخفض الفواتير.
وفي هذا السياق، تلعب حملات التوعية والمرافعة دورا محوريا في تحويل الانتقال الطاقي من مشروع تقني إلى قضية رأي عام. فهذه الحملات تساهم في تبسيط المفاهيم المعقدة وربطها بالحياة اليومية للمواطنين، مما يعزز فهمهم لأهمية التحول الطاقي، ويشجعهم على الانخراط فيه. كما أنها تخلق جسرا بين صناع القرار والمجتمع، وتتيح فضاء للنقاش العمومي حول الخيارات الطاقية، بما يضمن مزيدا من الشفافية والمساءلة.
ولا يقتصر دور المرافعة على نشر الوعي، بل يمتد إلى التأثير في السياسات، من خلال الدفع نحو اعتماد مقاربات أكثر شمولا وعدالة. ففي ظل التحديات المناخية المتزايدة، لم يعد مقبولا أن تظل السياسات الطاقية حبيسة الاعتبارات الاقتصادية الضيقة، بل يتعين أن تدمج بشكل صريح أبعاد العدالة الاجتماعية والمجالية. وهذا ما يفسر تزايد الدعوات إلى اعتماد مفهوم “الانتقال العادل”، الذي يهدف إلى ضمان عدم ترك أي فئة أو منطقة خلف الركب.
وفي المقابل، يشكل الاقتصاد الأخضر فرصة حقيقية لإعادة تشكيل سوق الشغل، خاصة بالنسبة للشباب. فالتحول نحو الطاقات المتجددة يفتح آفاقا واسعة في مجالات متعددة، من بينها تركيب وصيانة الأنظمة الشمسية، وتطوير الحلول الرقمية المرتبطة بالطاقة، والابتكار في مجالات الكفاءة الطاقية. غير أن الاستفادة من هذه الفرص تتطلب استثمارات موازية في التكوين وبناء القدرات، بما يضمن تأهيل الموارد البشرية لمواكبة متطلبات المرحلة. ورغم ذلك، لا يمكن إغفال التحدي الثقافي الذي يواجه هذا التحول، حيث لا تزال بعض التصورات التقليدية للطاقة والاستهلاك تشكل عائقا أمام تبني ممارسات أكثر استدامة. فالتغيير المطلوب يتجاوز البعد التقني ليشمل السلوكيات وأنماط العيش. وهو ما يتطلب وقتا وجهدا تواصليا مستمرا. وهنا تبرز أهمية الخطاب التوعوي القادر على الجمع بين التنبيه إلى المخاطر وتقديم رؤية إيجابية للمستقبل، تربط بين التحول الطاقي وتحسين جودة الحياة.

وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن نجاح الانتقال نحو الطاقات المتجددة في منطقة المتوسط سيقاس أيضا بمدى قدرته على إحداث تحول فعلي في حياة الناس، إلى جانب حجم القدرات المركبة والاستثمارات المحققة.

وعلى بناء نموذج تنموي أكثر عدالة واستدامة. وهذا ما يجعل من حملات التوعية والمناصرة ركيزة أساسية في هذا المسار، باعتبارها الأداة التي تضمن انتقال النقاش من مستوى السياسات إلى مستوى المجتمع.
وفي هذا الإطار، يؤكد الدكتور عماد الدين عدلي أن نجاح أي تحول طاقي يظل مرتبطا بمدى انخراط المجتمع في هذا المسار، معتبرا أن التحدي الراهن يتجاوز الجانب التقني ليمتد إلى أبعاد ثقافية ومجتمعية، ترتكز على إعادة بناء علاقة المواطن بقضايا الطاقة والمناخ.

و في إطار تعميق النقاش حول التحول الطاقي في المنطقة العربية والمتوسطية، وسبر أغوار الأبعاد المجتمعية والبيئية المرتبطة به، يأتي الحوار التالي مع الدكتور عماد الدين عدلي، المنسق العام للشبكة العربية للبيئة والتنمية “رائد”، لتوضيح عدد من المفاهيم، وعلى رأسها العدالة المناخية، ودور المجتمع المدني، وأهمية إشراك الفاعلين المحليين في إنجاح الانتقال نحو الطاقات المتجددة.

سؤال: كيف تنظرون إلى أهمية مبادرة “تيراميد” في سياق التحولات المناخية والطاقية التي تشهدها المنطقة العربية والمتوسطية؟

جواب: أعتقد أن مبادرة “تيراميد” تمثل اليوم واحدة من أهم المبادرات الإقليمية التي تحاول الانتقال بالنقاش حول الطاقة المتجددة من مستوى الشعارات العامة إلى مستوى الرؤية الاستراتيجية المتكاملة. نحن لا نتحدث فقط عن رفع إنتاج الطاقة النظيفة، بل عن إعادة بناء العلاقة بين التنمية والطاقة والمناخ داخل الفضاء المتوسطي. الوصول إلى هدف إنتاج واحد تيراواط من الطاقة المتجددة بحلول 2030 يعكس طموحا لإعادة تموقع المنطقة ضمن الاقتصاد العالمي منخفض الكربون، وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات المناخية والاقتصادية في آن واحد.

سؤال: الشبكة العربية للبيئة والتنمية “رائد” تولي أهمية خاصة للإعلام البيئي. لماذا هذا التركيز؟

جواب: لأننا نؤمن أن الإعلام أصبح شريكا في صناعة التحول المجتمعي. القضايا المرتبطة بالطاقة والمناخ غالبا ما تقدم بلغة تقنية معقدة، ما يخلق فجوة بين السياسات العمومية والمجتمع. لذلك نعمل داخل “رائد” على بناء قاعدة من الإعلاميين المتخصصين القادرين على تبسيط هذه القضايا وتحويلها إلى خطاب مفهوم وقريب من الناس. نجاح أي تحول تنموي يظل مرتبطا بقدرة الإعلام على بناء وعي جماعي داعم للتغيير، وترسيخ ثقافة الاستدامة داخل المجتمع.

سؤال: في هذا الإطار، جاءت الورشة التدريبية التي نظمتها الشبكة ببورسعيد. ما الأهداف الأساسية لهذه المبادرة؟

جواب: الورشة جاءت في سياق دعم حملة “تيراميد”، وهدفت أساسا إلى تمكين الإعلاميين من أدوات التغطية المهنية لقضايا الطاقة المتجددة وسياسات المناخ. نحن نعتبر الإعلاميين شركاء استراتيجيين في إنجاح هذا المسار، لأنهم يمتلكون القدرة على تحويل المفاهيم الفنية والبيانات المعقدة إلى محتوى إعلامي مؤثر وقادر على الوصول إلى الرأي العام. كما حرصنا خلال الورشة على ربط قضايا الانتقال الطاقي بالأبعاد الاجتماعية والاقتصادية، خاصة مفهوم “الانتقال العادل للطاقة”، حتى لا ينظر إلى التحول الطاقي باعتباره قضية تقنية معزولة عن واقع الناس.

سؤال: ما المقصود بالانتقال العادل للطاقة من وجهة نظركم؟

جواب: الانتقال العادل يعني أن يكون التحول نحو الطاقات المتجددة شاملا ومنصفا، بحيث لا تستفيد منه فئة دون أخرى، ولا تتحمل كلفته الفئات الهشة وحدها. المطلوب هو بناء سياسات تضمن التوازن بين النمو الاقتصادي والحفاظ على البيئة، مع خلق فرص شغل جديدة وتحسين جودة الحياة. لذلك نحن نؤكد دائما أن العدالة المناخية جزء لا يتجزأ من العدالة الاجتماعية، وأن أي سياسة طاقية لا تراعي هذا البعد قد تواجه صعوبات في القبول المجتمعي.

سؤال: كيف يمكن للإعلام أن يساهم فعليا في إنجاح هذا التحول؟

جواب: الإعلام يمتلك قدرة هائلة على تشكيل الوعي والسلوك. عندما يتحول ملف الطاقة من أرقام وتقارير إلى قصص إنسانية مرتبطة بحياة الناس اليومية، يصبح أكثر تأثيرا. لهذا ركزنا في الورشة على تطوير مهارات الإعلام البيئي، وتشجيع إنتاج تحقيقات وتقارير صحفية قادرة على إبراز الأبعاد الإنسانية للتحول الطاقي. كما نعمل على إطلاق حملات إعلامية منظمة، وتشجيع التغطيات المهنية المتخصصة، لأن بناء رأي عام واع يظل شرطا أساسيا لإنجاح سياسات الطاقة النظيفة.

سؤال: ما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه منظمات المجتمع المدني في هذا المسار؟

جواب: المجتمع المدني يشكل حلقة وصل أساسية بين السياسات الحكومية واحتياجات المواطنين. دوره لا يقتصر على التوعية، بل يشمل أيضا التأطير، والمرافعة، والمساهمة في صياغة البدائل. داخل الشبكة العربية للبيئة والتنمية نشتغل مع عدد كبير من الجمعيات والخبراء والمؤسسات في مختلف الدول العربية، ونعتبر أن العمل الشبكي يمنح قدرة أكبر على تبادل الخبرات وتوحيد الجهود. التحديات البيئية والمناخية عابرة للحدود، وبالتالي لا يمكن مواجهتها بمنطق محلي أو منفرد.

سؤال: إلى أي حد يمكن للطاقات المتجددة أن تتحول إلى رافعة للتنمية في المنطقة العربية؟

جواب: الإمكانات كبيرة جدا. المنطقة العربية تمتلك واحدا من أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في العالم، إلى جانب مؤهلات مهمة في مجال الطاقة الريحية. إذا تم استثمار هذه الموارد بشكل جيد، يمكن للطاقات المتجددة أن تتحول إلى محرك للتنمية الاقتصادية، وخلق فرص الشغل، وتعزيز الأمن الطاقي، وتقليص التبعية للخارج. لكن نجاح هذا المسار يتطلب رؤية بعيدة المدى، واستثمارات في التعليم والتكوين والبحث العلمي، إضافة إلى تطوير البنية التشريعية والمؤسساتية.

سؤال: ما الرسالة التي تودون توجيهها في ختام هذا الحوار؟

جواب: رسالتي هي أن التحول نحو الطاقة النظيفة لم يعد ترفا بيئيا أو خيارا مؤجلا، بل بات ضرورة تنموية وحضارية. المطلوب اليوم هو بناء شراكة حقيقية بين الحكومات، والإعلام، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، حتى يتحول هذا الطموح إلى واقع ملموس. كما أن نجاح أي مبادرة، بما فيها “تيراميد”، سيظل رهينا بمدى قدرتنا على إشراك المجتمع، وتحويل الوعي البيئي من خطاب موسمي إلى ثقافة مجتمعية راسخة.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *


Comments Rules :

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!