آفاق بيئية: محمد التفراوتي
كشفت دراسة علمية حديثة عن حجم التحولات التي عرفتها الأراضي الرطبة في سهل الغرب شمال غربي المغرب، مقدرة أن برامج التهيئة الهيدرو-فلاحية وتصريف المياه أدت إلى فقدان نحو 88 في المائة من المساحة الأصلية للمناطق الرطبة، في تحول بيئي عميق امتد على مدى عقود، وارتبط بتوسيع الأراضي الزراعية والتحكم في الفيضانات وتغيير المسارات الطبيعية للمياه.
وتكتسب هذه النتائج أهميتها من كونها تقدم تقديرا كميا لخسارة ظلت، في جوانب عديدة، موصوفة من خلال المعاينات والتقارير المتفرقة، دون أن تحظى بتقدير تاريخي شامل لحجمها ومجالات انتشارها.
وتعيد الدراسة، المنشورة يوم 19 أكتوبر 2026 في المجلة العلمية Diversity، فتح النقاش حول الكلفة البيئية للنماذج التقليدية لتدبير السهول الفيضية، ومدى قدرتها على التوفيق بين متطلبات الإنتاج الفلاحي والحفاظ على الرأسمال الطبيعي والموارد المائية.
أربعة عقود من التحولات.. وخسارة تتجاوز 39 ألف هكتار
اعتمدت الدراسة، التي أنجزها محمد الداكي وسعيد الفلاح وإبراهيم مقران وإسماعيل المنصوري، على إعادة بناء تاريخ التحولات التي شهدها سهل الغرب، من خلال الجمع بين الخرائط الطبوغرافية والتاريخية، والصور الجوية، ومعطيات الاستشعار عن بعد، والمشاهدات الميدانية، وشهادات السكان المحليين.
وتكشف النتائج أن المساحة الأصلية للمناطق الرطبة التي شملها التقييم بلغت نحو 45 ألف هكتار، فقد منها حوالي 39 ألفا و659 هكتارا، أي ما يعادل 88.12 في المائة. ويعني ذلك أن أغلب هذه النظم البيئية تعرض للتحويل أو التجفيف، بينما اختفت بعض الأراضي الرطبة بالكامل، خصوصا في المجالات الفيضية لنهرَي سبو وبهت.
وتعود جذور هذه التحولات إلى سنة 1927، حين انطلقت عمليات تهيئة المجال الفلاحي والتحكم في مياه الفيضانات، قبل أن تتوسع برامج التجفيف والري خلال العقود اللاحقة، ولا سيما منذ سبعينيات القرن الماضي. وقد تدرجت هذه البرامج عبر مراحل متعددة إلى غاية سنة 2005، مستهدفة تحويل مساحات واسعة من الأراضي المعرضة للغمر إلى مجالات صالحة للزراعة.
وتوضح الدراسة أن هذه العملية لم تكن مجرد تغيير في استعمالات الأرض، وإنما شكلت تحولا في النظام الهيدرولوجي للسهول، من خلال تصريف المياه وتنظيم المجاري النهرية وتوسيع شبكات الري، إلى جانب إنشاء السدود في أحواض الأنهار المغذية للمنطقة.
من مستنقعات طبيعية إلى أراض زراعية
ارتبطت تهيئة سهل الغرب بأهداف اقتصادية واجتماعية، في مقدمتها توسيع المساحات المسقية، وتعزيز الإنتاج الفلاحي، والحد من أضرار الفيضانات والأمراض المرتبطة بالمياه الراكدة. غير أن الدراسة تبرز أن هذه المكاسب رافقتها خسائر بيئية واسعة، طالت موائل طبيعية كانت تؤدي وظائف أساسية في توازن المجال.
وتقدم مراحل التهيئة أمثلة واضحة على هذا التحول. فقد أسهمت الأشغال المرتبطة بحوض بهت خلال الفترة الممتدة بين 1927 و1933 في تحويل سبع مناطق رطبة على الأقل إلى أراض زراعية، بمساحة إجمالية قاربت 1889 هكتارا. وخلال المرحلة الأولى من برنامج تهيئة سبو، بين 1970 و1977، قدرت مساحة الأراضي الرطبة التي فقدت بنحو 11 ألفا و 572 هكتارا.
أما المرحلة الممتدة بين 1998 و2005، فقد شهدت تجفيف ما لا يقل عن ثلاثين منطقة رطبة متفاوت المساحة، بلغت خسارتها التراكمية نحو 22 ألفا و231 هكتارا، وفق تقديرات الدراسة.
وتكشف هذه الأرقام أن التحول الذي عرفه سهل الغرب نتج عن مسار طويل من التدخلات المائية والفلاحية، وليس عن عامل منفرد. كما تؤكد أن فهم الخسارة الحالية يقتضي العودة إلى تاريخ القرارات والمشاريع التي أعادت تشكيل المجال الطبيعي.
خسارة تتجاوز المساحة إلى التنوع البيولوجي
تتجاوز أهمية الدراسة قياس المساحات المفقودة إلى محاولة استيعاب الآثار المترتبة على اختفاء هذه النظم البيئية. فقد شكلت المناطق الرطبة الغرب موائل غنية بالنباتات المائية والبرمائيات والأسماك واللافقاريات، كما أدت دورا مهما في استقبال الطيور المائية المهاجرة وتوفير مواقع للتكاثر والتغذية والراحة خلال مسارات هجرتها.
وتشير الدراسة إلى وجود أنواع نباتية متوطنة بالمغرب وأخرى نادرة في هذه البيئات، ما يجعل فقدان المستنقعات خسارة لموائل يصعب تعويض خصائصها الأصلية بمجرد استعادة الغطاء النباتي أو إعادة إدخال المياه إليها.
وفي ما يتعلق بالطيور، استند الباحثون إلى معطيات الرصد المتاحة في بعض الأراضي الرطبة المتبقية، من بينها مرجة فواورات قرب القنيطرة، التي سجلت متوسطا بلغ نحو 23 ألفا و500 طائر مائي خلال فصول الشتاء الممتدة بين 2019 و2023، ضمن مساحة تقدر بحوالي 300 هكتار.
وبالاستناد إلى هذه المعطيات، اقترح الباحثون أن المناطق الرطبة التي اختفت في سهل الغرب ربما كانت تستقبل، في فترات الشتاء، أكثر من مليوني طائر مائي. ويظل هذا الرقم تقديرا استدلاليا مستخلصا من المقارنة مع المواقع المتبقية، وليس نتيجة تعداد مباشر للطيور في جميع المستنقعات التي جرى تجفيفها.
وتبرز هذه النقطة أهمية الدراسة في توثيق الخسارة البيئية، مع ضرورة مواصلة البحث الميداني لتحديد آثارها بدقة أكبر على الأنواع والموائل، خصوصا في ظل محدودية البيانات التاريخية المنتظمة بشأن التنوع البيولوجي في عدد من هذه المواقع.
الأراضي الرطبة.. بنية طبيعية للأمن المائي
تكتسب النتائج بعدا إضافيا في ظل توالي سنوات الجفاف وتزايد الضغط على الموارد المائية. فالأراضي الرطبة في سهل الغرب كانت تؤدي دورا في تغذية الفرشة المائية، واستقبال مياه الأمطار والفيضانات الموسمية، وتنظيم حركة المياه داخل السهل.
وتشير الدراسة إلى أن تصريف المناطق الرطبة وتغيير النظام الهيدرولوجي للمنطقة تزامنا مع تراجع وظيفة إعادة تغذية المياه الجوفية، في وقت تتعرض فيه الفرشة المائية للاستغلال المتزايد. كما تسهم الأنشطة الزراعية المكثفة، بما يرتبط بها من استعمال للأسمدة والمبيدات، إلى جانب الأنشطة الصناعية والتوسع الحضري، في الضغط على جودة المياه السطحية والجوفية.
وتكشف هذه المعطيات عن مفارقة تستحق النقاش: فقد ساعد التحكم في المياه وتجفيف الأراضي على توسيع المجال الزراعي، لكنه أضعف في المقابل بعض الوظائف الطبيعية التي تسهم في استدامة الموارد المائية. وهو ما يطرح ضرورة تقييم حصيلة التهيئة الفلاحية بمنظور أوسع من مردودية الإنتاج والمساحات المسقية، ليشمل أيضا كلفة تدهور الموائل الطبيعية وفقدان خدماتها البيئية. ولا يعني ذلك إغفال أهمية الفلاحة في الاقتصاد الوطني والأمن الغذائي، وإنما يستدعي إدماج قيمة الأراضي الرطبة في التخطيط المائي والفلاحي، حتى لا تتحول المكاسب الآنية إلى خسائر طويلة الأمد يصعب تداركها.
من التوثيق العلمي إلى استعادة الموائل المتدهورة
و تؤكد الدراسة أن بعض الأراضي الرطبة المتبقية في سهل الغرب تعرضت بدورها للتدهور، بفعل الجفاف والتلوث والضغط الزراعي والعمراني. ومع ذلك، تشير تجربة مرجة فواورات إلى إمكانية استعادة بعض الوظائف البيئية عندما تتحسن الظروف الهيدرولوجية.
فبعد فترة من الجفاف الشديد خلال تسعينيات القرن الماضي، عرفت المرجة تحسنا ملحوظا عقب فيضانات سنتي 1996 و2002، ما ساعد على عودة أعداد كبيرة من الطيور المائية، وأسهم في تعزيز أهميتها في مجال المحافظة على التنوع البيولوجي. وأصبحت هذه التجربة مثالا على قدرة بعض الأراضي الرطبة على استعادة جانب من وظائفها عندما تتوفر الظروف المناسبة. لكن الباحثين يحذرون، ضمنيا من خلال نتائجهم، من الخلط بين استعادة جزء من الوظائف البيئية وإرجاع النظام الطبيعي إلى حالته الأصلية. فالتجفيف الطويل والتلوث وتغير التربة والمياه قد تجعل استعادة بعض الموائل مكلفة ومعقدة، حتى عندما تسمح الظروف بإعادة إغراقها.
ومن بين التوصيات التي تبرزها الدراسة، تطوير برامج للرصد البيئي المنتظم، وتعميق البحث في الأراضي الرطبة المتبقية، وتحديد المواقع التي يمكن استعادتها، والاستعانة بصور فضائية عالية الدقة لمتابعة تطور الموائل والنباتات والحيوانات. كما يدعو هذا التوجه إلى مراجعة السياسات المائية بما يدمج التنوع البيولوجي والخدمات البيئية لمختلف النظم المائية، بدل التعامل مع المناطق الرطبة باعتبارها أراضي فائضة عن الحاجة الزراعية.
أبحاث ممتدة زمنيا لتوفير معطيات موثوقة
تندرج هذه الدراسة ضمن مسار علمي يروم بناء معرفة دقيقة بتاريخ الأراضي الرطبة وتحولاتها، اعتمادا على المعطيات الميدانية والخرائط والوثائق التاريخية وتقنيات الاستشعار عن بعد. وتزداد أهمية هذا المسار لأن تقييم الخسائر البيئية لا يمكن أن يستند إلى صور آنية وحدها، إذ يتطلب إعادة تركيب الوضع الأصلي للموائل ومقارنة تغيراتها عبر فترات زمنية طويلة.
وفي هذا الإطار، يبرز اشتغال الباحثين منذ أكثر من عشر سنوات على موضوعات مرتبطة بفقدان الأراضي الرطبة وتدهورها، سعيا إلى توفير بيانات مقاسة وموثقة تسمح بتجاوز الانطباعات العامة نحو تقديرات علمية قابلة للتحليل والمقارنة.
ويشكل البحث في خسارة الأراضي الرطبة الواقعة عند مصب الأنهار بفعل التوسع العمراني امتدادا لهذا المسار، بالنظر إلى الضغوط المتزايدة التي تتعرض لها المجالات الانتقالية بين الأنهار والبحر، حيث تتداخل التحولات العمرانية مع تغيرات تدفق المياه والتلوث وتراجع الموائل الطبيعية. ومن شأن استكمال هذه الأبحاث أن يساعد على فهم اختلاف أسباب الخسارة من مجال إلى آخر، والتمييز بين أثر التوسع الزراعي في السهول الفيضية وأثر الزحف العمراني على الأراضي الرطبة الواقعة عند مصب الأنهار.
وتظل القيمة الأساسية لهذه الأعمال في بناء مرجع علمي يتيح قياس التغيرات على أسس واضحة، وتوجيه قرارات الحماية والاستعادة وفق معطيات موثوقة. فغياب البيانات الدقيقة لا يحجب حجم الخسارة فحسب، وإنما يحد أيضا من القدرة على تحديد الأولويات وتقييم السياسات العمومية وقياس نتائج التدخلات.
أي توازن بين الإنتاج الفلاحي وصون الرأسمال الطبيعي؟
تضع نتائج الدراسة تدبير الأراضي الرطبة في صلب النقاش حول مستقبل السهول الفيضية بالمغرب وشمال إفريقيا. فإذا كانت تهيئة سهل الغرب قد ساهمت في توسيع المجال الزراعي، فإن فقدان أكثر من 88 في المائة من مستنقعاته الأصلية يفرض إعادة النظر في كيفية احتساب كلفة هذا التحول، بما يشمل المياه الجوفية والتنوع البيولوجي والوظائف الإيكولوجية التي كانت تؤديها هذه الموائل.
وتحذر الدراسة من تعميم نسبة الخسارة المسجلة في سهل الغرب على جميع السهول المغاربية دون دراسات مستقلة، رغم أن آليات التجفيف والري عرفتها مجالات أخرى في المنطقة. كما تبرز الحاجة إلى تحسين المعطيات العلمية حول الأراضي الرطبة المتبقية، وتحديد إمكانات استعادة المواقع التي تسمح خصائصها الطبيعية بذلك.
وبذلك، لا تقف أهمية هذا العمل عند توثيق اختفاء مساحات واسعة من المستنقعات، وإنما تمتد إلى توفير أساس علمي لإعادة تقييم الخيارات المرتبطة بتدبير الماء والأرض. فحماية الأراضي الرطبة واستعادة بعضها ينبغي أن تصبحا جزءا من التفكير في الأمن المائي والغذائي والتكيف مع الجفاف والتغيرات المناخية، بما يضمن أن تكون التنمية الفلاحية أكثر انسجاما مع استدامة الموارد الطبيعية.
مرجع الدراسة: Mohamed Dakki, Said El Falah, Ibrahim Makrane & Ismail Mansouri, “Wetland Loss Associated with Hydro-Agricultural Development in North African Floodplains: Insights from a Historical Cartographic Analysis of the Gharb Plain (Morocco)”, Diversity, 2026, 18(10), 642. نشرت في 19 أكتوبر 2026.
رابط الدراسة: https://doi.org/10.3390/d18100642




































