آفاق بيئية: محمد التفراوتي
تشهد الحوكمة المناخية الدولية تحولا متسارعا نحو تعميق الأدوات العلمية التي تستند إليها السياسات العامة لمواجهة تغير المناخ. وفي هذا السياق، يمثل الاجتماع الثالث للمؤلفين الرئيسيين لتقرير منهجية 2027 بشأن قوائم المؤثرات المناخية قصيرة الأجل، الذي عقد في مقر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة في روما، محطة مهمة في تطوير المعرفة العلمية التطبيقية المتعلقة بالمناخ. فقد جمع الاجتماع أكثر من 130 خبيرا من أكثر من خمسين دولة بهدف تنسيق العمل العلمي والمنهجي لإعداد مسودة متقدمة من التقرير الذي تعده الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ.
المؤثرات المناخية قصيرة الأجل… الحلقة المفقودة في سياسات المناخ
تتمثل المؤثرات المناخية قصيرة الأجل (Short-Lived Climate Forcers) في مجموعة من الملوثات الجوية التي تبقى في الغلاف الجوي لفترة قصيرة نسبيا مقارنة بثاني أكسيد الكربون، لكنها تملك قدرة عالية على التأثير في المناخ وجودة الهواء. وتشمل هذه المواد أساسا أكاسيد النيتروجين وأول أكسيد الكربون والجسيمات الدقيقة وبعض المركبات الكيميائية الأخرى.
وتكمن أهمية هذه المؤثرات في أنها تمثل جسرا بين سياسات المناخ وسياسات جودة الهواء؛ إذ يمكن أن يؤدي خفضها إلى تحقيق نتائج سريعة نسبيا في الحد من الاحترار العالمي وتحسين صحة الإنسان في الوقت نفسه. ولذلك أصبح الاهتمام بها يتزايد داخل الأوساط العلمية والسياسية، خصوصا مع إدراك أن معالجة انبعاثاتها قد توفر مكاسب مناخية وصحية في الأمد القصير.
دور المنهجيات العلمية في صناعة السياسات المناخية
إن أحد أهم أدوار الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ يتمثل في تطوير منهجيات علمية موحدة تسمح للدول بقياس انبعاثاتها بدقة. فالتقارير المنهجية التي تعدها الهيئة، خاصة عبر فريق العمل المعني بجرد غازات الاحتباس الحراري الوطنية، تشكل المرجع العلمي الأساسي الذي تعتمد عليه الحكومات في إعداد قوائم الجرد الوطنية للانبعاثات.
وفي هذا السياق، يهدف تقرير منهجية 2027 إلى تقديم إرشادات واضحة حول كيفية تقدير انبعاثات المؤثرات المناخية قصيرة الأجل. وتكتسي هذه المهمة أهمية خاصة لأن قياس هذه الانبعاثات يظل أكثر تعقيدا.من قياس انبعاثات غازات الدفيئة التقليدية، نظرا لتنوع مصادرها وتباين سلوكها في الغلاف الجوي.
إن تطوير هذه المنهجيات يهم الجانب العلمي و يرتبط أيضا بالبعد السياسي للتفاوض المناخي، حيث تشكل بيانات الانبعاثات أساسا لاتخاذ القرارات الدولية المتعلقة بالتخفيف من آثار تغير المناخ.
مسار إعداد التقرير وآليات المراجعة العلمية
تعتمد تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ على عملية مراجعة علمية صارمة ومتعددة المراحل لضمان المصداقية والموضوعية. ففي حالة تقرير منهجية المؤثرات المناخية قصيرة الأجل، يعمل المؤلفون حاليا على إعداد المسودة الثانية التي ستخضع لمراجعة الحكومات والخبراء بين غشت وأكتوبر 2026.
وتعد هذه المرحلة محطة أساسية في عملية إعداد التقارير، لأنها تسمح بإدماج ملاحظات المجتمع العلمي وصناع القرار، مما يعزز وضوح التوجيهات المنهجية وقابليتها للتطبيق في مختلف السياقات الوطنية.
التقرير في سياق دورة التقييم السابعة
يأتي هذا العمل ضمن الدورة التقييمية السابعة للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، التي بدأت سنة 2023. وتشمل هذه الدورة إعداد سلسلة من التقارير العلمية الكبرى، من بينها التقارير الخاصة بالمجموعات العاملة الثلاث التي تتناول الأسس العلمية لتغير المناخ، والآثار والتكيف، والتخفيف من الانبعاثات.
كما تتضمن الدورة إعداد تقارير خاصة إضافية، مثل التقرير الخاص بتغير المناخ والمدن، إلى جانب تقارير منهجية تتعلق بتقنيات إزالة الكربون واحتجازه. ومن المتوقع أن ينشر التقرير التجميعي النهائي للدورة بحلول عام 2029، ليشكل مرجعا أساسيا في السياسات المناخية العالمية خلال العقد القادم.
دلالات التقرير بالنسبة للحوكمة المناخية
تكشف عملية إعداد تقرير منهجية المؤثرات المناخية قصيرة الأجل عن تحول مهم في مقاربة المجتمع الدولي لقضية المناخ. فبدلا من التركيز الحصري على ثاني أكسيد الكربون، أصبح النقاش يتجه نحو فهم أكثر شمولية للنظام المناخي وللمصادر المختلفة التي تؤثر فيه.
كما يعكس هذا التوجه إدراكا متزايدا بأن الاستجابة الفعالة لتغير المناخ تتطلب مزيجا من الإجراءات طويلة الأجل وقصيرة الأجل. فخفض انبعاثات غازات الدفيئة التقليدية يظل ضرورة استراتيجية، لكنه يحتاج إلى عقود ليظهر أثره الكامل، في حين يمكن للتقليل من المؤثرات المناخية قصيرة الأجل أن يحقق مكاسب أسرع على مستوى المناخ والصحة العامة.
يشار أن يمثل تقرير منهجية 2027 حول المؤثرات المناخية قصيرة الأجل خطوة مهمة في تطوير الأدوات العلمية التي تعتمد عليها السياسات المناخية العالمية. فإلى جانب دوره في تحسين دقة قياس الانبعاثات، يساهم هذا التقرير في تعزيز الترابط بين قضايا المناخ وجودة الهواء والتنمية المستدامة.
ومن المرجح أن يشكل هذا العمل أحد الأعمدة العلمية التي ستستند إليها المفاوضات المناخية الدولية في السنوات المقبلة، خاصة في ظل الحاجة المتزايدة إلى حلول متكاملة تجمع بين التخفيف السريع من الاحترار العالمي وتحقيق فوائد بيئية وصحية مباشرة.




































