رسالة مفتوحة: نتوسم خيرا في المرحلة الجديدة، ونأمل أن تتحول النداءات السابقة إلى إجراءات ملموسة لحماية الواحات وتعزيز السيادة الغذائية
محمد التفراوتي
السيد وزير الفلاحة والصيد البحري والسيادة الغذائية،
تحية تقدير واحترام،
نتوجه إليكم بهذه الرسالة المفتوحة، ونحن نتطلع إلى أن تشكل المرحلة الجديدة فرصة لإعطاء ملف حرائق الواحات المغربية ما يستحقه من اهتمام، والانتقال من تكرار التنبيهات بعد كل حادثة إلى اعتماد سياسة وقائية متكاملة تحمي هذا الرصيد الطبيعي والاقتصادي والثقافي.
نتوسم خيرا في توليكم هذه المسؤولية، ونأمل أن تحظى المطالب التي رافقت حرائق الواحات خلال السنوات الماضية بمتابعة فعلية، وأن تجد طريقها إلى برامج واضحة ومحددة الأهداف والآجال.
ويأتي هذا النداء امتدادا لمسار من الترافع سبق أن عبرنا عنه من خلال مقالات ورسائل مفتوحة وجهت إلى الوزيرين اللذين تعاقبا على تدبير القطاع خلال الولاية الحكومية السابقة؛ الأول خلال الفترة الممتدة من 2021 إلى 2024، والثاني من 2024 إلى 2026. وقد انصبت هذه المبادرات على التنبيه إلى خطورة الحرائق التي تهدد الواحات، والدعوة إلى تعزيز الوقاية والتدخل، وحماية الأشجار والممتلكات وموارد عيش الساكنة.
إن استحضار هذه المراسلات لا يستهدف أشخاصا بعينهم، وإنما يؤكد أن حماية الواحات مسؤولية مؤسساتية مستمرة لا ينبغي أن تتوقف بتغير المسؤولين. لذلك، نأمل أن تشكل المطالب السابقة أرضية لتقييم ما تحقق، وتحديد ما تعثر، واستدراك أوجه القصور، بما يضمن استمرارية العمل في هذا الملف.
السيد الوزير،
تفرض الحرائق المتكررة اعتماد مقاربة استباقية تشمل تحديد المناطق الأكثر عرضة للخطر، وتعزيز الإنذار المبكر والتدخل السريع، وتدبير المخلفات النباتية القابلة للاشتعال، وصيانة المسالك، وتوفير التجهيزات الضرورية، إلى جانب توعية الساكنة وإشراكها في برامج الوقاية. كما تستدعي هذه المقاربة تنسيقا عمليا بين المصالح المختصة والسلطات المحلية والجماعات الترابية والفاعلين المدنيين والمهنيين.
ولا تنتهي مسؤولية التدخل بإخماد النيران؛ إذ تحتاج الواحات المتضررة إلى جرد دقيق للخسائر، وبرامج لإعادة التأهيل، ودعم الفلاحين الصغار الذين فقدوا أشجارا أو موارد إنتاجية، مع اعتماد حلول تراعي خصوصيات كل مجال واحتياجاته المائية والبيئية. كما تقتضي الفعالية توثيق أسباب الحرائق وحجم الأضرار وتقييم نتائج التدخلات، حتى تستند القرارات المقبلة إلى معطيات ميدانية واضحة.
وترتبط هذه القضية كذلك برهان السيادة الغذائية للمغرب. فالواحات فضاءات للإنتاج الفلاحي، ومصدر للتمور ومنتجات أخرى، وحاضنة لأصناف زراعية ومعارف محلية راكمتها أجيال من الفلاحين. وتؤدي حمايتها دورا في صيانة الإنتاج المحلي، والحفاظ على التنوع الزراعي، ودعم الاقتصاد القروي، وتعزيز قدرة المجتمعات الواحية على مواجهة الجفاف والتغيرات المناخية.
ومن ثم، فإن إدماج الوقاية من الحرائق وتأهيل الواحات ضمن برامج تعزيز السيادة الغذائية يقتضي رؤية متكاملة تربط الفلاحة بتدبير المياه وحماية التربة والتنوع البيولوجي، وتضمن أن تتم عمليات إعادة الغرس والتأهيل وفق الإمكانات المائية والخصوصيات البيئية لكل منطقة.
السيد الوزير،
نأمل أن تبادر وزارتكم إلى مراجعة المطالب التي تضمنتها الرسائل والمقالات السابقة، وتقييم ما اتخذ بشأنها من إجراءات، والعمل على بلورة برنامج عملي لحماية الواحات، يتضمن أولويات واضحة وآجالا للتنفيذ ومؤشرات لقياس النتائج. كما نرى أن تنظيم لقاء تشاوري يضم ممثلي الساكنة والمهنيين والهيئات المدنية والباحثين يمكن أن يشكل خطوة مهمة لتحديد الحاجات الميدانية وترتيب التدخلات.
إننا نتوجه إليكم بروح المسؤولية والأمل، متطلعين إلى أن تحمل المرحلة الجديدة نفسا عمليا في تدبير هذا الملف، وأن تنتقل المطالب المتكررة من دائرة التنبيه إلى مسار واضح من الإنجاز والتقييم والمساءلة المؤسساتية.
فالواحات أمانة بيئية واقتصادية وثقافية، وحمايتها استثمار في مستقبل المجتمعات المحلية وفي استدامة الإنتاج الفلاحي والسيادة الغذائية الوطنية. ونتوسم خيرا في أن تحظى هذه القضية بالأولوية التي تستحقها، وأن تترجم الالتزامات إلى نتائج ملموسة تحفظ هذا الرصيد للأجيال المقبلة.
وتفضلوا، السيد الوزير، بقبول فائق التقدير والاحترام.
محمد التفراوتي
ناشط وإعلامي بيئي
19أكتوبر 2026
























