آفاق بيئية: محمد التفراوتي
تستعد سلطنة عُمان لاحتضان النسخة الثانية من “أسبوع عُمان للمناخ 2026” خلال الفترة الممتدة من 14 إلى 16 سبتمبر الجاري، في موعد يضع قضايا المناخ والاستدامة في قلب النقاش الوطني والإقليمي، ويفتح مساحة جديدة للحوار حول مستقبل التحول المناخي في المنطقة.
وبمشاركة مرتقبة من أكثر من 50 دولة، وحضور يتجاوز 25 ألف زائر، إلى جانب أكثر من 100 عارض ومتحدث من الخبراء وصناع القرار والمتخصصين، يسعى الحدث إلى تقديم نفسه كمنصة تجمع بين المعرفة والسياسات والابتكار والاستثمار، في محاولة للانتقال بالنقاش المناخي من مستوى التعهدات العامة إلى مستوى الحلول العملية القابلة للتطبيق.
وتكتسب هذه الدورة أهمية خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجال الطاقة والمياه والغذاء والصناعة والتمويل، وهي قطاعات تتقاطع بصورة مباشرة مع تحديات المناخ ومع قدرة الدول على بناء اقتصادات أكثر مرونة وأقل اعتمادا على الأنماط عالية الانبعاثات.
المناخ في قلب رؤية عُمان 2040
يقام أسبوع عُمان للمناخ تحت رعاية الشيخ الفضل بن محمد الحارثي، الأمين العام لمجلس الوزراء، وتنظمه هيئة البيئة وشركة دار العربية لتحليل البيانات، بمشاركة واسعة من المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والجامعات ومراكز البحث العلمي والمجتمع المدني.
وتأتي هذه المبادرة في ارتباط مباشر بمسار رؤية عُمان 2040، التي تضع الاستدامة والتنويع الاقتصادي وتعزيز كفاءة الموارد ضمن مرتكزات التحول الوطني.
ومن هذه الزاوية، يمثل الحدث فرصة لطرح سؤال يتجاوز حدود تنظيم مؤتمر أو معرض متخصص: كيف يمكن ترجمة الأهداف المناخية إلى سياسات واستثمارات ومشاريع تغير فعليا طريقة إنتاج الطاقة واستهلاك المياه وإدارة الموارد وحماية النظم البيئية؟
فالمعادلة المناخية الجديدة أصبحت أكثر تعقيدا. الدول مطالبة بخفض الانبعاثات وتعزيز قدرتها على التكيف، وفي الوقت نفسه حماية أمن الطاقة والمياه والغذاء، وتوفير فرص اقتصادية جديدة، وتمويل التحول، والحفاظ على تنافسية قطاعاتها الإنتاجية.
وهنا تظهر أهمية المنصات التي تجمع الحكومة والعلماء والمستثمرين والشركات والمجتمع المدني والشباب حول الطاولة نفسها.
من التعهدات إلى الحلول
يتضمن الأسبوع مؤتمرا رفيع المستوى يناقش مجموعة من الأولويات الوطنية والإقليمية المرتبطة بالعمل المناخي، إلى جانب جلسات حوارية يشارك فيها مسؤولون وصناع قرار ورؤساء تنفيذيون، فضلا عن ورش تطبيقية وبرامج تدريبية تستهدف بناء القدرات وتبادل الخبرات.
وتبدو هذه النقطة من أكثر الجوانب أهمية في التجربة، لأن أزمة المناخ تواجه اليوم مشكلة تنفيذية بقدر ما تواجه تحديا سياسيا وعلميا.
خلال السنوات الماضية، تراكمت الالتزامات الدولية المتعلقة بالمناخ، من اتفاق باريس إلى المساهمات المحددة وطنيا والاستراتيجيات الوطنية للحياد الكربوني. لكن الفجوة بين ما تعلنه الدول وما يتحقق على الأرض ما تزال تشكل أحد أكبر التحديات أمام العمل المناخي العالمي.
من هنا تبرز قيمة ورش العمل والتدريب وعرض الحلول والتجارب الناجحة. فالمناخ يحتاج إلى مهارات ومهندسين وباحثين ومقاولات ناشئة ومؤسسات تمويل وإدارات قادرة على تحويل الأهداف إلى برامج ومشاريع ومؤشرات قابلة للقياس.
معرض للحلول المناخية
يحمل المعرض المتخصص المصاحب للأسبوع بعدا عمليا لافتا، من خلال استعراض تقنيات وخدمات مرتبطة بالطاقة والمياه والصناعة والبيئة والاستدامة والتمويل البيئي.
ويمكن لهذا النوع من الفضاءات أن يؤدي وظيفة تتجاوز العرض التجاري، عندما يصبح نقطة التقاء بين مزودي الحلول والشركات والمستثمرين والمؤسسات الحكومية.
فالتحول المناخي يحتاج إلى سوق للحلول، وإلى بيئة قادرة على ربط الابتكار بالتمويل، والبحث العلمي بالقطاع الإنتاجي، والمشاريع الناشئة بالاحتياجات الفعلية للمدن والمناطق والقطاعات الاقتصادية.
وفي منطقة الخليج، حيث تتقاطع تحديات ندرة المياه وارتفاع درجات الحرارة وضغوط التنمية مع التحولات في أسواق الطاقة العالمية، يمكن للتكنولوجيا والابتكار أن يلعبا دورا حاسما في إعادة تشكيل العلاقة بين النمو الاقتصادي والموارد الطبيعية.
الشباب والمرأة في قلب التحول
ومن اللافت في برنامج أسبوع عُمان للمناخ حضور منصات مخصصة للشباب والمرأة، إلى جانب إطلاق مسابقة وتحدي “إيكثون” يستهدف الشباب.
هذه المبادرات تكتسب أهمية خاصة، لأن التحول المناخي سيعيد تشكيل سوق العمل والاقتصاد خلال العقود المقبلة، وسيحتاج إلى جيل جديد من المهارات والأفكار والمشاريع.
الشباب اليوم لا ينبغي أن يكونوا مجرد جمهور للخطاب المناخي. إنهم جزء أساسي من صناعة الحلول، خصوصا في مجالات التكنولوجيا النظيفة والذكاء الاصطناعي وإدارة المياه والطاقة المتجددة والاقتصاد الدائري وحماية النظم البيئية.
كما أن حضور المرأة في النقاش المناخي يرتبط بطبيعة التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية للمناخ، وبضرورة توسيع دائرة المشاركة في صناعة السياسات والابتكار والتمويل.
من قاعات المؤتمر إلى المجتمع
ربما تكمن إحدى أهم نقاط القوة في البرنامج في المبادرات المجتمعية والبيئية المصاحبة للحدث، ومنها “الإرث الأخضر عُمان” للتشجير، و**”عُمان بلا بلاستيك”** للتوعية البيئية، و**”رمالنا”** للحفاظ على البيئة الصحراوية، و**”ساحلنا”** لحماية النظم البيئية البحرية.
هذه المبادرات تفتح نافذة مهمة على مفهوم المشاركة المجتمعية في العمل المناخي.
فالمناخ لا يعيش داخل قاعات المؤتمرات. تأثيراته تظهر في المدن والسواحل والصحارى والمزارع ومصادر المياه، وفي حياة الناس اليومية. ولذلك فإن نجاح أي استراتيجية مناخية يرتبط بمدى قدرتها على الوصول إلى المجتمع وتحويل الوعي البيئي إلى سلوك وممارسة ومشاركة.
وتكتسب مبادرة حماية السواحل والنظم البيئية البحرية أهمية خاصة بالنسبة إلى سلطنة عُمان، التي تمتلك واجهة بحرية واسعة ونظم بيئية بحرية وصحراوية ذات قيمة اقتصادية وبيئية كبيرة. حماية هذه الأنظمة تعني في الوقت نفسه حماية التنوع البيولوجي ومصادر الرزق وتعزيز قدرة المجتمعات الساحلية على مواجهة آثار تغير المناخ.
عُمان والخليج في المشهد المناخي العالمي
يأتي أسبوع عُمان للمناخ في مرحلة تشهد فيها منطقة الخليج تحولا متزايدا في مقاربتها لقضايا المناخ والطاقة والاستدامة.
وتتحرك دول المنطقة في اتجاهات متعددة تشمل الطاقة المتجددة والهيدروجين والاقتصاد الدائري وكفاءة استخدام المياه وخفض الانبعاثات وحماية الطبيعة، بالتوازي مع استمرار أهمية النفط والغاز في اقتصاداتها.
وهذه المعادلة تجعل المنطقة أمام تحد استراتيجي كبير: كيف يمكن بناء اقتصاد منخفض الكربون مع الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي؟
الإجابة تحتاج إلى سياسات واقعية، واستثمارات ضخمة، وبحث علمي، وتكنولوجيا، وشراكات دولية، إضافة إلى تمويل مناخي قادر على الوصول إلى المشاريع والمجتمعات الأكثر احتياجا.
ومن هذه الزاوية، يمكن لأسبوع عُمان للمناخ أن يشكل مساحة عربية مهمة لتبادل التجارب حول التحول الاقتصادي والمناخي، خصوصا إذا نجح في بناء شراكات طويلة الأمد تتجاوز أيام الحدث.
البحر والمياه والطاقة: ثلاثية التحدي
بالنسبة إلى المنطقة العربية، تبدو قضية المياه في قلب المعادلة المناخية. ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط التساقطات والضغط المتزايد على الموارد المائية تجعل الابتكار في إدارة المياه وتحليتها وإعادة استخدامها قضية استراتيجية.
وفي الوقت نفسه، يمثل البحر مجالا حيويا للأمن الاقتصادي والبيئي، سواء تعلق الأمر بالثروة السمكية أو السياحة الساحلية أو النقل البحري أو النظم البيئية البحرية.
أما الطاقة، فتظل الحلقة الأكثر تأثيرا في مسار التحول، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالاقتصاد والانبعاثات والاستثمار.
لهذا فإن الجمع بين الطاقة والمياه والبيئة والصناعة والتمويل داخل معرض واحد ومنصة واحدة يتيح قراءة أكثر تكاملا للتحول المناخي.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد 16 سبتمبر
قد تنجح المؤتمرات في جمع الخبراء وصناع القرار، وقد تملأ قاعاتها بالنقاشات والتوصيات وتوقيع الاتفاقيات. لكن القيمة الحقيقية لأي حدث مناخي تظهر بعد انتهاء الجلسات.
ما المشاريع التي ستخرج إلى التنفيذ؟
ما الاستثمارات التي ستتولد؟
ما الشراكات التي ستستمر؟
ما الحلول التي ستصل إلى المدن والمجتمعات؟
وما المؤشرات التي ستسمح بقياس أثرها المناخي والبيئي؟
هذه الأسئلة ستظل حاضرة أمام النسخة الثانية من أسبوع عُمان للمناخ.
فالعالم يعيش مرحلة دقيقة من العمل المناخي، تتراجع فيها مساحة الانتظار وتتزايد الحاجة إلى قرارات عملية واستثمارات ملموسة وحلول قابلة للتوسع.
ومن هنا، فإن نجاح التجربة العمانية يمكن أن يقاس بقدرتها على تحويل الأيام الثلاثة من 14 إلى 16 سبتمبر إلى مسار ممتد للشراكات والابتكار والعمل والتنفيذ.
في النهاية، يحتاج العمل المناخي العربي إلى منصات تجمع المعرفة بالقرار، والعلم بالاقتصاد، والابتكار بالتمويل، والسياسات بالمجتمع. وإذا استطاع “أسبوع عُمان للمناخ 2026” أن يؤدي هذا الدور، فقد يتحول من فعالية سنوية إلى مساحة مؤثرة في رسم ملامح التعاون المناخي في الخليج والمنطقة العربية.
فالمعركة المناخية في المنطقة ستحددها قدرة الدول على الانتقال من لغة التعهدات إلى لغة المشاريع، ومن إعلان الأهداف إلى قياس النتائج، ومن إدارة المخاطر إلى بناء قدرة حقيقية على الصمود أمام مناخ يتغير بوتيرة متسارعة.





















