طفل الصحراء… من الحكاية إلى التحليل الرمزي

محمد التفراوتيمنذ ساعتينآخر تحديث :
طفل الصحراء… من الحكاية إلى التحليل الرمزي

آفاق بيئية: محمد التفراوتي
هناك أفلام نتابعها فنستمتع بأحداثها، وأفلام أخرى تظل معنا بعد انتهاء المشاهدة، لأنها تفتح أمامنا أبوابا واسعة للتأمل في الإنسان والطبيعة والذاكرة والانتماء. وفيلم طفل الصحراء «L’Enfant du Désert، ينتمي إلى هذا النوع من الأعمال التي تجعل الحكاية مدخلا إلى أسئلة أكبر من الحكاية نفسها.
إنها قصة طفل مغربي اسمه هدارة، ضاع في الصحراء وهو في الثانية من عمره، ثم وجد في قطيع من النعام عالما احتضنه لسنوات طويلة.
لكن الفيلم يذهب أبعد من قصة النجاة.
إنه يفتح أمام المشاهد عالما من الرموز: طفل يجد مجتمعه بين الحيوانات، طبيعة تتحول إلى مأوى، حيوان يصبح رفيقا، رقصة تنتقل من النعام إلى الإنسان، وذاكرة تعبر الأجيال حتى تصل إلى طفلة صغيرة تحمل القصة إلى الكتاب ثم إلى السينما.

عاصفة الرمل التي غيرت حياة طفل

تبدأ الحكاية في الصحراء، حيث كان هدارة طفلا في الثانية من عمره يرافق أمه في رحلة مع الأسرة.
في لحظة عابرة، سقط قرب الماء من فوق الجمل. نزلت الأم لالتقاطه، وحين أسرعت إلى استعادة الجمل، انطلق الحيوان بعيدا، فوجدت الأم نفسها أمام اتساع الصحراء.
ثم جاءت العاصفة الرملية.
اشتدت الرياح، واضطرب المكان، وتاه الطفل وسط الرمال.
كانت تلك اللحظة فاصلة في حياته.
طفل صغير في الثانية من عمره يجد نفسه وحيدا في فضاء شاسع، بينما تبحث عنه أمه وسط العاصفة.
كان المشهد يحمل في داخله بداية حياة أخرى، حياة ستقوده إلى عالم لم يكن يعرفه.
ثم تظهر النعام.
حين عادت النعام إلى الطفل
في واحدة من اللقطات الجميلة والمؤثرة، تقترب النعام من الطفل.
تتحرك نحوه، ثم تبتعد.
يبدو القطيع وكأنه يحاول استعادة مسافته الطبيعية، بينما يبقى الطفل وحيدا في الصحراء.
ثم يحدث ما يمنح المشهد قوته الإنسانية.
تعود النعام.
تقترب من الطفل، وتضمه إلى القطيع، وكأن غريزة ما دفعتها إلى احتضانه وحمايته.

وفي غمرة براءته وجهله بمخاطر الصحراء الفتاكة، مد الطفل الصغير يده بفضول طفولي نحو عقرب أسود يتلألأ فوق الرمال، غافلا عن السم الزعاف الذي تخبئه لدغته. وفي لمحة بصر، تجسدت غريزة الأمومة في أبهى صورها. إذ لمحت النعامة الأم الخطر المحدق بطفلها المتبنى، واندفعت بسرعة البرق لتضرب الأرض برجلها القوية في رفسة حاسمة أطاحت بالعقرب بعيدا.
كانت لقطة مهيبة ومؤثرة، تجمدت فيها أنفاس الصغير، ليتعلم في تلك اللحظة، وعبر تلك الرفسة الحانية، أن له في قلب هذه الطيور العملاقة عائلة حقيقية تفتديه وتحميه من غدر الصحراء.
وهنا تكتسب علاقة هدارة بالنعام معنى أعمق

فالقطيع يوفر له المأوى والغذاء، ويحميه أيضا من أخطار البيئة التي يجهلها الطفل. تتحول النعامة في هذه اللحظة إلى صورة للأمومة التي تتجاوز حدود النوع، ويصبح الطفل الصغير جزءا من عائلة اختارت الطبيعة أن تمنحه إياها.

هنا تبدأ العلاقة التي ستغير حياة هدارة.
يمكن قراءة هذا المشهد باعتباره صورة مكثفة لما يمكن تسميته نبل الغريزة الحيوانية. غريزة الرعاية التي تظهر في لحظة حاسمة، فتفتح أمام طفل وحيد طريقا إلى الحياة.
الطفل جاء من عالم البشر، والنعام ينتمي إلى عالم آخر، ومع ذلك تنشأ بينهما رابطة تتجاوز حدود النوع.
من تلك اللحظة يبدأ هدارة في التعرف إلى عالمه الجديد.
يتعلم إيقاع القطيع، وحركاته، وطريقة أكله، وطرائق العيش في الصحراء.
ومع مرور السنوات، يصبح القطيع بالنسبة إليه عائلة ومجتمعا وذاكرة.
طفل فقد أسرته في الصحراء، فوجد أسرة أخرى احتضنته في قلب الطبيعة.

طفل وجد عائلته في الصحراء

يقدم الفيلم علاقة هدارة بالنعام بوصفها علاقة يومية عميقة.
يتعلم الطفل مما تفعله النعام.
يأكل مما تأكل.
يتحرك كما تتحرك.
يراقبها طويلا، ثم يقلد حركاتها.
تمنحه النعام الحماية والغذاء، بينما يمنحها وجوده نوعا من الألفة التي ستتطور مع الزمن.
وهكذا يصبح القطيع بالنسبة إلى الطفل مجتمعا كاملا.
كان له مكان بينهم، وعلاقات، وأصدقاء، وكائنات صغيرة يأنس إليها، وذاكرة تتشكل في فضاء الصحراء.
وهنا تظهر فكرة إنسانية عميقة:
الطفل يحتاج إلى الانتماء بقدر حاجته إلى الغذاء والمأوى.
هدارة وجد هذا الانتماء وسط النعام.
الصداقة التي تتجاوز حدود النوع
تأخذ علاقة هدارة بالحيوانات الصغيرة مكانا خاصا في الفيلم.
كان الطفل يتعامل معها بألفة واضحة، وحين يموت أحدها يحفر له في الرمال ويدفنه.
مشهد بسيط في صورته، عميق في دلالته.
فالطفل الذي يعيش بعيدا عن المجتمع البشري يعرف معنى الفقد والحزن والوفاء.
يتعامل مع الحيوان ككائن له مكان في عالمه، ويمنحه مشاعر القرب والرعاية.
هنا تصبح الصحراء فضاء للتعلم الأخلاقي أيضا.
يتعلم الطفل فيها معنى الصداقة، والرعاية، والحزن على الموت، والوفاء لمن عاش معه.

رقصة بين الإنسان والنعام

ومن أجمل التفاصيل التي تمنح تجربة هدارة بعدها الحسي والإنساني مشاهد الرقص.
كان هدارة يقلد حركات النعام في رقصاته، فيحاكي طريقة تحركها وإيقاعها، ثم يضيف إليها لمسته الإنسانية الخاصة.
فتولد رقصة تقع في مساحة جميلة بين عالم الحيوان وعالم الإنسان: حركات مستوحاة من النعام، يؤديها طفل أصبح جزءا من عالمها، ويمنحها في الوقت نفسه تعبيرا إنسانيا خاصا.
الرقص هنا لغة للتواصل والانتماء.
فالطفل الذي عاش بين النعام تعلم لغة المكان بالجسد والحركة، ووجد في التقليد وسيلة للتقرب من القطيع ومشاركته إيقاع الحياة.
كان يرقص كما ترقص النعام، لكنه يضيف إلى حركاتها شيئا من الإنسان، وكأنه يصنع لغة مشتركة تجمع بين عالمين.
ويعيد الفيلم تقديم هذه الرقصة في الحاضر من خلال حفيدة هدارة.
خلال زيارة سان (SUN) للصحراء، وبعد جلسة جمعتها بالرحل وأبنائهم داخل الخيمة للحديث عن قصة هدارة، تدعوها حفيدته إلى الخروج إلى الفضاء المفتوح.
هناك تستعرض أمامها الرقصة التي تحمل شيئا من ذاكرة جدها.
تراقبها سان بإعجاب، ثم تبدأ في تقليد حركاتها، فترقصان معا.
وبعد قليل يلتحق بهما أطفال القبيلة الذين رافقوهما، ويتحول المشهد إلى لحظة جماعية من الفرح والحركة.
هنا تصبح الرقصة جسرا بين الأجيال.
هدارة تعلم حركاته من النعام.
وحفيدته تحفظ أثرا من ذاكرته.
سان تتعلم الرقصة منها.
وأطفال القبيلة يشاركون في استعادتها.
وهكذا تنتقل الحكاية من جيل إلى جيل بالحركة والجسد، كما تنتقل بالكلمات والذاكرة.
فالرقصة التي بدأت بحركات النعام أصبحت، مع مرور الزمن، ذاكرة إنسانية تحمل أثر الحيوان داخلها.
وربما تكمن روعة هذا المشهد في أن هدارة، حين عاش مع النعام، تعلم منها إيقاع الحياة، ثم بقي ذلك الإيقاع حاضرا في ذاكرة عائلته.

الطفل الذي أصبح فردا من القطيع

من أكثر المشاهد دلالة مشهد النعامة الصغيرة التي أُخذت من القطيع.
يشعر هدارة بفقد أحد أفراد جماعته. نعامة صغيرة
يتجه نحو مخيم زوار في مهمة تصوير سينمائي، مستخدما الإشارات والحركات، محاولا إيصال رسالته.
ثم يركض نحو الخيام، ويبحث عن النعامة الصغيرة، قبل أن يأخذها ويعيدها إلى قطيعها.
المشهد يكشف عمق الانتماء الذي تشكل لدى الطفل.
هدارة يعرف أفراد القطيع، ويتأثر بغياب أحدهم، ويتحرك لاستعادته.
لغة الكلام غائبة، بينما لغة المشاعر حاضرة بقوة.
يستخدم الطفل الجسد والنظرات والحركة ليقول:
هذا الصغير ينتمي إلى القطيع، وأنا أنتمي إليه.
وهنا يصبح الحيوان جزءا من البنية الاجتماعية التي صنعها الطفل في عالمه الخاص.

هدارة يصنع مجتمعه

ربما تكون هذه النقطة من أكثر جوانب الفيلم إثارة للتأمل.
هدارة عاش سنوات طويلة بين النعام، ومع الوقت أصبح جزءا من منظومتهم الاجتماعية.
كان يعرف القطيع، ويميز أفراده، ويتفاعل معهم، ويحمي من يستطيع حمايته، ويحزن عند فقد أحدهم.
لقد صنع، في حدود عالمه، مجتمعا خاصا.
وهنا يطرح الفيلم سؤالا فلسفيا عميقا:
ما الذي يجعل الجماعة مجتمعا؟
هل اللغة؟
هل المكان؟
هل الدم والنسب؟
أم أن المجتمع يمكن أن يقوم على الألفة والرعاية والذاكرة والانتماء؟
تجربة هدارة تترك الإجابة مفتوحة.
لقد وجد في القطيع ما يحتاجه الطفل من شعور بالأمان والانتماء.

الصحراء وطن

من أجمل ما يقدمه الفيلم صورة الصحراء.
المكان الذي قد يراه الإنسان العابر فضاء قاحلا وممتدا، يراه هدارة وطنا نابضا بالحياة.
في الصحراء يجد الطعام والماء والنعام والحيوانات الصغيرة والفضاء الواسع.
يتعلم أسرار المكان من خلال العيش فيه.
وهكذا تتحول الصحراء إلى شخصية حاضرة في الحكاية.
الصحراء تمنح الطفل فرصة ثانية للحياة.
والنعام تمنحه الحماية.
والطبيعة تمنحه مجتمعا.
ومن هنا تظهر إحدى أهم الرسائل البيئية في الفيلم:
الطبيعة قادرة على احتضان الإنسان عندما يتعلم الإنسان كيف يعيش معها.

الأوراق والقلم… بداية اكتشاف الذات

من التفاصيل اللافتة في الفيلم أن هدارة كان قد وصل في وقت سابق إلى منطقة الرحل، وأخذ بعض الأوراق وقلم، وبدأ يرسم.
كان الطفل يبحث عن وسيلة للتعبير عن عالمه الداخلي.
وبعد مراقبته طويلا، يترك له جد سان أوراقا وأقلاما.
هذه اللحظة تحمل رمزية جميلة.
فالطفل يعيش في عالم تحكمه الحركة والإشارة والصوت، ثم تظهر الأوراق والقلم.
يبدأ بالرسم.
يرسم ما يراه، وما يشعر به، وما يعيشه.
الرسم يصبح لغته الأولى.
قبل أن يستعيد لغة البشر، كانت لديه لغة الصورة والحركة والذاكرة.
وكأن الأوراق تمنحه مساحة ليقول:
هذا عالمي، وهذه حياتي، وهذه الأشياء التي أراها وأشعر بها.
وهنا ينتقل الفيلم من سؤال البقاء إلى سؤال التعبير.
فالإنسان يحتاج إلى التعبير عن تجربته، حتى عندما يعيش خارج المجتمع الذي يعرف الكتابة واللغة.
عندما تتحول الحكاية إلى مشروع للاستغلال
تأخذ القصة منحى آخر عندما يصل رفاق جد سان إلى الصحراء.
يرون في حكاية الطفل فرصة لتصوير فيلم عنه.
تظهر أفكار متعددة: فيلم يصور في الصحراء، وفيلم آخر يمكن إنجازه في أمريكا، وتحويل تجربة هدارة إلى قصة سينمائية واسعة الانتشار.
تبدو الفكرة جذابة من زاوية الصناعة السينمائية، بينما ينظر الجد إلى الطفل من زاوية مختلفة تماما.
هو يعرف هدارة، ويراقبه، ويفهم عالمه.
ويرى أن الطفل يحتاج إلى الوقت حتى تلتقيه عائلته، وأن تحويله إلى موضوع للفرجة سيضعه أمام عالم غريب عليه.
لذلك يختار الجد حمايته.
يختار أن يترك الطفل يعيش في الصحراء حتى تصل إليه أسرته.
وهنا يقدم الفيلم موقفا أخلاقيا شديد القوة:
حماية الإنسان تبدأ أحيانا باحترام حقه في أن يعيش حياته بعيدا عن أعين الآخرين.

الجد الذي اختار حماية الطفل

كان الجد أمام خيارين: تحويل القصة إلى مشروع يستفيد منه الآخرون، أو ترك الطفل في عالمه حتى تعثر عليه أسرته.
اختار الطريق الثاني.
راقب هدارة طويلا، وفهم عاداته، وتابع علاقته بالنعام، وانتظر اللحظة المناسبة.
كان يعرف أن الطفل سيحتاج في مرحلة ما إلى العودة إلى عالم البشر.
ولهذا ترك له الأوراق والقلم.
وهنا يصبح الجد شخصية أخلاقية أساسية في الفيلم.
إنه الرجل الذي عرف قيمة القصة، وفي الوقت نفسه عرف قيمة الإنسان الذي تقف وراءه القصة.
كرامة الطفل عنده تسبق شهرة الحكاية.
من يملك الحكاية؟
يطرح الفيلم من خلال هذه الأحداث سؤالا معاصرا شديد الأهمية:
من يملك قصة الإنسان؟
هل يملكها من عاشها؟
أم عائلته؟
أم من اكتشفها؟
أم الكاتب؟
أم المخرج؟
أم الجمهور؟
يحمل موقف الجد إجابة أخلاقية واضحة.
القصة يمكن أن تنتقل إلى الآخرين، ويمكن أن تتحول إلى كتاب وفيلم، لكن الإنسان يظل صاحب الحق الأول في كرامته وحريته.
وهذه الفكرة تزداد أهمية في زمن أصبحت فيه حياة الناس وقصصهم قابلة للتصوير والنشر والاستثمار خلال لحظات.

هدارة وحي بن يقظان

هنا تبرز المقارنة مع حي بن يقظان لابن طفيل.
في قصة حي بن يقظان، ينشأ الإنسان بعيدا عن المجتمع البشري، ويتعلم من الطبيعة من خلال الملاحظة والتجربة والتأمل.
هدارة يعيش أيضا خارج المجتمع البشري، ويكتشف العالم من خلال الطبيعة.
تسير التجربتان في مسارين مختلفين.
حي بن يقظان يكتشف العالم عبر العقل والتأمل.
هدارة يكتشف العالم عبر المشاركة والتعايش والانتماء.
حي يتأمل الكائنات من حوله.
هدارة يعيش معها.
وهذا يمنح قصة هدارة بعدا فلسفيا خاصا:
الإنسان يستطيع أن يتعلم من الطبيعة بالعقل، ويستطيع أيضا أن يتعلم منها بالحياة المشتركة.

سؤال الإنسانية

تجربة هدارة تفتح سؤالا أعمق:
أين تبدأ إنسانية الإنسان؟
هل تبدأ باللغة؟
أم بالأسرة؟
أم بالمجتمع؟
أم بالقدرة على الحب والحزن والرعاية والتعبير؟
هدارة، رغم غيابه الطويل عن البشر، احتفظ بقدرته على التواصل العاطفي.
أحب.
وحزن.
ورعى.
ودافع عن رفاقه.
ورسم.
وتعلق بعالمه.
ثم عاد إلى المجتمع البشري وأسس أسرة.
وهكذا تكشف التجربة أن جوهر الإنسان أعمق من القوالب الاجتماعية التي تحيط به.

عودة هدارة إلى البشر

بعد سنوات طويلة في الصحراء، تبدأ مرحلة جديدة في حياة هدارة.
يجد نفسه أمام لغة جديدة وعادات جديدة ومجتمع مختلف.
تبدأ رحلة تعلم الكلام والقراءة والكتابة واستعادة علاقته بالبشر.
لكن الصحراء تظل جزءا من ذاكرته.
والنعام يظل جزءا من طفولته.
والتجربة كلها تصبح جزءا من هويته.
ثم يلتقي فتاة تغير مسار حياته.
يؤسس معها أسرة، وينجب خمسة أبناء.
وهكذا تبدأ دورة جديدة من الحياة.
الطفل الذي ضاع في الصحراء يصبح أبا، ثم جدا، وتتحول حكايته إلى ذاكرة تنتقل عبر الأجيال.
الحفيدة التي تحمل ذاكرة هدارة
بعد أن كتبت سان كتابها اعتمادا على حكاية جدها، تأتي زيارة الصحراء لتفتح أمامها صفحة جديدة.

هناك تلتقي حفيدة هدارة.
تحكي لها ما تعرفه عن جدها، وتكشف لها جوانب أخرى من حياته، فتدرك سان أن الحكاية التي حملتها في كتابها تحتاج إلى أصوات أخرى.
تزوران معا قبر هدارة.
المشهد يحمل معنى عميقا.
هناك يقف الماضي أمام الحاضر.
الرجل الذي عاش المغامرة غاب، لكن ذاكرته بقيت حاضرة في أحفاده، وفي الصحراء، وفي الحكاية التي انتقلت إلى فتاة صغيرة بعيدة عن عالمه.
«أنت من يجب أن يكتب الكتاب»
في لحظة مؤثرة، وبعد أن تستمع سان إلى تفاصيل حياة هدارة التي تحملها حفيدته، تقول لها:
«أنت من يجب أن يكتب الكتاب، لا أنا.»
هذه الجملة تحمل تحولا مهما في مسار الشخصية.
سان بدأت الحكاية ككاتبة صغيرة تعتمد على رواية جدها.
ثم وصلت إلى الصحراء واكتشفت أن الحكاية أوسع من الكتاب الذي كتبته.
أصبحت أمام ذاكرة عائلية مباشرة، أمام حفيدة تحمل امتداد حياة هدارة.
وهكذا تنتقل الكتابة من موقع الرواية إلى موقع الإصغاء.
فالكاتب أحيانا يبدأ من الحكاية التي يسمعها، ثم يكتشف أن هناك أصواتا أخرى يجب أن تصل إلى القارئ.

حفيدتان تحملان ذاكرة جيلين

يمكن النظر إلى الفيلم باعتباره لقاء بين حفيدتين تحمل كل واحدة منهما ذاكرة جيل.
سان تحمل حكاية جدها.
وحفيدة هدارة تحمل حكاية جدها.
كل واحدة تملك جزءا من الصورة.
وعندما تلتقيان، تلتقي ذاكرتان.
تذهب الفتاتان معا إلى قبر هدارة.
هناك تتوقف الحكاية لحظة أمام الموت، ثم تستمر عبر الأحياء.
فالإنسان يغيب، بينما تستمر الذاكرة.
وهذا أحد أجمل رموز الفيلم:
الذاكرة تمنح الإنسان حياة ثانية.
جيلان من الحافظين للحكاية
يمكن قراءة الفيلم باعتباره رحلة للذاكرة عبر الأجيال.
جد يحكي لحفيدته.
الحفيدة تحمل الحكاية.
فتاة صغيرة تكتبها.
ثم تأتي السينما لتحول الكتاب إلى صورة وحركة وصوت.
وفي كل مرحلة تكتسب القصة حياة جديدة.
تنتقل من الذاكرة إلى الكلام، ومن الكلام إلى الكتاب، ومن الكتاب إلى الفيلم، ثم تصل إلى المشاهد.
وهكذا يصبح الفيلم نفسه حلقة جديدة في سلسلة طويلة من انتقال الذاكرة الإنسانية.

الطبيعة بوصفها أما

يحمل الفيلم بعدا بيئيا عميقا.
الطبيعة تظهر فضاء للحياة والحماية.
النعام يمنح الطفل فرصة للبقاء.
الصحراء تمنحه الغذاء والفضاء.
الحيوانات الصغيرة تمنحه الصداقة.
والقطيع يمنحه الشعور بالانتماء.
وهذا يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والطبيعة.
الطبيعة في تجربة هدارة تحمل معنى يتجاوز الموارد.
إنها علاقة.
ومجتمع.
وذاكرة.
ومكان للعيش.
وهذا من أهم ما يمكن أن يقرأه المشاهد البيئي في الفيلم:
الإنسان جزء من شبكة الحياة، وعلاقته بالكائنات الأخرى يمكن أن تقوم على الألفة والرعاية والتعايش.

نبل الغريزة الحيوانية

تعود صورة النعام في الفيلم أكثر من مرة لتؤكد معنى الرعاية.
في البداية، حين اقترب القطيع من الطفل ثم ابتعد، عاد إليه واحتضنه.
وفي مرحلة لاحقة، يصبح الطفل نفسه جزءا من القطيع.
ثم يدافع عن النعامة الصغيرة حين تفقد مكانها بين أفراد المجموعة.
وتتكرر الدائرة:
النعام حمى الطفل.
والطفل يحمي النعام.
هنا تنشأ علاقة تبادل رمزية، قوامها الرعاية والانتماء.
وكأن الفيلم يقول إن العناية بالكائنات قد تعيد إلى الإنسان جزءا من إنسانيته.
من طفل ضائع إلى إنسان اختار الحياة
تنتهي رحلة هدارة بصورة مختلفة تماما عن بدايتها.
طفل صغير تضيع به العاصفة.
قطيع من النعام يحتضنه.
سنوات من العيش في الصحراء.
عودة إلى البشر.
تعلم اللغة.
الزواج.
خمسة أبناء.
ثم أحفاد يحملون الذاكرة.
إنها دائرة حياة كاملة.
الطفل الذي ظن الجميع أن الصحراء ستبتلعه أصبح هو نفسه جزءا من ذاكرة الصحراء.

فيلم عن الطفولة والطبيعة والذاكرة

قوة «طفل الصحراء» تكمن في جمعه طبقات متعددة داخل حكاية واحدة.
إنه فيلم عن الطفولة.
وعن الحيوانات.
وعن الصحراء.
وعن العائلة.
وعن الذاكرة.
وعن الكتابة.
وعن السينما.
وعن أخلاقيات التعامل مع الإنسان والطبيعة.
وهو أيضا فيلم عن سؤال الانتماء.
هدارة وجد عائلته الأولى بين النعام.
ثم عاد إلى عائلته البشرية.
وفي المسافة بين العالمين تشكلت شخصيته.
حين تصبح الحكاية سؤالا
بعد انتهاء الفيلم، قد يبقى المشاهد مشدودا إلى تفاصيل المغامرة: طفل ضائع، ونعام، وصحراء، وعودة إلى الأسرة.
لكن عمق الحكاية يكمن في الأسئلة التي تظل مفتوحة.
كيف يتشكل الانتماء؟
كيف يتعلم الإنسان عندما يغيب المجتمع؟
كيف تستطيع الطبيعة أن تعلمنا ما نسيناه؟
كيف ننظر إلى الحيوان: ككائن شريك في الحياة أم كمادة للاستخدام؟
متى تتحول القصة الإنسانية إلى مجال للاستغلال؟
ومن يحق له أن يروي ذاكرة الآخرين؟
أسئلة كثيرة يتركها الفيلم خلفه.
وربما أجملها:
ماذا لو كان الإنسان، كلما ابتعد عن الطبيعة، ابتعد أيضا عن جزء من نفسه؟

هدارة… حكاية تستحق أن تروى

«طفل الصحراء» يحمل في داخله حكاية إنسان، وحكاية طبيعة، وحكاية أجيال.
حكاية طفل وجد الأمان وسط قطيع من النعام.
حكاية صداقة تجاوزت حدود النوع.
حكاية طفل حزن على موت كائن صغير ودفنه في الرمال.
حكاية نعامة صغيرة أعادها إلى قطيعها لأنه شعر بأنها جزء من عائلته.
حكاية طفل تعلم رقصة النعام وأضاف إليها لمسته الإنسانية.
حكاية حفيدة حفظت الرقصة والذاكرة.
حكاية فتاة صغيرة تعلمت أن تصغي إلى الحكاية قبل أن تكتبها.
حكاية جد اختار حماية الطفل على استغلال قصته.
حكاية أوراق وقلم تحولا إلى وسيلة للتعبير.
حكاية حفيدتين أعادتا وصل مسارين من الماضي.
وحكاية رجل بدأ حياته طفلا ضائعا، ثم وجد الحب وأسس أسرة وأنجب خمسة أبناء، وترك خلفه ذاكرة امتدت إلى الأحفاد.
وفي كل ذلك تظل الصحراء حاضرة، واسعة وصامتة، كأنها الشاهد الأكبر على الحكاية.
ربما لهذا تبدو قصة هدارة قريبة من حي بن يقظان، وقريبة أيضا من الحكايات القديمة التي جعلت الطبيعة معلما أول للإنسان.
تجربة هدارة تضيف بعدا شديد الإنسانية:
يمكن للإنسان أن يتعلم من الطبيعة، وأن يحبها، وأن ينتمي إليها، وأن يجد فيها عائلة.
ومن هنا تصبح حكاية طفل الصحراء دعوة هادئة إلى إعادة النظر في علاقتنا بالكائنات التي نتقاسم معها هذا الكوكب.
فربما لا تحتاج الطبيعة دائما إلى أن نتحدث باسمها.
ربما تحتاج أولا إلى أن نصغي إليها.
وربما كان هدارة، الطفل الذي عاش بين النعام، قد عرف هذه الحقيقة قبلنا جميعا.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!