في رحاب الهيئة العامة لمصايد أسماك البحر الأبيض المتوسط (CGPM) -5-

محمد التفراوتي5 يوليو 2026آخر تحديث :
تصوير الدكتور محمد نوفل تمصوري©
تصوير الدكتور محمد نوفل تمصوري©

عندما يتفق العلماء وتتأخر السياسة… هل تحتاج حوكمة البحر الأبيض المتوسط إلى نموذج جديد؟

آفاق بيئية: محمد التفراوتي

تكشف أعمال اللجنة العلمية الاستشارية للمصايد، في دورتها السابعة والعشرين، عن حقيقة لافتة لا تقتصر على إدارة المصايد في البحر المتوسط، بل تمتد إلى معظم قضايا الحوكمة البيئية العالمية. فالمعرفة العلمية لم تعد الحلقة الأضعف في منظومة اتخاذ القرار، بل أصبحت في كثير من الأحيان الحلقة الأكثر نضجا والأكثر قدرة على تشخيص المشكلات واقتراح الحلول. أما التحدي الحقيقي، فيبدأ عندما تنتقل هذه المعرفة من طاولة العلماء إلى طاولة صناع القرار.

لقد أظهرت هذه السلسلة، من خلال قراءة تصريحات رئيس اللجنة العلمية، الدكتور محمد ملولي الإدريسي، أن البحث العلمي بلغ مستوى متقدما من الدقة في تقييم المخزونات السمكية، وتحليل التغيرات البيئية، وفهم تأثيرات تغير المناخ، واقتراح أدوات حديثة للإدارة المستدامة. كما كشفت أن اللجنة لم تعد تنظر إلى البحر باعتباره مجرد مخزون من الموارد، وإنما باعتباره نظاما بيئيا متكاملا، تتداخل فيه الاعتبارات البيولوجية والاقتصادية والاجتماعية والمناخية.

ويعكس هذا التطور نضجا واضحا في عمل الهيئة العامة لمصايد أسماك البحر المتوسط، التي نجحت خلال السنوات الأخيرة في ترسيخ مكانة العلم بوصفه المرجعية الأساسية في إعداد التوصيات وتطوير خطط الإدارة. ولم يعد النقاش العلمي يدور حول تشخيص المشكلات فقط، بل أصبح ينصرف إلى استشراف المستقبل، وبناء أدوات أكثر قدرة على التكيف مع التحولات التي يعرفها البحر المتوسط.

غير أن هذا التقدم العلمي يواجه، في المقابل، سؤالا مؤسسيا بالغ الأهمية: هل تستطيع آليات الحوكمة الدولية أن تتحرك بالسرعة نفسها التي تتطور بها المعرفة العلمية؟

هذا السؤال لا يخص البحر المتوسط وحده. فهو يطرح اليوم في معظم الاتفاقيات البيئية الدولية، حيث تبدو الفجوة بين سرعة إنتاج المعرفة وبطء اتخاذ القرار أكثر وضوحا من أي وقت مضى. فالعلم يتقدم بوتيرة متسارعة، بينما تظل القرارات رهينة مسارات تفاوضية معقدة، تتداخل فيها المصالح الاقتصادية والسيادية والجيوسياسية.

ولعل أحد أبرز الأمثلة على ذلك ما تشهده بعض هيئات الحوكمة الدولية التي تعتمد مبدأ الإجماع في اتخاذ القرار. فهذا المبدأ، الذي نشأ في سياقات تاريخية هدفها تعزيز التوافق بين الدول، أصبح في بعض الحالات يبطئ الاستجابة الجماعية للتحديات البيئية المستجدة. وتبرز لجنة حفظ الموارد البحرية الحية في القارة القطبية الجنوبية (CCAMLR) مثالا معبرا، حيث أدى غياب الإجماع في أكثر من مناسبة إلى تعطيل إنشاء مناطق بحرية محمية، رغم وجود تأييد علمي واسع لهذه الإجراءات. ويبين هذا النموذج أن الاتفاق على التشخيص العلمي لا يؤدي بالضرورة إلى توافق سياسي سريع، عندما تتداخل الاعتبارات الاستراتيجية والمصالح الوطنية.

ولا يعني ذلك أن التوافق فقد أهميته، أو أن الحل يكمن في تجاوز الدول أو إضعاف سيادتها، بل إن التحدي يتمثل في تطوير آليات حوكمة أكثر مرونة، تتيح الاستفادة من التقدم العلمي بالسرعة التي تفرضها الأزمات البيئية. فالأنظمة البيئية لا تنتظر اكتمال المفاوضات، والمخزونات السمكية لا تؤجل تراجعها إلى حين انتهاء المشاورات، وآثار تغير المناخ لا تخضع لجداول أعمال الاجتماعات الدولية.

ومن هذا المنطلق، تكتسب تجربة اللجنة العلمية الاستشارية للمصايد أهمية خاصة، لأنها تقدم نموذجا لكيفية بناء المعرفة بصورة جماعية، عبر التعاون بين العلماء والمؤسسات الوطنية والإقليمية، وتوحيد مناهج التقييم، وتعزيز تبادل البيانات. وهذه المقاربة لا تلغي الاختلافات بين الدول، لكنها تقلص مساحة الخلاف حول الحقائق العلمية، وتجعل النقاش السياسي أكثر استنادا إلى الأدلة.

وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور محمد ملولي الإدريسي أن مستقبل الإدارة المستدامة للمصايد يمر عبر مواصلة تحسين جودة البيانات، وتطوير نماذج تقييم المخزونات، وتعزيز التعاون بين الباحثين والمؤسسات والصيادين، حتى تصبح المعرفة العلمية أكثر قدرة على دعم القرار. وتعكس هذه الرؤية قناعة بأن الإدارة الفعالة لا تقوم على إصدار التوصيات فحسب، وإنما على بناء منظومة متكاملة، تتفاعل فيها المعرفة والخبرة الميدانية والإرادة السياسية.

وربما يكون الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من أعمال اللجنة العلمية هو أن مستقبل البحر المتوسط لن يتحدد فقط بكمية الأسماك التي يختزنها، وإنما أيضا بقدرة مؤسساته على تطوير أنماط جديدة من الحوكمة، تجعل القرار أكثر استجابة للعلم، وأكثر قدرة على استباق المخاطر، وأكثر استعدادا للتعامل مع الأزمات المتسارعة التي يشهدها العالم.

لقد تغير البحر المتوسط كثيرا خلال العقود الأخيرة، وتغير معه العلم الذي يدرسه، وأدوات الإدارة التي تحاول حمايته. ويبقى السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت الحوكمة الدولية قادرة هي الأخرى على أن تتغير بالسرعة نفسها.

قد لا تكون الدورة السابعة والعشرون للجنة العلمية قد أجابت عن جميع الأسئلة، لكنها أكدت حقيقة أساسية: أن مستقبل المصايد في البحر المتوسط لن يصنعه العلم وحده، ولن تصنعه السياسة وحدها، وإنما سيولد من قدرة الطرفين على بناء علاقة أكثر انسجاما، يكون فيها القرار امتدادا طبيعيا للمعرفة، لا متأخرا عنها.

وهكذا، فإن البحر المتوسط يقف اليوم أمام مفترق طرق. فمن جهة، تتوافر معرفة علمية أكثر دقة من أي وقت مضى، وتزداد أدوات الرصد والتقييم تطورا عاما بعد عام. ومن جهة أخرى، تتسارع الضغوط البيئية والمناخية بوتيرة تفرض على المؤسسات الدولية أن تعيد التفكير في سرعة استجابتها وآليات عملها. وبين هذين المسارين، يظل الرهان الحقيقي هو بناء حوكمة تجعل من العلم نقطة الانطلاق، ومن التعاون الإقليمي وسيلة، ومن استدامة البحر غاية مشتركة تتجاوز حدود الدول والأجيال.

انتهى

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!