
آفاق بيئية: جابرييلا راموس*؛ إميليا ستويمنوفا دوه*
باريس ــ كان ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي قبل أقل من أربع سنوات سببا في إطلاق سلسلة من لحظات “سبوتنيك”. فكما دفع إطلاق الاتحاد السوفيتي لأول قمر صناعي إلى المدار في عام 1957 الولايات المتحدة إلى تطوير برنامجها الفضائي، كان إطلاق ChatGPT في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، وهو نموذج لغوي ضخم يَـعرِض مستوى غير مسبوق من التعقيد، سببا في إثارة حالة من الإعجاب والرهبة في مختلف أنحاء العالم. وسارعت شركات تكنولوجيا أخرى إلى تطوير أدوات مماثلة، حتى في حين حَـذَّر خبراء، من بينهم رواد الذكاء الاصطناعي يوشوا بنجيو وجيفري هينتون، من أن هذه التكنولوجيا قد تفرض على البشرية “خطر الانقراض”.
جاءت لحظة سبوتنيك التالية في يناير/كانون الثاني 2025، مع إطلاق DeepSeek-R1، نموذج رائد طورته شركة بادئة صينية بتكلفة حوسبة لا تمثل سوى جزء ضئيل من تكلفة الأنظمة الأميركية التي ينافسها. وقد شكّل هذا تحديا للافتراض القائل بأن الولايات المتحدة تتمتع بريادة تكنولوجية لا يُـمارى فيها، والاعتقاد بأن التحكم في الوصول إلى الرقائق الإلكترونية من شأنه أن يبطئ المنافسة.
ولكن ربما جاءت لحظة سبوتنيك الأكثر إثارة للقلق مع ظهور نموذج Mythos من شركة Anthropic في أبريل/نيسان. فبفضل قدرته على تحديد نقاط الضعف في الأنظمة المالية، وشبكات الدفع، وغير ذلك من البنى الأساسية الـحَرِجة، بدا أن ظهور Mythos يمثل علامة على تحول نوعي في قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي. فهو يجعل الذكاء الاصطناعي أقرب إلى “الذكاء الفائق”: حيث تبدو ميزات التعلم الذاتي في متناول اليد، ومعها حدود السيطرة البشرية. وحقيقة أن شركة Anthropic، وليس هيئة حكومية، هي التي اتخذت قرار السعي إلى طرح محدود (لم تتخذ الولايات المتحدة أية تدابير إلا مؤخرا، بعد إطلاقه للجمهور)، تؤكد الغياب الصارخ لحوكمة الذكاء الاصطناعي.
والعواقب قد تكون وخيمة. لنتأمل هنا حالة EternalBlue، وهي برمجية استغلال طورتها وكالة الأمن القومي الأميركية. بعد فترة وجيزة من تسربها في عام 2017، استخدمها قراصنة لتنفيذ هجوم الفدية WannaCry على هيئة الخدمات الصحية الوطنية في المملكة المتحدة، والذي تسبب في إلغاء ما يقرب من 7000 موعد طبي. كما كانت برمجية EternalBlue وراء الهجوم السيبراني NotPetya على شركة الشحن العالمية العملاقة Maersk، والذي تسبب في أضرار تقدر بنحو 10 مليارات دولار. وإذا كانت تلك هي التداعيات المترتبة على ثغرة أمنية واحدة مُـسَرَّبة، فتخيلوا ما الذي قد يحدث إذا وقع نموذج Mythos ــ الذي اكتشف بالفعل أكثر من 100 ألف ثغرة أمنية ــ في الأيدي الخطأ.
كان رد الفعل الحكومي تجاه هذه التطورات غير كافٍ على الإطلاق. من المؤكد أن الهيئات الدولية سعت إلى توجيه الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي. فقد صدرت توصية منظمة اليونيسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، واتفاقية مجلس أوروبا الإطارية بشأن الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان، ومبادئ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في إدارة الذكاء الاصطناعي، وميثاق الأمم المتحدة الرقمي العالمي. هذه الجهود، التي ساهمنا فيها، تعترف بأن الإبداع الذي لا يتوافق مع حقوق الإنسان وكرامته لا قيمة له.
ومع ذلك، كان الاتحاد الأوروبي حتى الآن هو السلطة القضائية الوحيدة التي حولت هذا الدرس إلى قانون، من خلال قانون الذكاء الاصطناعي لعام 2024. لكن التنفيذ خرج بالفعل عن مساره. ذلك أن مدونة الممارسات، التي كان المقصود منها مساعدة شركات التكنولوجيا على الامتثال لقانون الذكاء الاصطناعي (بما في ذلك التزامات بعينها لمقدمي النماذج التي تنطوي على مخاطر جهازية)، كانت طوعية. علاوة على ذلك، أرجأت “الحزمة القانونية الشاملة” تطبيق الالتزامات الـمُلزِمة على الأنظمة المستقلة العالية المخاطر من أغسطس/آب 2026 إلى ديسمبر/كانون الأول 2027.
أسفرت قمم سلامة الذكاء الاصطناعي التي عقدتها المملكة المتحدة، وفرنسا، والهند عن نتائج مفيدة، لا سيما إنشاء معاهد للسلامة مكلفة بالعمل معا ضمن شبكة عالمية. علاوة على ذلك، أدخل الأمر التنفيذي الصادر عن الرئيس جو بايدن في عام 2023 سياسات معقولة لضمان السلامة والأمن داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي. لكن هذه الجهود عانت من انتكاسة خطيرة مع وصول إدارة ترمب، التي ألغت الأمر التنفيذي وضاعفت من الحوافز ذاتها ــ السعي وراء الربح والاندفاع في محاولة اكتساب مزايا جيوسياسية ــ التي غذت سباق الذكاء الاصطناعي منذ البداية.
سَـلَّطَ ظهور Mythos الضوء على نهج الإدارة غير المتسق والمتقلب. ففي يونيو/حزيران، وَقَّع ترمب أمرا تنفيذيا يقضي بتوسيع نطاق الرقابة الفيدرالية على النماذج الرائدة ــ وهي خطوة معقولة. لكن الامتثال لإطار العمل السابق للإصدار، الذي يدعو إلى التعاون بين الوكالات والمطورين في اختبار الأمن السيبراني، طوعي.
بعد بضعة أسابيع، فرضت وزارة التجارة قيودا على تصدير أحدث نماذج شركة Anthropic دون أدلة واضحة أو تشاور. قُـدِّمَت هذه الخطوة على أنها إجراء أمني وطني، فحدّ ذلك من الرقابة الديمقراطية، وأدى إلى تنفير الشركاء، وزاد من جاذبية النماذج المفتوحة المصدر ــ وهي هدية للصين. علاوة على ذلك، فشلت الحكومة في توضيح سبب استهداف نماذج شركة Anthropic، دون نماذج OpenAI القوية بذات القدر، الأمر الذي استدعى التدقيق في وقت حيث تستعد هذه الشركات للاكتتاب العام الأولي.
في كل هذه الأحداث، ما يلفت الانتباه هو الافتقار إلى التفكير الاستباقي. فبدلا من الاستعداد لصدمات المستقبل، يسارع صُـنّاع السياسات إلى الاستجابة للصدمة الأخيرة. لكن قدرات التعلم الذاتي التي تتمتع بها النماذج الرائدة تشير إلى أن اختراقات المستقبل لن تكون تدريجية؛ بل من المرجح أن تحدث فجأة وتخلف تأثيرات متراكمة، بما يترك وقتا أقل للتعديل والتكيف مقارنة بالماضي. الواقع أن الأطر الطوعية، وتقييمات الصناعة الذاتية، والقمم التي تصدر إعلانات بدلا من التزامات مُـلزِمة، لم تُعدنا لما هو قادم.
أشعلت لحظة سبوتنيك الأصلية شرارة عملية إعادة توجيه حقيقية للأولويات والمؤسسات والموارد. فأنشأت الحكومة الأميركية وكالة ناسا، وزادت الاستثمار العام في العلوم والتكنولوجيا، وبعد 11 عاما أرسلت أول إنسان إلى القمر.
بطبيعة الحال، لا تشبه الظروف الجيوسياسية الحالية الحرب الباردة بأي حال من الأحوال. ولكن يتعين على صُـنّاع السياسات أن ينتبهوا إلى الدروس المستفادة من تطورات الذكاء الاصطناعي هذه، التي يتزايد كل منها قوة عن سابقه. ولضمان توافق نماذج الذكاء الاصطناعي ــ وخاصة تلك التي تبدو على وشك قلب أسواق العمل رأسا على عقب وتحويل أنظمة الصحة والتعليم ــ مع القيم المجتمعية، يتعين على الحكومات العمل على تشجيع الحوار الديمقراطي ووضع ضوابط وحواجز وقاية حقيقية. أي شيء أقل من هذا لن يجلب إلا الكارثة.
* جابرييلا راموس الرئيسة الـمُشارِكة لفريق العمل المعني بفجوات التفاوت والإفصاح المالي المرتبط بالشؤون الاجتماعية، شغلت سابقا منصب المدير العام المساعد لقسم العلوم الاجتماعية والإنسانية في منظمة اليونيسكو، حيث أشرفت على صياغة “التوصية بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي”، ومنصب رئيس ديوان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) وكانت مستشارة لدى مجموعة العشرين، ومجموعة السبع، ومنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا ومنطقة المحيط الهادئ.
* إميليا ستويمنوفا دوه أستاذة الهندسة الكهربائية الـمُشارِكة في جامعة ليوبليانا، هي عضو مجلس إدارة مؤسسة Globethics، وعضو اللجنة العلمية المعنية بالذكاء الاصطناعي التابعة للاتحاد الأوروبي، ووزيرة التحول الرقمي في سلوفينيا سابقا.
حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2026.