في رحاب الهيئة العامة لمصايد أسماك البحر المتوسط (CGPM) -2-

محمد التفراوتيمنذ ساعتينآخر تحديث :
في رحاب الهيئة العامة لمصايد أسماك البحر المتوسط (CGPM) -2-

حين تتحول البيانات إلى قرار… كيف يرسم العلماء مستقبل المصايد في البحر المتوسط؟

آفاق بيئية: محمد التفراوتي

لا يبدأ العمل العلمي داخل اللجنة العلمية الاستشارية للمصايد من قاعة الاجتماع، بل يبدأ قبل ذلك بسنوات من الرصد الميداني، وجمع البيانات، وتحليل المؤشرات البيولوجية، ومتابعة تطور المخزونات السمكية في مختلف أنحاء البحر المتوسط والبحر الأسود. وعندما يجتمع الخبراء، فإنهم لا يناقشون انطباعات أو توقعات، وإنما يضعون أمامهم حصيلة عمل علمي طويل، تتحول فيه آلاف البيانات إلى صورة متكاملة عن حالة الموارد البحرية وآفاقها المستقبلية.

وتكشف تصريحات رئيس اللجنة العلمية، الدكتور محمد ملولي الإدريسي، أن جوهر النقاش لم يكن البحث عن حلول سريعة بقدر ما كان السعي إلى تعزيز الأساس العلمي الذي تقوم عليه الإدارة المستدامة للمصايد. فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في معرفة حجم المخزون السمكي، وإنما في بناء معرفة دقيقة بديناميته، والعوامل التي تؤثر في تجديده، والضغوط التي يتعرض لها، ومدى قدرته على الصمود أمام التغيرات البيئية والمناخية.

وأوضح الدكتور محمد ملولي الإدريسي أن إشكالية المخزون السمكي في البحر المتوسط ترتبط، قبل كل شيء، بجودة المعطيات العلمية المتاحة. فكل تقييم للمخزون يعتمد على بيانات دقيقة حول الكميات المصطادة، والخصائص البيولوجية للأنواع، ومعدلات النمو والتكاثر، وحجم الوفيات الطبيعية، وضغط الصيد، فضلا عن المؤشرات البيئية التي أصبحت تؤدي دورا متزايد الأهمية في تفسير التغيرات التي تعرفها النظم البحرية.

ومن هنا، فإن تقييم المخزون لا يعني عد الأسماك الموجودة في البحر، كما قد يتصور البعض، وإنما هو عملية علمية معقدة تجمع بين علوم البحار والإحصاء والبيولوجيا والنمذجة الرياضية. ويهدف هذا العمل إلى تقدير الحالة الحقيقية لكل مخزون، ومعرفة ما إذا كان يتعرض لاستغلال مستدام، أم لضغط يفوق قدرته الطبيعية على التجدد.

وتشير المؤشرات العلمية التي استعرضتها اللجنة إلى استمرار التحسن في عدد من المخزونات مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عقد من الزمن، وهو تطور يعكس أثر التدابير الإدارية التي اعتمدتها الهيئة العامة لمصايد أسماك البحر المتوسط خلال السنوات الأخيرة. غير أن هذه المؤشرات لا تعني انتهاء التحديات، لأن عددا من المصايد ما يزال يواجه ضغوطا تستوجب مواصلة الجهود العلمية والإدارية، كما أن تغير المناخ يضيف متغيرات جديدة تجعل قراءة المستقبل أكثر تعقيدا.

وفي هذا السياق، أكد رئيس اللجنة العلمية أن النتائج الإيجابية التي تحققت خلال السنوات الماضية ينبغي أن تشكل حافزا لتعزيز العمل العلمي، لا سببا للاطمئنان. فاستدامة الموارد البحرية ليست وضعا ثابتا، وإنما عملية مستمرة تتطلب تحديث البيانات، ومراجعة التقييمات، وتطوير أدوات الرصد بصورة دائمة، حتى تظل القرارات منسجمة مع الواقع المتغير للبحر.

ومن بين القضايا التي حظيت باهتمام خاص خلال أعمال اللجنة، تطوير منهجيات تقييم المخزون، وتحسين جودة قواعد البيانات، وتعزيز التعاون بين المؤسسات العلمية الوطنية والإقليمية، لأن دقة القرار الإقليمي تبدأ من دقة البيانات التي تجمعها كل دولة. فالخطأ في المعلومة قد يقود إلى خطأ في التقييم، والخطأ في التقييم قد ينعكس مباشرة على إدارة الموارد البحرية، سواء عبر فرض قيود غير ضرورية، أو السماح باستغلال يفوق القدرة الطبيعية للمخزون.

ويبرز هنا أحد أهم التحولات التي عرفتها إدارة المصايد خلال العقدين الأخيرين، وهو الانتقال من الاعتماد على المؤشرات التقليدية إلى توظيف نماذج علمية أكثر تطورا، تأخذ في الاعتبار تأثيرات المناخ، والتغيرات البيئية، والتفاعلات بين الأنواع، إلى جانب العوامل المرتبطة بالنشاط البشري. و

يغدو إنتاج بيانات أكثر دقة خطوة في مسار أوسع يهدف إلى بناء رؤية أشمل تستشرف المستقبل وتفسر الماضي.

وتنسجم هذه المقاربة مع رؤية أوسع تتبناها الهيئة العامة لمصايد أسماك البحر المتوسط، تقوم على جعل المعرفة العلمية الركيزة الأساسية للإدارة. فكل خطة لإدارة أحد المخزونات، وكل إجراء تنظيمي، وكل توصية ترفع إلى الهيئة، تمر أولا عبر غربال التقييم العلمي، بما يضمن أن تكون القرارات مبنية على الأدلة، لا على الانطباعات أو الضغوط الظرفية.

وفي حديثه عن المرحلة المقبلة، شدد الدكتور محمد ملولي الإدريسي على أن اللجنة تسعى إلى تطوير منظومة علمية متكاملة تدعم اتخاذ القرار، من خلال تحسين جمع البيانات، وتطوير نماذج تقييم المخزونات، وتعزيز التعاون بين الباحثين والإدارات والصيادين. وتعكس هذه الرؤية إدراكا متزايدا بأن المعرفة العلمية لا تكتمل داخل المختبرات وحدها، وإنما تحتاج أيضا إلى الخبرة الميدانية وإلى مساهمة الفاعلين الذين يعيشون البحر يوميا.

وتكشف هذه الرؤية أن الاستثمار الحقيقي يتمثل في الاستثمار في المعرفة نفسها إلى جانب حماية الأسماك، فكل معلومة جديدة، وكل تقييم أكثر دقة، وكل نموذج علمي أكثر تطورا، يضيف لبنة جديدة في بناء إدارة بحرية قادرة على التكيف مع عالم سريع التغير.

وهكذا، يبدو أن اللجنة العلمية لا تكتفي بقياس نبض البحر، وإنما تسعى إلى فهم لغته المتغيرة، حتى لا تتحول القرارات إلى مجرد ردود فعل متأخرة. فكلما تحسنت جودة المعرفة، ازدادت فرص اتخاذ قرارات أكثر توازنا وعدالة وفعالية.

يتبع…

في الحلقة الثالثة: كيف انتقلت إدارة المصايد من حماية الأنواع السمكية إلى حماية النظام البيئي البحري بأكمله؟ ولماذا أصبح تغير المناخ جزءا أساسيا من معادلة استدامة البحر المتوسط؟

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!