الروبيان الأحمر… عندما يلتقي العلم بالمصالح الاقتصادية والجغرافيا السياسية
آفاق بيئية : محمد التفراوتي
تكشف بعض الملفات، أكثر من غيرها، طبيعة العلاقة المعقدة بين العلم والسياسة في إدارة الموارد البحرية. وإذا كانت معظم التقييمات العلمية تنتهي إلى توصيات تقنية، فإن بعضها يتحول إلى اختبار حقيقي لقدرة الدول على ترجمة المعرفة إلى قرارات مشتركة. ومن بين هذه الملفات، يبرز مخزون الروبيان الأحمر في مضيق صقلية، الذي أصبح خلال السنوات الأخيرة نموذجا معبرا عن التحديات التي تواجه حوكمة المصايد في البحر المتوسط.
ولا تعود أهمية هذا المخزون إلى قيمته الاقتصادية المرتفعة فحسب، وإنما أيضا إلى كونه موردا مشتركا بين عدد من الدول المتوسطية، الأمر الذي يجعل أي قرار بشأنه يتجاوز الاعتبارات البيولوجية ليأخذ أبعادا اقتصادية واجتماعية وسياسية. فكل تعديل في تدابير الإدارة ينعكس مباشرة على نشاط أساطيل الصيد، وعلى مداخيل الصيادين، وعلى الصناعات المرتبطة بالمنتجات البحرية، وهو ما يفسر حساسية النقاشات التي ترافق هذا الملف داخل أجهزة الهيئة العامة لمصايد أسماك البحر المتوسط.
وتبرز هنا القيمة الحقيقية للدور الذي تضطلع به اللجنة العلمية الاستشارية للمصايد. فهي لا تنطلق من اعتبارات اقتصادية أو من حسابات وطنية ضيقة، وإنما من تحليل موضوعي لحالة المخزون، اعتمادا على البيانات البيولوجية والمؤشرات العلمية المتوفرة. ومن خلال هذا العمل، تسعى إلى تقديم صورة دقيقة عن واقع المورد البحري، وتحديد مستوى الاستغلال الذي يضمن استمرارية المخزون على المدى البعيد.
وفي هذا السياق، أوضح رئيس اللجنة العلمية، الدكتور محمد ملولي الإدريسي، أن الإدارة المستدامة للمخزونات المشتركة تقتضي استمرار تحسين جودة البيانات، وتطوير منهجيات التقييم، وتعزيز التعاون العلمي بين مختلف بلدان المنطقة، لأن دقة التوصيات ترتبط ارتباطا وثيقا بدقة المعلومات التي تستند إليها. وتعكس هذه الرؤية قناعة بأن الخلافات لا يمكن معالجتها بفعالية إلا عندما يكون الجميع منطلقا من قاعدة علمية مشتركة تحظى بالثقة.
وتظهر حالة الروبيان الأحمر أن العلم لا يعمل في فراغ. فحتى عندما يتوصل الباحثون إلى نتائج واضحة، تبدأ مرحلة أخرى أكثر تعقيدا، تتمثل في كيفية تحويل هذه النتائج إلى إجراءات عملية تحظى بقبول الدول المعنية. وهنا تنتقل القضية من المختبر إلى طاولة التفاوض، حيث تتقاطع الاعتبارات البيئية مع المصالح الاقتصادية، وتبرز الحاجة إلى إيجاد توازن بين حماية المورد واستمرار النشاط الاقتصادي للمجتمعات الساحلية.
ولعل ما يمنح هذا الملف أهميته أنه يعكس طبيعة البحر المتوسط نفسه، باعتباره فضاء بحريا مشتركا لا تعترف موارده بالحدود السياسية. فالأسماك والقشريات لا تتوقف عند الخطوط التي ترسمها الخرائط، بينما تظل إدارتها مرتبطة بقرارات سيادية تتخذها دول مختلفة، لكل منها أولوياتها الاقتصادية والاجتماعية. ومن هنا، تصبح الحوكمة الإقليمية ضرورة عملية أكثر منها خيارا سياسيا.
ومن خلال هذا المنظور، تبدو اللجنة العلمية فضاء لبناء الثقة قبل أن تكون فضاء لإنتاج المعرفة. فحين يتفق الخبراء على تشخيص الحالة البيولوجية للمخزون، فإنهم يضعون أساسا موضوعيا يمكن أن تستند إليه المفاوضات اللاحقة. وقد لا يزيل ذلك جميع الخلافات، لكنه يحد من مساحة الجدل حول الحقائق العلمية، ويجعل النقاش يتركز حول الخيارات السياسية وآليات التطبيق.
وتؤكد تصريحات الدكتور محمد ملولي الإدريسي أن اللجنة تواصل العمل على تحسين أدوات التقييم وتطوير النماذج العلمية الخاصة بالمخزونات المشتركة، بما يسمح بتقديم توصيات أكثر دقة ومرونة، تستجيب للتغيرات البيئية التي يعرفها البحر المتوسط. ويكتسب هذا التوجه أهمية متزايدة في ظل تأثيرات التغير المناخي، التي أصبحت تضيف متغيرات جديدة إلى معادلة الإدارة، وتجعل من الضروري تحديث التقييمات بصورة مستمرة.
ومن زاوية أوسع، لا يتعلق ملف الروبيان الأحمر بنوع بحري واحد، وإنما يقدم درسا في كيفية إدارة الموارد المشتركة في عالم تتزايد فيه الضغوط البيئية. فهو يبين أن نجاح الحوكمة لا يقاس فقط بسلامة التقييم العلمي، وإنما أيضا بقدرة المؤسسات على بناء توافقات تستند إلى الأدلة، وتحافظ في الوقت نفسه على مصالح المجتمعات التي تعتمد على البحر في معيشتها.
ولذلك، يمكن النظر إلى هذا الملف باعتباره مختبرا حقيقيا للحوكمة المتوسطية. فكل تقدم يتحقق في إدارته يبعث برسالة مفادها أن التعاون العلمي قادر على تقريب وجهات النظر، وأن المعرفة يمكن أن تصبح لغة مشتركة بين الدول، حتى عندما تختلف أولوياتها الاقتصادية. وفي المقابل، فإن أي تعثر في تحويل التوصيات العلمية إلى تدابير عملية يكشف أن التحدي لا يكمن في إنتاج المعرفة، بل في توفير الإرادة الجماعية لتطبيقها.
وهكذا، يتجاوز الروبيان الأحمر حدود قيمته التجارية ليصبح رمزا لقضية أعمق، هي قدرة البحر المتوسط على ابتكار نموذج إقليمي للإدارة يقوم على الثقة المتبادلة، والاحترام المشترك للمعرفة العلمية، والإدراك بأن استدامة الموارد البحرية ليست مصلحة وطنية لدولة بعينها، وإنما مسؤولية جماعية تتقاسمها جميع الدول المطلة على هذا البحر.
يتبع…
في الحلقة الخامسة والأخيرة: عندما يتفق العلماء وتتباطأ السياسة… هل تحتاج حوكمة البحر الأبيض المتوسط إلى نموذج جديد أكثر قدرة على مواكبة الأزمات البيئية المتسارعة؟ وهل أصبح التحدي الحقيقي في القرن الحادي والعشرين هو سرعة اتخاذ القرار، لا إنتاج المعرفة العلمية؟











































