حين تنبض العقارب ذكرا… سيرة ساعة لا تنام

محمد التفراوتيمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
حين تنبض العقارب ذكرا… سيرة ساعة لا تنام

مكناس: محمد التفراوتي

كانت ساعة جدي القديمة لا تقاس بدقاتها فحسب، بل كانت ذاكرة حية تنبض بالذكر، وبما كانت تحدثه فينا من رجفة حلوة.
كان رنينها على رأس كل ساعة يهز المنزل هزا، وكنا مستأنسين بها، فرحين بدقاتها، رغم خلود الجميع إلى النوم، كأنها سيمفونية رقيقة تساعد على الغوص في نوم عميق.
كان ضيوف المنزل يهتزون رعبا من دقاتها الدوية، لكن بعد مرور الليلة الأولى، يحدث الاندماج… وتولد الألفة.
كان أبي، بين الفينة والأخرى، يقف متأملا، معلقا نظره بعقاربها، مشرئبا نحوها، يوازن دقاتها بإتقان لسنوات طويلة، كأنه يحرس الزمن نفسه.

ساعة جدي… لها جاذبية خاصة.

كان جدي، سيدي محمد بن هاشم، متناغما مع دقات ثوانيها، محبا لتكتكاتها… كانت مؤنسه.
حين يسترسل في ذكر أو تسبيح، أو يتلو وردا قرآنيا، كان يرهف السمع إليها، كأن بينهما تناوبا خفيا في الذكر والتلاوة.
كم مرة كان يغازلها، ويقول لمقربيه إنها “ذاكرة لله”، وأنهما يتعاونان معا لأداء هذه المهمة السامية، في دائرة زمن لا يقاس بالعقارب، بل بما يعمر القلوب من ذكر.
ومنذ وفاة جدي سنة 1996، انقطع خبرها… اختفت لسنوات، كأنها توارت عن مشهد الأسرة بمغادرة عميدها، وكأن الزمن نفسه فقد صوته برحيله.
ثم عادت… بعد تدخل أحد أفراد الأسرة، لتظهر من جديد في باحة منزلنا.
سارعت والدتي، بفرح غامر، تبشرني بعودة الساعة، لتتربع من جديد على عرش الزمن. كأن الحكاية عادت… وعاد معها الذكر والدفء الخفي.
يبدو أن الوالدة أخذت المشعل، فاستحضرت سيرة والدها، ودخلت عالم الزمن في جلال، وفاء لذكراه، واستجابة صامتة لوصية ساعته المدللة.
وهكذا… لم تعد الساعة مجرد آلة تعد الثواني، بل صارت محرابا صغيرا، حيث تتحول كل دقة إلى تسبيحة، وكل لحظة إلى حضور.

وهكذا، لم تعد الساعة مجرد آلة تعد الثواني، بل صارت قلبا نابضا بالذكر، وسرا من أسرار الألفة بين الأرض والسماء.
كل دقة منها تسبيحة، وكل رنين نداء خفي يعبر بنا من زمن فان إلى زمن لا يقاس.
كأن روح جدي ما زالت تسكنها، تسبح معها في صمت شفيف، وتدلنا، برفق، على أن الزمن الحقيقي ليس ما تمضيه العقارب، بل ما يعمر القلوب من حضور وذكر.
هناك… حيث تتعانق الدقات مع الدعاء،
تصير الساعة محرابا،
ويصير الزمن طريقا… إلى الله.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!