آفاق بيئية: محمد التفراوتي
في سياق التحولات المناخية المتواترة التي يشهدها العالم، وما تفرضه من تحديات غير مسبوقة على الموارد الطبيعية، وعلى رأسها الموارد المائية، برزت إشكالية التكيف مع التغير المناخي كأحد أبرز رهانات السياسات العمومية في المغرب. وفي هذا الإطار، احتضنت كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بأيت ملول أشغال الجلسة العلمية الأولى للندوة الدولية حول “سيادة المياه”، المنظمة من قبل ماستر قوانين البيئة والتنمية المستدامة، بشراكة مع ماستر التدبير العمومي الترابي، وبتعاون مع مختبر الأبحاث في القانون العام والعلوم السياسية. وقد شكلت هذه الندوة فضاء علميا رفيعا لتبادل الرؤى حول سبل تعزيز الأمن المائي في ظل التقلبات المناخية، واستشراف آفاق السياسات الترابية المندمجة.
في هذا السياق، استعرض الدكتور جلال المعطى عرضا علميا وازنا، تمحور حول موضوع: “تسريع تفعيل التكيف مع التغير المناخي: من الرؤية الاستراتيجية إلى الحلول الترابية المندمجة”، مقدما قراءة تحليلية عميقة للتحولات المناخية وانعكاساتها على السياسات العمومية، خاصة في بعدها الترابي والمائي.
و استعرض الدكتور جلال المعطى في مستهل مداخلته الإطار المفاهيمي للتغير المناخي، مبرزا أنه ظاهرة طبيعية، و أصبح نتيجة مباشرة للأنشطة البشرية منذ القرن التاسع عشر، مما أدى إلى تحولات عميقة في أنماط الطقس ودرجات الحرارة. وأكد أن التكيف مع هذه التحولات بات ضرورة ملحة تهدف إلى الحد من الأضرار المتوقعة أو استثمار الفرص الممكنة.
وأفاد أن الانتقال من منطق “توقع المخاطر” إلى واقع “تدبير الصدمات المناخية” يفرض إعادة تقييم السياسات المعتمدة، متسائلا عن مدى قدرة استراتيجيات التكيف الحالية على مواكبة تسارع التغيرات.
وفي هذا الإطار، شدد على أن الإشكال الحقيقي لم يعد في صياغة الخطط، بل في القدرة على تنفيذها ميدانيا، معتبرا أن الفجوة بين التخطيط والتنفيذ تمثل أحد أبرز أعطاب السياسات المناخية.
وأكد أن التكيف يجب أن ينظر إليه كرافعة استراتيجية للتنمية الترابية، قادرة على إعادة توجيه الاستثمار وتعزيز صمود المجالات المحلية. وفي هذا السياق، أبرز أن المغرب، في إطار مساهماته المحددة وطنيا (NDC 3.0)، وضع التكيف في صلب سياساته المناخية، من خلال تحديد عشرات الأهداف القطاعية وترجمتها إلى مشاريع ملموسة ترتكز على حماية الموارد المائية، وتعزيز صمود الفلاحة، وحماية النظم البيئية.
وأضاف أن هذا التوجه يجد ترجمته العملية في مجموعة من السياسات الوطنية، من بينها المخطط الوطني للمناخ، الذي يسعى إلى تعزيز قدرة المجالات الترابية على التكيف، وتسريع الانتقال نحو اقتصاد منخفض الكربون، إلى جانب المخطط الوطني الاستراتيجي للتكيف، الذي يقوم على حكامة متعددة المستويات، وتعبئة التمويل، وتعزيز البحث العلمي وتبادل المعطيات المناخية.
وفي سياق تشخيص الوضعية المناخية، قدم الدكتور المعطى معطيات دقيقة حول التوقعات المناخية بجهة سوس-ماسة في أفق سنة 2050، حيث أشار إلى ارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة، قد يصل إلى أكثر من 46 درجة مئوية في بعض المناطق الداخلية، مقابل اعتدال نسبي في المناطق الساحلية. كما سجل انخفاضا مقلقا في التساقطات المطرية، قد يبلغ في بعض السيناريوهات المتشائمة ما بين 20 و30 في المائة، مما ينذر بتفاقم ندرة الموارد المائية واشتداد ظاهرة الجفاف.
وفي ختام مداخلته، أكد الدكتور جلال المعطى أن التكيف مع التغير المناخي أصبح مسألة سيادة وطنية، بالنظر إلى ارتباطه الوثيق بالأمن المائي والغذائي والاستقرار الاجتماعي. كما أبرز أن التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من وفرة الاستراتيجيات إلى فعالية التنفيذ، عبر مشاريع قابلة للتمويل وذات أثر ملموس على الواقع الترابي.
وأضاف أن التكيف يمثل فرصة اقتصادية لإعادة توجيه الاستثمارات نحو قطاعات مرنة وقادرة على الصمود، داعيا إلى استثمار التمويل المناخي في تطوير بنية تحتية مستدامة. كما شدد على أهمية المعلومة المناخية الدقيقة والحكامة المندمجة كشرط أساسي لاتخاذ قرارات فعالة في زمن الأزمات.
وخلص إلى أن الظواهر الطبيعية لا تتحول إلى كوارث إلا بفعل اختلالات التدبير البشري، مؤكدا أن التفكير دون عمل يظل عقيما، كما أن العمل دون رؤية استراتيجية قد يتحول إلى خطأ جسيم، مما يفرض ضرورة الجمع بين التخطيط الرصين والتنفيذ الفعال في مواجهة التحديات المناخية الراهنة.


































