آفاق بيئية: محمد التفراوتي
في لحظة دولية دقيقة تتقاطع فيها الأزمات الجيوسياسية مع تسارع المخاطر المناخية، أعلنت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) أنها أخذت علما بقرار حكومة الولايات المتحدة الانسحاب من أكثر من ستين منظمة دولية، أممية وغير أممية، من بينها هذه الهيئة التي تمثل المرجع العلمي العالمي الأبرز في قضايا المناخ.
يفتح هذا القرار السياسي نقاشا أوسعا حول علاقة العلم بالسيادة، وحول مدى قدرة المؤسسات العلمية متعددة الأطراف على الصمود أمام التحولات السياسية الكبرى. غير أن رد الهيئة جاء هادئا، محسوبا، ويعكس فلسفتها التأسيسية القائمة على الاستمرارية والاستقلالية العلمية.
فالهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ هي فضاء علمي، حكومي فريد، يجمع دول العالم تحت مظلة المعرفة المشتركة. وليس هيئة ضغط سياسي، أو منظمة تنفيدية. و لكون عضويتها مفتوحة لجميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، فإن المشاركة في أعمالها تظل طوعية، ولا تتوقف عند الإعلانات الرسمية بقدر ما ترتبط بإرادة الدول في المساهمة في إنتاج المعرفة المناخية.
في هذا السياق، شدد رئيس الهيئة، جيم سكيا، على أن مسار العمل العلمي لم يتأثر، مؤكدا أن التركيز ينصب بالكامل على إنجاز تقارير التقييم المتفق عليها، والتي تعد ثمرة سنوات من البحث والتدقيق والمراجعة الجماعية. وهي تقارير تتخذ قراراتها بالتوافق بين الحكومات الأعضاء، ما يمنحها شرعية مزدوجة. علمية وسياسية في آن واحد.
و تكمن قوة الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ في هذا التوازن الدقيق بين العلم والسياسة. فهي تزود صناع القرار بأدق ما توصل إليه العلم من معطيات موثوقة، قائمة على الأدلة، وقابلة للتحويل إلى خيارات عملية. و لا تصوغ السياسات. ومن هنا، أصبحت تقاريرها مرجعا أساسيا للحكومات، والهيئات التشريعية، والفاعلين الاقتصاديين، كما تشكل ركيزة علمية لا غنى عنها في مفاوضات المناخ الدولية في إطار اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ.
وبوصفها أقدم هيئة حكومية دولية في هذا المجال، راكمت الهيئة خبرة فريدة في تجميع وتقييم الكم الهائل والمتزايد من الأبحاث المتعلقة بتغير المناخ وآثاره وسبل التكيف والتخفيف. إنها بمثابة ذاكرة علمية جماعية للبشرية في مواجهة أحد أعقد التحديات الوجودية في عصرنا.
من هذا المنظور، يبدو انسحاب دولة، مهما كان وزنها، اختبارا لصمود النظام متعدد الأطراف أكثر منه ضربة لمرجعية العلم. فالمناخ لا يعترف بالحدود، والمعرفة لا تتوقف عند قرار سياسي. وبينما تتبدل المواقف الحكومية، يظل العلم، عبر مؤسساته الجامعة، شاهدا ثابتا على حقيقة واحدة. أن مستقبل العالم يتطلب تعاونا أوسع، لا انسحابا أضيق، وأن صوت العلم، مهما خفت أحيانا، يبقى البوصلة الأكثر موثوقية في زمن الاضطراب.



































