لبنان بين البحر والاقتصاد الأزرق: قراءة في القانون الجديد للصيد البحري وتربية الأحياء المائية

محمد التفراوتي19 يوليو 2026آخر تحديث :
لبنان بين البحر والاقتصاد الأزرق: قراءة في القانون الجديد للصيد البحري وتربية الأحياء المائية

آفاق بيئية: محمد التفراوتي

يشكل إقرار لبنان لقانون جديد ينظم الصيد البحري وتربية الأحياء المائية محطة مهمة في مسار إدارة الموارد البحرية وتعزيز التنمية المستدامة. ويقدم القانون رؤية متكاملة لتحديث قطاع الصيد بما ينسجم مع توصيات الهيئة العامة لمصايد أسماك البحر المتوسط، مع ترسيخ حماية الصيد الحرفي الذي يمثل ركيزة أساسية للمجتمعات الساحلية، وتشجيع الاستثمار المنظم في مشاريع تربية الأسماك البحرية والداخلية. ويفتح هذا التوجه آفاقا جديدة لتحويل البحر إلى رافعة للتنمية المستدامة ومحرك للاقتصاد الأزرق.
وتتجاوز أهمية هذا القانون الإطار الوطني لتشمل الفضاء المتوسطي بأكمله، باعتبار أن المخزون السمكي مورد مشترك وعابر للحدود، يستوجب إدارة جماعية وتنسيقا إقليميا قائما على أسس علمية. ويعزز انسجام لبنان مع المعايير الدولية موقعه كشريك فاعل في الجهود الرامية إلى حماية التنوع البيولوجي البحري وضمان استدامة الموارد البحرية. كما يعكس القانون رؤية تعتبر البحر ركيزة للتنمية المستدامة وعنصرا أساسيا في دعم الاقتصاد الوطني.
وعند مقارنة هذه الخطوة بتجارب دول متوسطية أخرى، يتضح أن لبنان ينخرط في مسار إقليمي يرتكز على الإدارة المستدامة للمصايد. ففي المغرب، اعتمدت السلطات منذ سنوات منظومة قانونية لمكافحة الصيد غير القانوني، مع تحديد الأحجام الدنيا للأسماك المسموح بصيدها، وإطلاق برامج لتطوير تربية الأحياء المائية بهدف تعزيز الأمن الغذائي ودعم الاقتصاد الأزرق. وفي إسبانيا، جرى تطبيق توصيات اللجنة العامة لمصايد أسماك البحر المتوسط من خلال إنشاء مناطق صيد منظمة، من بينها خليج ليون، واعتماد خطط متعددة السنوات لحماية المخزونات القاعية، وخاصة الأنواع ذات القيمة التجارية العالية مثل الروبيان الأحمر. أما إيطاليا، فقد تبنت خططا طويلة الأمد لإدارة المصايد السطحية والقاعية، مع تحديد سقوف للمصطادات وتطوير أنظمة دقيقة لتتبع الأساطيل وتعزيز الشفافية.
ومن الناحية الاقتصادية، يفتح القانون اللبناني آفاقا لتعزيز الإنتاج الوطني وتقليص الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، في ظل محدودية الإنتاج المحلي مقارنة بحجم الواردات. كما أن تطوير مشاريع الأقفاص العائمة لتربية الأسماك البحرية من شأنه توفير فرص عمل جديدة، وتنشيط الاقتصاد المحلي في المناطق الساحلية، مع تمكين التعاونيات والنقابات من المشاركة في مشاريع الإنتاج والاستفادة من عوائدها.
ويحتل البعد البيئي مكانة محورية في هذا القانون، من خلال اعتماد خطط علمية لإدارة المخزون السمكي والحفاظ على استدامته، بما ينسجم مع التحديات التي تواجه النظم البيئية البحرية في البحر المتوسط. ويعكس هذا التوجه التزام لبنان بالمساهمة في الجهود الإقليمية الرامية إلى حماية البحر المتوسط وتعزيز أسس الاقتصاد الأزرق المستدام.
وفي المحصلة، يمثل القانون الجديد للصيد البحري وتربية الأحياء المائية خطوة استراتيجية نحو تحديث إدارة الموارد البحرية في لبنان، وترسيخ التوازن بين متطلبات التنمية والحفاظ على البيئة. كما يضع لبنان في قلب النقاش المتوسطي حول مستقبل المصايد والاقتصاد الأزرق، في انسجام مع تجارب المغرب وإسبانيا وإيطاليا، التي تؤكد أن استدامة البحر المتوسط مسؤولية مشتركة تقوم على التعاون والتنسيق بين جميع دول المنطقة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!