المناطق الرطبة: رئات المغرب الزرقاء وحصونه المائية المنيعة

محمد التفراوتيمنذ ساعتينآخر تحديث :
المناطق الرطبة: رئات المغرب الزرقاء وحصونه المائية المنيعة

آفاق بيئية: محمد التفراوتي 

​بين قمم الأطلس الشامخة وسواحل المحيط الأطلسي الممتدة، وصولا إلى الواحات القابعة في قلب الصحراء، يمتلك المغرب كنزا بيئيا فريدا يعرف بـ “المناطق الرطبة”. هذه النظم البيئية التي تجمع بين سحر الماء وعطاء الأرض، تعد لوحات طبيعية للجمال، و شريان الحياة الذي يضمن توازن كوكبنا وأمننا المائي والغذائي في ظل عالم متغير.

فضاءات تجمع بين الأرض والماء

​وفقا لاتفاقية “رامسار” الدولية، تعرف المناطق الرطبة بأنها مساحات من المستنقعات، أو المروج الرطبة، أو المياه، سواء كانت طبيعية أو اصطناعية، دائمة أو مؤقتة، راكدة أو جارية، عذبة أو أجاجة أو مالحة، بما في ذلك المناطق البحرية التي لا يتجاوز عمق مياهها في وقت الجزر ستة أمتار.
​في المغرب، يتجسد هذا التعريف في تنوع مذهل، من “المرجة الزرقاء” على الساحل، إلى “بحيرة أكلمام أزيزا” في أعالي الجبال، وصولا إلى السدود والواحات التي أنشأها الإنسان. إنها مناطق انتقالية تمنح الطبيعة خصوصية وتعقيدا، حيث تحتل المرتبة الثانية عالميا من حيث التنوع البيولوجي بعد الغابات الاستوائية، مما يجعلها مختبرات حية للطبيعة.

الدرع الواقي ضد كوارث الفيضانات: دروس من الشمال

​لا تظهر القيمة الحقيقية للمناطق الرطبة كبنية تحتية طبيعية إلا في أوقات الأزمات. فالمناطق الشمالية للمغرب، التي شهدت مؤخرا زخات مطرية عاصفية،  أدت إلى فيضانات خسرت فيها المدن الكثير، تقدم لنا درسا قاسيا في أهمية الحفاظ على هذه النظم.
​تعمل المناطق الرطبة المحيطة بمدن الشمال كـ”إسفنجة عملاقة” وقدرة ربانية على كبح جماح المياه. فهي تمتص التدفقات الجارفة للأمطار الشتوية الغزيرة وتخزنها في أحواضها الطبيعية، مما يمنع وصول هذه الأطنان من المياه بشكل مفاجئ ومدمر إلى البيوت والشوارع. وعوض أن تتحول أمطار الشمال إلى عبئ وكارثة، تقوم هذه الإسفنجات بعملية ذكية. فهي تقي القرى من الغرق، وتسرب المياه ببطء وأمان نحو باطن الأرض لتغذية الفرشاة المائية الجوفية.
​هذا الدور يكتسي صبغة “الأمن القومي المائي”، خاصة وأن “توسع الإسمنت” على حساب هذه المستنقعات لبناء المجمعات السكنية كان السبب الرئيسي في جعل الفيضانات أكثر حدة، بعدما فقدت الأرض دفاعاتها الطبيعية التي كانت تحميها قديما.

المغرب: محطة عالمية للتنوع الحيوي

​بفضل موقعه الاستراتيجي كجسر بين القارات، يضم المغرب 38 موقعا مصنفا ضمن قائمة “رامسار”. هذه المواقع لها  أدوار حيوية. فهي ​ملاذ للطيور المهاجرة. تعد مناطق مثل  سيدي بوغابة ومصب واد ملوية محطات استراحة إجبارية لملايين الطيور التي تقطع آلاف الكيلومترات، حيث يجد “النحام الوردي” و”أبو منجل الأصلع” مأواهم السنوي. كما أنها ​خزانات جينية، حيث تعتمد أكثر من 40 في المائة من أنواع الأسماك عالميا على هذه المياه. وفي المغرب، توفر هذه المناطق بيئة خصبة لتكاثر أنواع نادرة لا تعيش في أي مكان آخر، مما يحفظ التوازن الغذائي والبيئي.

الإسفنجة الذكية: خدمات مجانية لا تقدر بثمن

​فضلا عن الجانب الجمالي، تقدم هذه المناطق خدمات بيئية تتجاوز الخيال. فهي تعمل كـمحطات تصفية طبيعية، حيث تقوم التفاعلات بين التربة والنباتات بتنقية المياه من الملوثات والرسوبيات قبل وصولها للأنهار. كما تلعب دورا محوريا في مواجهة التغير المناخي، إذ تعتبر السبخات والمستنقعات مخازن هائلة للكربون، مما يساعد في تخفيف حدة الاحتباس الحراري واستقرار المناخ المحلي للمملكة.

المحرك الاقتصادي والاجتماعي

​ترتبط المناطق الرطبة في المغرب ارتباطا وثيقا بحياة الإنسان والتمكين الاقتصادي. فهي توفر ​الموارد التقليدية من قبيل مراعي خصبة للماشية، ومواد أولية للصناعات الحرفية كالحلفاء والقصب. و في إطار ​السياحة البيئية أصبحت مواقع مثل “بحيرة بين الويدان” وجهات عالمية لممارسة الرياضات المائية ومراقبة الطيور، مما يخلق فرص شغل مباشرة للساكنة المحلية ويساهم في التنمية المستدامة للقرى المجاورة.

​تحديات الوجود: صرخة استغاثة

​رغم هذه الأهمية القصوى، تواجه المناطق الرطبة بالمغرب ضغوطا غير مسبوقة. فالتغير المناخي ونقص التساقطات أديا إلى انكماش بحيرات جبلية، كما أن الاستغلال المفرط للمياه الجوفية في الزراعة المكثفة يهدد بتجفيف هذه الشرايين الحيوية.
​إن استراتيجية “غابات المغرب 2020-2030” تعكس وعيا حقيقيا بضرورة التدخل. فالهدف اليوم ليس فقط تسييج هذه المناطق، بل تدبيرها بشكل مستدام يشرك المواطن ويجعل من الحفاظ عليها مسؤولية جماعية وإرثا وطنيا لا يقبل التفريط.

حماية الماء تبدأ من هنا

تعتبر ​المناطق الرطبة أراض مغمورة بالماء،  وصمامات أمان لمستقبلنا. حماية مرجة أو سبخة في المغرب تعني حماية حق الأجيال القادمة في الماء النقي وفي اقتصاد صامد. إننا مدعوون اليوم لتغيير نظرتنا لهذه الفضاءات، من مناطق “مهملة” إلى “كنوز سيادية”. ففي كل قطرة ماء تسكن هذه المناطق، تكمن قصة صمود أمام الجفاف ووعد بحياة تتجدد

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!